سياسات محمود عباس المتناقضة – منير شفيق

ما معنى أن يأخذ المجلس الثوري لحركة فتح، بأمر من الرئيس محمود عباس، قراراً يطلب من المجلس المركزي حل المجلس التشريعي لإجراء انتخابات تشريعية خلال العام القادم؟

طبعاً، ليس البعد الأهم في هذا التوجه الذي يعبر عما يريده الرئيس، أو يعد له، مقتصراً في بعده القانوني أو “الدستوري” (مخالفته للقانون الأساسي)، وإنما يكمن في بعده السياسي ونتائجه على الأرض.

يشكل البعد الأهم في هذا القرار، تكريساً لسياسات محمود عباس في إعطاء الأولوية للصراع ضد حماس، وضد المقاومة في قطاع غزة، بل ضد القطاع كله. فهو متواصل مع سياسة إنزال العقوبات ضد قطاع غزة بهدف تركيعه ليتخلى عن سلاحه وأنفاقه، وهو ما عجز جيش الكيان الصهيوني عن تحقيقه من خلال ثلاث حروب؛ في ظل حصار خانق للقطاع امتد أحد عشر عاماً حتى الآن.

الحجة الوحيدة والرئيسة التي يعلنها محمود عباس في سبب رفضه لأية مصالحة، وبلا مواربة، هي عدم تضمنها أن يتسلم، وبالكامل، كل ما في القطاع “فوق الأرض وتحت الأرض”، أي السياسة والسلاح والأنفاق. وتطور هذا الشرط ليشمل، أيضاً، وقف مسيرات العودة الكبرى، وكل المبادرات التي أبدعها الشباب والشابات في مقاومة الاحتلال، مثلاً الطائرات والبالونات حاملة اللهب إلى مناطق المستعمرات المحيطة بالقطاع.

من هنا يأتي قرار المجلس “الثوري” إمعاناً في دعم سياسات محمود عباس آنفة الذكر. أما الدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية خلال العام المقبل فيراد منها بالطبع، أو عملياً، انتخابات لمجلس تشريعي تقتصر على الضفة الغربية فقط، وذلك مع تزويرها، كما حدث في المجلس الوطني الأخير في رام الله، ومن قبله مؤتمر فتح الأخير كذلك، الأمر الذي يعني أن التصعيد في العداء لقطاع غزة (قاعدة المقاومة المسلحة)، أخذ يتجه إلى فصل الضفة الغربية المحتلة: المصادرة بالاستيطان، والرازحة تحت التهويد من خلال شرعنة الاستيطان، كما نص “قانون الدولة اليهودية” الاقتلاعي العنصري الذي أقره الكنيست الصهيوني.

إن انتخابات مجلس تشريعي تقتصر على الضفة الغربية؛ من شأنها أن تكرس الأمر الواقع الراهن وتشرعنه، وذلك من خلال وجود “مجلس تشريعي” خاص بالضفة إلى جانب سلطة التعاون الأمني الذي يحمي الاحتلال والاستيطان، من خلال مطاردة المقاومة المسلحة، وكل مقاومة شعبية متجهة إلى الانتفاضة منذ الاحتلال والاستيطان.

فأية سياسة هذه؟ وكيف يمكن أن تتوافق مع سياسة محمود عباس الذي رفض ما يسمى صفقة القرن، وقطع علاقاته بأمريكا بعد إعلان ترامب القدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية إليها؟

لا شك في أن رفض سياسات الإدارة الأمريكية، كما عبر عن ذلك محمود عباس، يشكل خطوة إيجابية في مواجهة ما يسمى بصفقة القرن، ولكن كل ما عدا ذلك من مواقف وسياسات يعلنها ويطبقها؛ تمثل تناقضاً مع تلك الإيجابية، بل يشكل شللاً لها، فضلاً عن إغلاقه الباب في وجه وحدة وطنية فلسطينية واسعة تتجه من خلال انتفاضة شعبية سلمية شاملة لتحرير القدس والضفة الغربية، بلا قيد أو شرط، كما سبق وتحرر قطاع غزة وجنوبي لبنان.

وباختصار، يمكن تشبيه سياسات الرئيس الفلسطيني محمود عباس من جهة، مثل “حراثة الجمل” في هذه المرحلة، وذلك حين يتحدى السياسات الأمريكية (ولو مضطراً؛ لأنها لم تعطه شيئاً) ثم يمضي من جهة أخرى، بعيداً في حربه ضد حماس وقطاع غزة، ومن ثم الحيلولة دون عقد “مصالحة”، أو في الأدق دون تشكل وحدة وطنية لمواجهة الاحتلال والاستيطان في القدس والضفة الغربية، حيث تتآكل الأرض ويستشري التهويد، أي الخطر الأعظم الذي يداهم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في الوقت الحاضر.

حين يطلب محمود عباس من المجلس الثوري لحركة فتح أن يدعو لحل المجلس التشريعي، وعقد انتخابات (في الضفة الغربية عملياً فقط)، فتلكم سياسة تكشف بلا مواربة من هو المتسبب في الانقسام، ولماذا وقع الانقسام، ومن بعده، يكشف لماذا لم تتحقق مصالحة. هذا من جهة، ويكشف، من جهة أخرى، أن الحرب على قطاع غزة تمثل خلافاً سياسياً تعود جذوره إلى سياسة المفاوضات والتنازلات والتسوية والتنسيق الأمني، وإلى استراتيجية تصفية المقاومة المسلحة ومناهضة الانتفاضة الشعبية، وكل مقاومة شعبية تشتبك مع الاحتلال.

فمثل هكذا سياسة لا يمكن أن توحد الشعب الفلسطيني ولا يمكن أن تواجه الاحتلال والاستيطان. فالانقسام الفلسطيني لا مفر منه مع هكذا سياسة واستراتيجية. ولهذا، فإن فشل كل محاولات المصالحة يعود للتمسك بهذه السياسة.

هذه الحقيقة يجب أن تكون مُسلّمة عند كل تناول لموضوع الانقسام أو المصالحة أو تحقيق وحدة وطنية تسقط مشروع صفقة القرن، وتذهب إلى استراتيجية الانتفاضة الشعبية في القدس والضفة الغربية، جنباً إلى جنب، مع المقاومة ومسيرة العودة الكبرى في قطاع غزة.