عمر الشريف وجمال سليمان اذ “يمثلان” بجثتي جيفارا عبدالناصر – فيصل جلول

جاءت سيرة جيفارا عبر الفيلم كما تريدها ال سي اي اي . رجل بلا قضية يهرب من زوجته الى الثورة ويخونه صديقه كاسترو وهو متسلط وقاتل ومتمسك بعاداته البرجوازية لا يحترم الراي الاخر ولا يبرع في التخطيط ويسقط صريع تهوره.
فيصل جلول

في العام 1968 من القرن الماضي وبعد مضي عام واحد على اغتيال ارنستو تشي غيفارا بادرت المخابرات المركزية الامريكية الى تشويه سيرته عبر فيلم سينمائي تحريفي بالمعنى لعب دور البطولة فيه الممثل المصري عمر الشريف علما ان الدور نفسه رفضه اكثر من نجم امريكي وعالمي يحترم نفسه. وبالفعل جاءت سيرة جيفارا عبر الفيلم كما تريدها ال سي اي اي . رجل بلا قضية يهرب من زوجته الى الثورة ويخونه صديقه كاسترو وهو متسلط وقاتل ومتمسك بعاداته البرجوازية لا يحترم الراي الاخر ولا يبرع في التخطيط ويسقط صريع تهوره.

لم يلق الفيلم نجاحا سينمائيا ولم يستقر طويلا في الصالات لكن بطله عمر الشريف حصل على جائزة افضل ممثل انتهازي والاكثر خفة والاقل احتراما للذات في السينما العالمية خصوصا ان هذا الفيلم لم يكن الاول من نوعه فقد سبق لعب في فيلم “لورانس العرب” الذي يمجد اسطورة الضابط البريطاني الذي استغفل بعض قبائل شبه الجزيرة العربية وعلى راسهم الشريف حسين امير مكة فكانت خديعة مجدها الممثل المصري الخارج لتوه غاضبا من القاهرة الناصرية علما ان زوجته فاتن حمامة رفضت ان تسير على رسمه.

لم يكف عمر الشريف عن تادية أدوار سينمائية يعرض الاخرون عنها من الدكتور جيفاكو الذي استخدم كوسيلة دعائية ضد الشيوعية الى ليلة الجنرالات الخ ..

عمر الشريف سيعتذرعن ارتكاباته بعد ان تجاوز السبعين وبخاصة فيلم جيفارا زاعما انه لم يكن يعرف شيئا عن انتاج الفيلم وعن المناضل الارجنتيني وسيقر في نوفمبر ــــــــ تشرين الاول عام 2007 ان المخابرات المركزية الامريكية استخدمته لكن دون علمه وسيعبر في المناسبة نفسها عن رفضه لمعظم افلامه الاجنبية وعن تعلقه بمعظم افلامه المصرية التي تمت في عهد عبدالناصر لكنه سيواصل حقده على ناصر ووصفه بالدكتاتور المجرم ..الخ

لا اعرف ان كان احد قد عرض على عمر الشريف “التمثيل” بجثة جمال عبدالناصر في مسلسل “صديق العمر” كما “مثل” بجثة ارنستو تشي جيفارا لكن جمال سليمان الممثل السوري المعروف سيتنطح فخورا للعب هذا الدور الذي رفضه ايضا كثر غيره لا بل ان مخرجا اخر كان قد تخلى عن اخراج مسلسل “صديق العمر” اثر صحوة ضمير مبكرة فرسى الامر على عثمان ابو لبن المعروف بميوله للانظمة المصرية ما قبل وما بعد النظام الناصري.

جمال سليمان مثل بجثة الزعيم المصري بطريقة سيئة لحسن الحظ فبدا قاصرا عن اداء الدور كما يريده منتجو ومعدو المسلسل وسائر كارهي ناصر والراغبين في تحطيم اسطورته التي عادت الى الحياة مرة جديدة في انتفاضة القاهرة الاخيرة بوجوه مختلفة من بينها وجه شاب ناصري لم يبلغ الثلاثين كان احد ابرز قادة الانتفاضة.

واذ اخفق في “التمثيل” كما ينبغي حاول جمال سليمان ان يغطي ارتكابه لهذا العمل بقذائف دخانية بعضها فلسفي من نوع ” نحن حضارة النقل ونريد ان ننتقل الى العقل” او من نوع ” انا من جيل هزيمة حزيران 67 ومن حقنا ان ننتقد ما حصل وكان كارثة على امتنا ” او من نوع لا بد من تسليط الضؤ على “قرار ناصري خاطيء بالذهاب الى اليمن” ولعل من سؤ حظه ان قذائفه الدخانية سريعة التبدد ذلك ان الانتقال من النقل الى العقل لا يمر بتحطيم الارث السياسي العربي الافضل في القرن العشرين.

اما نقد هزيمة حزيران ـــ67 فقد تم مئات المرات وبالتالي صار المزيد من النقد هو كاللطم الذي يراد منه ختم الناصرية بالشمع الاحمر. وللتذكير فقط ان الجيش الفرنسي هزم في العام 1870 في معركة سيدان خلال يومين وتم اسر 150 الف جندي على راسهم امبرطور فرنسا حينذاك بونابرت الثالث وقد اعلن بسمارك بعدها الوحدة الالمانية من قصر فرساي الفرنسي المحتل فايهما اصعب هزيمة حزيران ام هزيمة سيدان ومع ذلك لم ينتشر اللطامة في فرنسا وقهر الفرنسيون المانيا من بعد.

تبقى حجة اليمن وهنا يبدو ان الممثل السوري لم يتوقف عند الابعاد الاستراتيجية لهذه القضية وهو معذور فالمعروف ان مصير قناة السويس رهن بمصير باب المندب فان كان النظام اليمني بايدي اعداء مصر ضغطوا عليها عبر هذا المضيق و بالتالي ينبغي ان تكون المصالح المصرية الاستراتيجية محفوظة بدولة صديقة وهو ما فعله ناصر عندما ساعد ثورة جنوبيي اليمن ضد الاستعمار البريطاني وانهى احتلالا لارض عربية عمره اكثر من 132 وفي الشمال اليمني اطاح بنظام حكم من القرون الوسط وضمن حكومة صديقة لبلاده في صنعاء .. اما الحديث عن ملاسنات بين ناصر وعدد من الضباط الاحرار ووضعها تحت الاضواء وحصر السياسة الناصرية فيها وحدها فهو يعني ان العالم كان سيتغير حول مصر وموازين القوى الدولية ستتبخر لو ان العلاقة بين صديقي العمر كانت على غير النحو الذي كانت عليه او لو ان برلنتي عبدالحميد لم تسلب المشير فؤاده ..

طرفان فقط يشيطنان الاحداث التاريخية بهذه الطريقة : طرف قصير النظر لا يرى من الحدث الا وجهه المحلي وهو معذور لسذاجته وطرف يريد شنق عبدالناصر بامعاء اليمن والوحدة السورية المصرية وحرب حزيران 67 والظن الغالب ان عثمان ابو لبن وبخاصة جمال سليمان “مثل” بجثة جمال عبدالناصر في “صديق العمر” كما فعل عمر الشريف في فيلم “جيفارا” ولا ادري ان كانت المخابرات المركزية الامريكية ممثلة في هذا العمل كمالا ادري ايضا ان كان سليمان سيعتذر عن هذا الارتكاب في سن السبعين ام بعد حين..

اترك تعليقاً