بريطانيا والولايات المتحدة و فرض التقسيم على الأمم المتحدة – د. غازي حسين

بمناسبة مئوية وعد بلفور المشؤوم

اندلعت في فلسطين الثورة العربية الكبرى التي بدأها الشيخ الجليل عز الدين القسام من جبلة وإمام جامع الجزار في عكا واستمرت من عام 1933 حتى عام 1939 مع إصدار بريطانيا للكتاب الأبيض (تعهدت فيه بوقف الهجرة اليهودية) واندلاع الحرب العالمية الثانية.

وطالبت الثورة بوقف الهجرة اليهودية وإلغاء الانتداب البريطاني وإعلان استقلال فلسطين. وكانت موجهة ضد الاستعمار البريطاني والعصابات اليهودية الإرهابية المسلحة وعلى رأسها الهاغاناه.

ظهر مشروع التقسيم لأول مرة على أثر تقرير لجنة بيل التي شكلتها الحكومة البريطانية عام 1937 لإنهاء إضراب الستة أشهر الذي نفذه الشعب الفلسطيني احتجاجاً على سياسة حكومة الانتداب المنحازة للوكالة اليهودية والمعادية لحقوق ومصالح الفلسطينيين وعلى وعد بلفور والهجرة اليهودية. وكانت بريطانيا قد التزمت بتحقيق الوعد في المادة الثانية من صك الانتداب البريطاني. وأخذت تعمل منذ تعيينها الصهيوني هربرت صموئيل المندوب السامي الأول على تهيئة الأوضاع لإقامة إسرائيل.

وأدى استسلام هتلر للحكم في ألمانيا عام 1932 وتوقيع اتفاقية هافارا عام 1934 بين حكومة ألمانيا النازية والوكالة اليهودية في فلسطين لتنظيف ألمانيا وأوروبا من اليهود وإرسالهم فقط إلى فلسطين وتعويضهم عن أملاكهم في ألمانيا ببضائع ألمانية كانت ترسلها ألمانيا النازية إلى تل أبيب.

ونجحت الصهيونية بإقامة مجتمع يهودي في تل أبيب من خلال المهاجرين اليهود الذين قدموا من ألمانيا.

انهارت بعد الحرب العالمية الثانية النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا واليابان. وسقطت جميع النظريات الفاشية والعنصرية بما فيها اللا سامية والنازية. وتبلورت العديد من العهود والمواثيق الدولية والقانون الدولي الديمقراطي. وتبنت الأمم المتحدة محاربة النازية والعنصرية والتمييز العنصري.

وصعدت اليهودية العالمية إلى القمة في أمريكا وأوروبا. وتغلغل اليهود في جميع الأحزاب الاشتراكية واليسارية والشيوعية في العالم، وأثروا على مواقفها واتجاهاتها الفكرية والسياسية.

وأساءت الصهيونية العالمية لضحايا النازية باستغلالها معزوفتي اللا سامية والهولوكوست واستخدام التاريخ لتحقيق الأهداف الصهيونية لإقامة إسرائيل ككيان استعمار استيطاني وعنصري وإرهابي وإجلائي وإحلالي. وتحرك الخبث والدهاء البريطاني لاستغلال جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها ألمانيا النازية والعطف الذي بثته الصهيونية لتهجير اليهود الجماعي إلى فلسطين ولإقامة إسرائيل فيها. وأعلنت الحكومة البريطانية في الثاني من نيسان عام 1947 بأنها طلبت من الأمين العام للأمم المتحدة أن يدعو الجمعية العامة لعقد دورة خاصة لبحث قضية فلسطين، وأدرجت قضية فلسطين على جدول أعمال الدورة الثانية للأمم المتحدة.

