انيس الاخرس الذي يقرأ ويكتب – نضال حمد

من منا نحن أبناء عين الحلوة لا يعرف أنيس؟

أنيس الأخرس الذي يقرأ ويكتب.

أنيس إبن العم، الذي قضينا طفولتنا أنا وأقراني في الحارة نقرأ عنده المجلات عن طرزان وسوبرمان والرجل الوطواط والخ. لقد كان في تلك الفترة من الزمن مستودعنا الإعلامي ومكتبتنا المجانية. وقضينا سنوات في طفولتنا وصبانا نذهب بشكل يومي الى البحر لنستحم ونسبح في مياهه الدافئة عند شط بدر وصخرة الأولى وصخرة المملكة وصخرة البطل. على فكرة اطلق عليها تسمية صخرة البطل نسبة لفلسطيني كان بطلاً رياضياً وهو من آل خضرا ووالد صديق لي درس في بولندا، وهم من سكان مدينة صيدا. لكن هذا البطل وكلكم تعرفونه أبتلي كما آخرين كانوا معروفين في المخيم وصيدا بإدمان الخمر.

في ذلك الوقت كنا أنا وأصحابي ومنهم طارق وعامر فتية صغاراً. ربما في الصف الأول تكميلي يعني الأول متوسط في مدرسة حطين بمخيم عين الحلوة. بجوار بيوتنا كان هناك موقعين متقابلين، واحد لجيش التحرير الفلسطيني في بيت دار أم سليمان، الذين غادروه بعدما أجروه أو باعوه للفدائيين. أما الثاني لوجستي تابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وكان مسؤوله الشهيد فيما بعد أبو أمين السبعيني. هذا البيت كان لأبن العمة الأستاذ حسين خليل “أبو شادي”، الذي أجره للجبهة فأصبح مستودعاً لوجستياً ثم موقعاً لمقاتلين، فمنامة للأطباء وللممرضين والمتطوعين الأوروبيين المتضامنين مع فلسطين… وقد التقيت ببعضهم فيما بعد في النرويج والسويد.

في يوم من الأيام بينما كان الشهيد أبو أمين السبيعني والد صديقي منذر السبعيني المقيم في السويد، في طريق عودته من العيشية في الجنوب اللبناني حيث كان في مهمة عمل بالقواعد الفدائية… على الطريق الى المخيم اصطاد ثعلباً. عند وصول ابو الأمين الى موقع الجبهة بجوار بيوتنا في حارة الصفصاف التحتا، يعني غرب الشارع الفوقاني. قام أنيس بأخذ الثعلب، ثم بعد سلخه وتنظيفه وتقطيعه وشويه بمساعدتي أنا وطارق ابن عمي، رفيق المهمات الغربية العجيبة في زمن الطفولة والصبا. تناوبنا على إلتهامه بعدما عصرنا على اللحم الكثير من الحامض (الليمون) كما أضفنا عليه الملح والبهارات. تلك كانت أول دورة “وحوش” فدائية لي ولطارق قبل أن نعتاد على مثل تلك المواقف فيما بعد.

أستشهد القائد الفدائي أبو أمين في عملية اقتحام بلدة الدامور بين صيدا وبيروت في الحرب الأهلية اللبنانية وكنت كتبت عنه مقالة خاصة ضمن سلسلة سيرة مخيم عين الحلوة، التي لم تنته بعد.

بقي أنيس في الحارة منارة معروفة للجميع. حتى إن أراد أحد ما أن يصف لأحد ما عنواناً في الحارة، كان يقول له: بيت فلان قرب بيت أنيس الأخرس. يعني بيت أنيس أصبح علامة فارقة مثلما كان دكان العم الراحل أبو كامل يونس عند مفرق سيروب القديم.

عندما فرضت الفصائل الفلسطينية سنة 1976 -1977 التجنيد الإجباري على فلسطينيي مخيمات لبنان. برأيي الآن وبعد مرور عشرات السنين عليها اأنها كانت خطوة حمقاء أقدمت عليها القيادة الفلسطينية آنذاك. المهم التحق أنيس الأخرس والأطرش بالمعسكر في بلدة النجارية جنوب لبنان للتدرب على استخدام السلاح والقتال. بما أن أنيس لا يسمع فقد أصيب بجراح طفيفة اثناء رمي قنبلة صوتية صغيرة أمام الخيمة، ضمن برنامج التدريب لايقاظ المتدربين من نومهم. لكن الحقيقة أيضاً أن أحداً لم يخبر قادة المعسكر بأن أنيس لا يسمع. في ذلك الوقت كان من قادة المعسكر الشهيد الفذ أبو كفاح فهد أحد أهم القادة العسكريين، الفدائيين والميدانيين لجبهة التحرير الفلسطينية في لبنان. كما كان معه أيضا في هيئة التدريب الفنان والأديب والكاتب والرسام والفدائي، الصديق العراقي أمير الدراجي – أبوجودت- الذي توفي هنا في النرويج قبل سنوات قليلة. كما كان كذلك الرفيق أبو صالح هشام وآخرين. مع أن كل الدورة كانت من أعضاء وأنصار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. يومها “جبهة الرفض” كانت لازالت حيّة لكنها كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة.

