الأرشيففلسطين

كتب المطران عطالله حنا من القدس المحتلة

ا يجوز تجاهل مأساة غزة وكارثتها المروعة، ولا يجوز الاستسلام لسياسات تهميش القضية الفلسطينية.

الكثيرون في هذا العالم يتحدثون عن مضيق هرمز ويترقبون التطورات، فهل ستعود الحرب مجددًا أم أن هنالك حلولًا دبلوماسية تلوح في الأفق؟
لا نقلل من أهمية مضيق هرمز ولا من أهمية ألا تتجدد الحرب، ولكننا في المقابل نشهد أن هنالك تهميشًا للقضية الفلسطينية، ويبدو أن هذا مقصود وليس أمرًا بريئًا.
في الوقت الذي يتحدثون فيه عن مضيق هرمز والأزمة المتعلقة بإغلاقه، فإن هناك أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة يعانون من الحصار والتجويع والتنكيل والقصف والاستهداف المستمر والمتواصل.
لا يجوز أن يتناسى البعض مأساة غزة، وما يتعرض له أهلنا هناك لا يمكن وصفه بالكلمات.
أهلنا في القطاع يتضورون جوعًا ويعيشون أوضاعًا مأساوية كارثية غير مسبوقة في التاريخ البشري الحديث، وهم يدفعون فاتورة باهظة من دمائهم بسبب حرب ظالمة فُرضت عليهم، تندرج في إطار التآمر على شعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة.
إن تجاهل معاناة أهلنا في القطاع جريمة، فوجب الالتفات إلى أهلنا في القطاع ومعاناتهم وعدم نسيان قضيتهم العادلة.
عاشوا حرب إبادة مروعة، واليوم يعيشون تداعياتها المأساوية والكارثية، بما في ذلك سياسة التجويع والتنكيل ومنع وصول الأدوية والمواد الغذائية الضرورية والأساسية.
لقد حُكم على أهلنا في القطاع بالإعدام، إما قتلًا أو جوعًا أو تنكيلًا وامتهانًا لحياة الإنسان، ونحن نقول بأن هذه أحكام ظالمة، فأهلنا في القطاع يستحقون الحياة ولا يستحقون أن يُحكم عليهم بالإعدام.
إنهم شعب يعشق الحياة والحرية والكرامة والعيش بأمن وأمان وسلام.
ندائي أوجهه في صبيحة هذا اليوم لكل العقلاء والحكماء في هذا العالم، وهم موجودون، بضرورة العمل على إغاثة أهلنا في القطاع، فلا يجوز أن يُتركوا فريسة لآلة الموت والتجويع والتنكيل.
نوجه تحية حارة لكل الأحرار في هذا العالم، وهم من كل الأديان والأعراق، الذين قادوا قوافل الحرية وحاولوا أن يصلوا إلى القطاع، ولكنهم مُنعوا من ذلك كما كان متوقعًا، لأنه مطلوب أن يكون القطاع محاصرًا بشكل كلي ومعزولًا عن العالم الخارجي، ويُراد لأهلنا في القطاع أن يعيشوا حالة الجوع والألم والفقد والأحزان والدموع والدماء.
نتمنى أن تُحل قضية مضيق هرمز وألا تعود الحرب مجددًا، ولكن في الوقت ذاته نقول بأنه لا يجوز أن يتناسى أو ان يتجاهل البعض ما يحدث في قطاع غزة بحق أكثر من مليوني إنسان يعيشون في القطاع المحاصر والمنكوب والمكلوم.
أما الضفة الغربية وما يحدث فيها فحدث ولا حرج، ففي هذا العالم يحدثوننا عن مضيق يجب أن يُفتح من أجل أن تتمكن البواخر من التنقل والانتقال من مكان إلى مكان.
هل يعرف هؤلاء الذين يحدثوننا عن مضيق هرمز أن الضفة الغربية فيها مئات البوابات الحديدية والأسوار العسكرية العنصرية التي تمنع الإنسان الفلسطيني من أن يصل إلى مكان عمله وإلى قدسه ومقدساته؟
إن حرية الإنسان الفلسطيني وحقه في أن ينتقل من مكان إلى مكان إنما هذا ليس أقل أهمية من مضيق هرمز.
كرامة الإنسان الفلسطيني وحقه في أن يعيش بأمن وأمان وسلام إنما هذه ليست مسألة قابلة للنقاش، ولا يمكن للفلسطينيين أن يقبلوا بتكريس حالة المظالم وسياسات الفصل العنصري التي يعيشونها في كافة تفاصيل حياتهم.