وألقى المندوب البريطاني خطاباً في الدورة أعلن فيه عزم حكومته على الجلاء فوراً عن فلسطين. وذلك بعد أنْ اتضح لبريطانيا أن وعد بلفور بدعم من الولايات المتحدة يسير في طريق التنفيذ بتقسيم فلسطين. ومارست الولايات المتحدة أبشع أنواع الضغط والابتزاز على بعض الدول الأعضاء للموافقة على التقسيم. وأرادت بريطانيا تحقيق وعد بلفور والتقسيم عن طريق الأمم المتحدة بدلاً من إعلان استقلال فلسطين وانسحاب القوات البريطانية منها وتشكيل حكومة منتخبة في كل فلسطين. وهكذا قررت بريطانيا تحقيق سياساتها وخدمة مصالحها الإقليمية والدولية عن طريق الأمم المتحدة ولعدة اعتبارات منها:

1 ــ تعفي قرارات الأمم المتحدة بريطانيا من وعودها تجاه العرب.

2 ـــ للقرار الصادر عن الأمم المتحدة قيمة دولية وسياسية ومعنوية أكبر من قيمة أي قرار تصدره بريطانيا.

3 ـــ تجنبت بريطانيا إغضاب بعد العرب والمسلمين بإصدار قرار التقسيم من الأمم المتحدة نظراً لعلاقاتها الوطيدة مع العديد منهم.

4 ـــ تخلصت بريطانيا من إلقاء المسؤولية على عاتقها، ولتحميل الأمم المتحدة مسؤولية تقسيم فلسطين.

عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة دورة استثنائية في 27 نيسان 1947 تلبية لطلب الحكومة البريطانية.

وعند افتتاح الدورة طلب الوفد البريطاني أن يقتصر جدول الأعمال على الاقتراح البريطاني الذي نص على تشكيل لجنة تحقيق.

وفاز اقتراح بريطانيا الذي تضمن تشكيل لجنة خاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين.

أحالت الجمعية العامة قرارها إلى اللجنة السياسية اللجنة الأولى والتي قررت أن تتألف لجنة التحقيق الدولية من إحدى عشرة دولة.

وجاء تشكيل اللجنة ضربة للموقف العربي إذ ضمَّت ثماني دول من الكتلة الغربية ودولتين آسيويتين ودولة محايدة وهي يوغسلافيا، وتم انتخاب غواتمالا والأرغواي لأنهما أظهرتا انحيازاً سافراً، خلال المناقشات في الجمعية العامة للموقف الأمريكي وتأييدهما للتقسيم.

وجاءت الصلاحيات والاختصاصات التي حددتها الجمعية العامة للجنة ضربة قوية لعدالة قضية فلسطين والموقف العربي. وأعطيت لجنة التحقيق الدولية أوسع الصلاحيات وربطت الجمعية العامة حل مسألة المهاجرين اليهود في أوروبا على حساب حقوق الشعب الفلسطيني بتهجيرهم إلى فلسطين وإقامة إسرائيل فيها.

اختلف أعضاء اللجنة حول التوصيات التي سيقدمونها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وانقسموا إلى فريقين، فريق الأكثرية ونص في تقريره على التوصية بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية ووضع القدس ومنطقتها تحت الوصاية الدولية وعقد معاهدة اقتصادية بين الدولتين.

وتضمن تقرير فريق الأقلية التوصية بإقامة دولة اتحادية من دولة عربية وأخرى يهودية.

وانعقدت الدورة العادية للأمم المتحدة في الأول من أيلول عام 1947، وأدرج في جدول الأعمال تقرير لجنة التحقيق والتوصيات.