أنيس في السنوات الأخيرة تبدل وتغير نحو الأسوأ كأنه أصيب بجنون أو مس. فأخذ يعيش في غرفته بظروف صعبة وغير انسانية مع أن عائلته وأقاربه وفروا له كل ما يريحه. لكنه لم يعد يهتم بشيء، ولا حتى بخطورة بعض الأفاعي الصغيرة التي كان يجمعها في “مراتبين” زجاجية في غرفته. قيل لي أن حية لدغته ولحسن حظه خرج من اللدغة حياً لكن بعد عناء. كان يترك بقايا الطعام في الدار فتأتي الجرذان لتلعب هناك. مرة أنا بعيني شاهدت جرذ مر من فوق جسده أثناء نومه على سطح البيت.عاتبته ولمته وحاولت اقناعه أن هذا خطأ لكنه لم يهتم  بكلامي، كان كعادته يحاول تغيير موضوع الحديث. ببساطة يبدو لي أنه كان مريضاً وبحاجة لعلاج نفسي.

رأيته ذات مرة يقوم بمعاقبة الديك الذي لديه في الدار. عاقب الديك لأنه خرج من المكان الذي وضعه فيه بلا طعام أحيانا كثيرة. فالديك كان يغادر للبحث عن طعام أو أي شيء يقتاته. رأيته يتحدث أو يتمتم مع الديك بلغته أو إشاراته وكأن الديك يفهم عليه. للأسف حول ساحة داره الى ما يشبه مكب للنفايات، إذ كان يقوم بجلب الخضراوات والفاكهة والأطعمة والأسماك والدجاج ويتركها حتى تفسد. فتنتنشر الروائح الكريهة المنبعثة من الدار على الجيران. ينتشر البعوض والذباب في الحارة خاصة في فصل الصيف. فيقوم أهله وأقاربه بتنظيف الدار والغرفة وإعادة الوضع الى ماكان عليه. يصمد أنيس قليلا لكنه يعود لنفس الحالة. يقدمون نيابة عنه طلباً لهيئة الوكالة للمساعدة فتفعل وتنظف وتعقم الدار وتقوم منظمة المساعدات الشعبية النرويجية في المخيم بترميم البيت وتحديثه. لكنه بعد حين يعود لنفس الوضعية. يبدو أنه لا حل معه… فقد أهمل أنيس نفسه كثيراً فأصبح لا يستحم إلا فيما نذر مع أنه كان دائما يستحم وينظف نفسه ويلبس ملابس أنيقة ونظيفة. خلال زياراتي العديدة الى المخيم طلبت منه أن يستحم وناولته ما تيسر من المال ففعل ذلك. أعرف أن غيري من الأقارب فعلوا الشيء نفسه. لكن بعد حين يعود أنيس الى حالة جنونه وفوضاه. أقول ذلك بحزن وألم لأنني أحبه ولا أريد له أن يغرق في اليأس أو المرض. فهو حالة لا تتكرر يصعب إستنساخها أو عمل نسخة عنها. لكن هو أيضاً ضحية الإهمال في مجتمعنا وبلادنا. فأنيس لم يعد هو نفسه، أنيس الذي عرفته في طفولتي وشبابي. وهذا الأنيس هو إبن عمي ومثل أخي. نحن في مجتمعات لازالت فيها عقلية قديمة تسود إذا كان شخص أخرس يعاملونه كمجنون. أما ذو الإعاقة يسمونه “عطيلة” ويتعاملون معه على أساس أنه منتهي… وإذا كان مثل “آتي” أو “البرلي” كان الله بعونه.

تصوروا لو أن كاتباً ما جاور أنيس وعاش معه لفترة من الوقت. أنا متأكد أنه كان سيكتب واحدة من أجمل الروايات الانسانية، التي ستغني بالتأكيد الأدب الانساني العالمي. لكن لا كاتب ولا أديب يجاوره وأنيس بلا زوجة وبلا أم وبلا أب… فقد تزوج وحدته، ويبدو أنه إختار وأرتضى أن يكمل حياته على هذه الطريقة التي لا تزعجه وربما تزعجه ونحن لا ندري، وأيضا تزعج الآخرين.

للعلم أنيس في صغره أرسله أهله أي دار عمي رحمهم الله الى مصر حيث تعلم القراءة والكتابة. هذا دليل على اهتمام والديه وعائلته به منذ البدايات. لكن مع تأزم الوضع الفلسطيني في لبنان والحرب الأهلية والخراب الذي عم المخيمات بعد سنة 1982. ثم وفاة والده ووالدته وسفر إخوته وتعامل المحيط معه على أنه (مختل) صار أنيس شخصاً مختلفاً. لكن تذكروا أن نفس هذا المجتمع هو الذي ساعده ووقف الى دانبه في أمور أخرى. هكذا هي مجتمعاتنا تجمع النقيضين معاً.

19-1-2015

تم التعديل في العاشر من كانون الثاني 2022

ملاحظة : توفي أنيس في مخيم عين الحلوة بعد عناء مع المرض في شهر نوفمبر – تشرين الثاني 2018.

19-01-2015

اترك تعليقاً