بنيامين نتنياهو: عقيدة اللاحل – انطوان شلحت

يتناول تجربة بنيامين نتنياهو، عبر تقديم قراءة متكاملة لمسيرته السياسية وخياراته، ومرجعياته الأيديولوجية، وما تركه ويتركه من بصمات على المشهد (الإسرائيلي)، وما يعبر عنه من توجه نحو اليمين، بما يشمل انحيازه لسياسة الصدام والتوسع على صعيد العلاقة مع الفلسطينيين.

ويتتبع الكتاب المحطات الأساسية في سيرة نتنياهو، ملقياً الضوء على الأدوات التي استخدمها في خدمة ما صار يعرف بإستراتيجية البقاء في السلطة وخاصة في ولايتيه الثانية والثالثة، وذلك بعد سقوطه المدوي في ولايته الأولى في تسعينيات القرن العشرين الماضي.

ويراقب الكتاب ما يبديه نتنياهو من سياسة مراوحة في المكان تخفي خلفها محاولة دائمة لـ “شراء” الوقت من الفلسطينيين والأميركيين ومن العالم، لتكريس واقع يلحق الضرر بإمكان التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، بحيث يغطي الانتشار الاستيطاني جميع المناطق المحتلة من البحر وحتى نهر الأردن.

ويمنح الكتاب مساحة للإضاءة على ما ينجزه نتنياهو من تغيير داخلي بنيوي في إسرائيل، ضمن مسعى لا يكل لإعادة تركيب البنية السياسية والإعلامية والقانونية بما يخدم مشروعه الأيديولوجي اليميني المتشدّد، إذ “يقوم نتنياهو بـ”تهويد” (إسرائيل) تماماً، وصولاً إلى سنّ قانون أساس يُعرّف (إسرائيل) بأنها “الدولة القومية للشعب اليهودي”.

ويتقصّى الكتاب ما قامت به حكومتا نتنياهو السابقة (2009- 2013) والحالية (منذ 2013) عبر تصعيد طرح رئيسهما ركنين لـ”السلام” هما شرعية الدولة اليهودية تاريخياً والأمن من خلال تعقب ممارساتهما السياسية والميدانية ولا سيما على صعيد الاستيطان.

ويخضع الكتاب عقيدة نتنياهو السياسية والأمنية وما طرأ عليها من تغيّر إلى التحليل بواسطة قراءة معمقة في ما يلي: أ- فكره السياسي كما تجلى في كتابه “مكان تحت الشمس”؛ ب- منشأه الأيديولوجي وتأثير والده عليه (وسط تأكيدات تتعلق بعبوديته المطلقة لوالده المتطرف في آرائه اليمينية(؛ ج- أهم خطاباته وخصوصاً خطابي بار إيلان 1 و2 وخطابه أمام مؤتمر “معهد دراسات الأمن القومي” في جامعة تل أبيب يوم 29/6/2014 والذي كان محوره “خيارات (إسرائيل) بعد وصول الحل الدائم إلى طريق مسدود” وعرض فيه نظريته السياسية – الأمنية، فضلاً عن تصريحاته واستنتاجاته خلال الحرب العدوانية الأخيرة على غزة وفي إثر انتهائها.

ويؤكد المؤلف أن الخطابات الأخيرة لبنيامين نتنياهو بموازاة ممارساته المتعدّدة تشف عن تبنيه “عقيدة محدّثة” على الصعيدين السياسي والأمني تستلهم آخر التطورات الإقليمية، وهي مخصّصة أكثر شيء لـ”عدم الاستقرار في الشرق الأوسط” الذي برأيه سيستمر أعواماً عديدة وخلالها سيهدّد الإسلام المتشدّد السلام في المنطقة وأمن سكانها لعقد من الزمن أو أكثر على الأقل، وهي عقيدة لا تطرح قطّ إمكان معاودة المفاوضات مع الفلسطينيين، ولا تطرح خطة (إسرائيلية) مستقلة للتسوية.

وفي هذا الشأن الأخير أشير أيضاً إلى ما يمكن اعتباره “صراع خطط” بين شتى المركبات التي تشكل ائتلاف حكومة بنيامين نتنياهو الثالثة التي بدأت ولايتها في آذار 2013 وستنتهي في آذار 2015.