مارست الولايات المتحدة واليهود فيها أبشع أنواع الضغوط على الوفود المعارضة للتقسيم متهمين بعض الوفود المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني باللا سامية. فعندما كان أحد أعضاء الأمم المتحدة يثير مصير الشعب الفلسطيني أو حقوقه أو مدى صلاحية الأمم المتحدة بفرض التقسيم على الرغم من معارضة أكثرية السكان لتقسيم وطنهم، كانت الصهيونية تتهم مثل هذه الوفود باللا سامية. ولقد اعترف حتى الرئيس الأمريكي ترومان في مذكراته بالضغوط التي مارستها الصهيونية عليه وكتب يقول: «في الواقع لم تكن الأمم المتحدة وحدها التي أخضعت لضغوط لم تعرفها من قبل، بل إن البيت الأبيض نفسه تحمل دفعاً من الضغط. ولا أعتقد أنني تعرضت يوماً لحملة دعائية بهذه الشدة. وكان يزعجني ويضايقني اتهام بعض الزعماء الصهيونيين المتطرفين الذين كانوا يستعملون التهديد السياسي. وقد اقترح بعضهم أن نستخدم

نفودنا لنحمل دولاً ذات سيادة على التصويت إلى جانبهم في الجمعية العامة».

لقد تعرضت عواصم الدول التي تعارض وفودها التقسيم في عشية إقراره إلى ضغوط أمريكية من قبل الإدارة الأمريكية ويهودية هائلة. وشكَّل زعماء اليهود ومؤيديهم من السياسيين الأمريكيين لجنة الطوارئ للتقسيم من عدد من أصحاب النفوذ الكبير في داخل في الولايات المتحدة وخارجها. وتولت زوجة الرئيس السابق روزفلت الاتصال برجال السياسة الأمريكية والرئيس ترومان. وتعهد اليهودي برنارد باروخ عضو اللجنة للوفد الفرنسي بتقديم مساعدات أمريكية وفيرة لفرنسا بموجب مشروع مارشال، ومارس عضو اللجنة هارفي فايرستون نفوذه الاقتصادي على ليبيريا وضغط على حكومتها لتغيير موقفها.

ومارست الولايات المتحدة ضغطاً كبيراً على مندوب الفلبين الذي كان من أشد المعارضين للتقسيم، واستجابت حكومته للضغوط ونصحته بالتصويت إلى جانب التقسيم صيانة للصداقة الفلبينية ـــ الأمريكية. وكان مندوب هايتي معارضاً للتقسيم، ولكنه تلقى تعليمات من حكومته نتيجة للضغط الذي وقع عليها إلى تأييد التقسيم. ووصل عدد الأصوات المؤيدة للتقسيم إلى 32 وارتفع العدد إلى 33 بعد أن غيّر مندوب ليبيريا موقفه من معارض للتقسيم إلى مؤيد له نتيجة للضغط الأمريكي.

وكانت الدبلوماسية الأمريكية تحث بعض الدول المعارضة للتقسيم على الامتناع عن التصويت، فالولايات المتحدة لعبت الدور الأساسي في إقرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين.

اجتمعت الجمعية العامة في 29 تشرين الثاني عام 1947 للتصويت على مشروع التقسيم وقال رئيس الجمعية العامة أنه واثق بأن ثلثي الأصوات قد أصبحت متوفرة لإقراره.

اقترح الوفد اللبناني كمحاولة أخيرة لمنع صدور قرار التقسيم تشكيل دولة اتحادية في فلسطين ولكن اقتراحه رفض، وصوتت الجمعية العامة على مشروع التقسيم ووافقت عليه بأغلبية 33 صوتاً ومعارضة 13 وامتناع عشر دول عن التصويت وغياب دولة واحدة.

وظهر بجلاء أنه لولا الولايات المتحدة الأمريكية لما نجحت الصهيونية العالمية بتمرير قرار التقسيم وجاء الانحياز الأمريكي الأعمى والوحشي وغير العادل ليظهر معاداة الولايات المتحدة الأمريكية للحق العربي العادل في فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية ولأبسط مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لذلك تتحمل بريطانية والولايات المتحدة والأمم المتحدة مسؤولية تأسيس إسرائيل وارتكابها للنكبة المستعمرة والهولوكوست على الشعب العربي الفلسطيني وعدم تنفيذ حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وإشعال الفتن الطائفية والعرقية والحروب المدمرة في بلدان الشرق الأوسط .

اترك تعليقاً