المستوطنون يجولون ويصولون في الضفة الغربية ويعتدون على أرزاق المواطنين، في حين أن الفلسطيني محروم من أبسط حقوقه.
هل يعرف قادة العالم بأنه يمكن لأي إنسان أن يقطع ساعات وساعات في الطائرة من أمريكا أو من أستراليا أو من غيرها من القارات، ويمكنه أن يصل إلى القدس بعد ساعات من السفر، أما الفلسطينيون الذين تبعد القدس عنهم ربع ساعة أو نصف ساعة بالسيارة فهم محرومون من الوصول إلى مدينتهم من أجل الصلاة في مقدساتهم والوصول إلى أعمالهم وأشغالهم؟
إننا ندق ناقوس الخطر لعل صوته يصل إلى حيثما يجب أن يصل، بأن ما يحدث حاليًا في الضفة الغربية لا يمكن قبوله وتبريره بأي شكل من الأشكال، فلا يجوز القبول بأن يعيش الفلسطيني في الضفة محاصرًا ومعزولًا ومحرومًا من أبسط حقوقه الإنسانية.
افتحوا مضيق هرمز من أجل حرية الملاحة، ولكننا نقول أيضًا بأن الحواجز والأسوار العسكرية يجب أن تزول، ويجب أن تُفتح كافة الطرق المؤدية إلى القدس، فلا يجوز أن يُحرم الفلسطيني من الوصول إلى عاصمته وحاضنة أهم مقدساته.
أين هي منظومة حقوق الإنسان مما يحدث مع الشعب الفلسطيني؟ ففي الغرب يتغنون بحقوق الإنسان، بل ويتغنون أيضًا بحقوق الحيوان، ولكن هؤلاء، ويا للأسف، يتجاهلون معاناة الإنسان الفلسطيني وكأنه لا يستحق الحياة، في حين أن الفلسطيني يستحق الحياة والأمن والأمان والسلام والحرية وتحقيق أمنياته وثوابته وتطلعاته الوطنية، والتي في سبيلها قدم كمً هائلاً من التضحيات.
أقول للعالم وقادته بأنه لا يجوز تجاهل معاناة الإنسان الفلسطيني، ولا يجوز الصمت أمام ما يتعرض له الفلسطينيون من مظالم. أقول بأن طريق السلام واحدة لا ثانية لها، وهي إنصاف الفلسطينيين وتحقيق العدالة في هذه الأرض وإنهاء الاحتلال لكي ينعم الفلسطينيون بحرية طال انتظارها.
في إسرائيل يتباهى المرشحون لرئاسة الحكومة بعدائهم للفلسطينيين، وكلهم مجمعون على أنه لن تكون هنالك دولة فلسطينية.
هنالك إجماع لدى المرشحين لقيادة إسرائيل في المرحلة القادمة على معاداة الشعب الفلسطيني وإنكار حقه المشروع في أن يعيش بحرية وسلام.
وفي المقابل يجب أن يكون هنالك إجماع في هذا العالم في الدفاع عن الشعب الفلسطيني المظلوم ورفض الفكر الصهيوني العنصري الإقصائي الذي ينكر حق الشعب الفلسطيني المشروع في أن يعيش في وطنه وأرضه المقدسة.
في إسرائيل يتنافس القادة فيما بينهم من هو الأكثر معاداة لشعبنا، ومن هو الذي سيعمل على تصفية القضية بشكل أكبر، ونحن اليوم بأمسّ الحاجة لكي يكون هنالك إجماع في هذا العالم نصرة لشعبنا ومناداة بتحقيق العدالة المغيبة في هذه الديار.
لا يجوز الرضوخ للفكر العنصري وسياسة تصفية وجود شعبنا وقضيته العادلة.

تى العلم الفلسطيني يزعجهم، وباتوا يلاحقون رفع العلم الفلسطيني في المظاهرات والمسيرات، يزعجهم هذا الرمز الوطني، فكم بالحري عندما نتحدث عن الأرض وعن القدس والمقدسات، والتي يريدون اقتلاعها من الهوية الفلسطينية والانتماء الفلسطيني.
هم قادرون بعنصريتهم وهمجيتهم على إنزال العلم الفلسطيني وملاحقة الشباب الذين يرفعونه، ولكنهم لن يتمكنوا من تصفية أنبل وأعدل قضية عرفها التاريخ الإنساني الحديث، هذه القضية التي باتت من الثوابت الإنسانية في هذا العالم، وكافة الأحرار في عالمنا باتوا مدركين اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن هذا الظلم التاريخي يجب أن ينتهي ويزول.

المطران عطاالله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس – 2 أيار 2026

المطران