وتقوم “عقيدة نتنياهو” هذه فيما يتعلق بالصراع (الإسرائيلي)- الفلسطيني على أساس أن هناك حاجة- كقوله- إلى “تجديد النمط القديم الرامي إلى تحقيق السلام لجعله يأخذ الواقع الجديد (المقصود واقع عدم الاستقرار الإقليمي) بعين الاعتبار وكذلك الأمر بالنسبة للوظائف والمسؤوليات الجديدة التي يتحملها الجيران العرب”.

كذلك تقوم على أساس أنه إذا كان “كثيرون يرون منذ فترة طويلة أن السلام (الإسرائيلي) الفلسطيني قد يساهم في دفع المصالحة الأوسع نطاقاً بين (إسرائيل) والعالم العربي، فإن الأمر يسير حالياً في الاتجاه المعاكس، إذ إن المصالحة الأوسع نطاقاً بين (إسرائيل) والعالم العربي قد تساهم في دفع السلام (الإسرائيلي) الفلسطيني. ويقتضي تحقيق هذا السلام التطلّع ليس إلى القدس ورام الله فحسب بل أيضاً إلى القاهرة وعمّان وأبو ظبي والرياض وعواصم أخرى. وأعتقد بأنه يمكن تحقيق السلام من خلال اضطلاع الدول العربية بدور فعال أو تلك منها المستعدة لتقديم المساهمات السياسية والمادية وغيرها من المساهمات الحيوية”، كما لا يني نتنياهو نفسه يؤكد.

ويكرّر نتنياهو- كما تجسّد ذلك مثالاً في سياق “خطاب بار إيلان 2” الذي ألقاه بعد مرور أكثر من نصف عام على ولاية حكومته الثالثة- أن “البقرة المقدسة” التي كانت تعتبر أن جوهر الصراع في الشرق الأوسط يعود إلى القضية الفلسطينية، أصبحت من ضحايا الثورات العربية الحالية.

وتؤيد عدة أطراف في ائتلاف حكومته الثالثة هذه العقيدة.

من ناحية أخرى، ما تزال هذه العقيدة تصرّ على مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بالدولة اليهودية، وتؤكد أن السلام لن يحلّ ما لم يفعلوا ذلك، وأن تحقيق السلام لن يتسنى إلا بعد اعترافهم بحق الشعب اليهودي في أن يعيش هنا في دولة سيادية أو دولة قومية خاصة به. ولعل الأمر الأعمق في هذه السيرورة هو تطلع (إسرائيل) إلى أن يتحوّل الاعتراف بها إلى اعتراف بالصهيونية وممارساتها الكولونيالية، وبالتالي يتحول الاعتراف الفلسطيني من اعتراف بحكم الأمر الواقع إلى اعتراف مبدئي بشرعيتها التاريخية.

وفي هذا السياق يعمل نتنياهو على الدفع قدماً بسن “قانون أساس: (إسرائيل) الدولة القومية للشعب اليهودي”. كما دفع الهيئة العامة للكنيست إلى المصادقة بالقراءتين الثانية والثالثة يوم 12/3/2014 على قانون جديد يقضي بإجراء استفتاء عام قبل التنازل عن أراض خاضعة للسيادة (الإسرائيلية) بموجب القانون (القدس الشرقية وهضبة الجولان) في أي اتفاق سياسي يتم توقيعه في المستقبل. وهو قانون أساس ولذا يعتبر دستورياً، ويهدف إلى التضييق على أي تسوية مع الفلسطينيين وإفشالها.

وبموازاة ذلك تطرح “عقيدة نتنياهو” موافقة الفلسطينيين على ترتيبات أمنية بعيدة المدى وفي مقدمها بسط السيطرة (الإسرائيلية) على غور الأردن. وتتعالى يوماً بعد يوم أصوات تؤكد أن “المشروع الاستيطاني” في مناطق الضفة الغربية تحوّل إلى مشروع ضخم لا رجوع عنه تقريباً، مع ما يعنيه ذلك من دلالة سحب البساط من تحت أقدام “حل الدولتين”.

ويشمل الكتاب ملحقاً يضم مجموعة خطابات مختارة بعناية تعبر بشكل جليّ عن برامج نتنياهو ومخططاته.

“بنيامين نتنياهو: عقيدة اللاحل”
انطوان شلحت

2015

اترك تعليقاً