لماذا يرقص المصريون؟ – براء أشرف

هذه السطور لا تحتوي إجابة على السؤال، هي في الواقع عبارة عن تساؤلات صغيرة وكبيرة حول مسألة الرقص في مصر هذه الأيام..

جلسة على المقهى، في مواجهة شاشة تعرض إعلانات أفلام العيد. والتي يتخللها كلها مشاهد رقص متنوعة، كانت كافية، بحيث وجدتني أطرح على نفسي أسئلة، حول الرقص في مصر.. وهذه السطور، محاولة لتشارك الأسئلة، والبحث المشترك، عن إجابات.. (صدقني، لو كانت لدي إجابة، لكنت امتنعت وحدي عن كتابة السؤال)..

(١)

ما كل هذا الرقص؟..

ملاحظتي أن هذا الكم من الرقص وما حوله، غير معتاد، ولعلي يمكن وصفه بغير المريح أيضاً. على «فيس بوك»، قرأت عدة تعليقات ساخرة من كمية الرقص غير المعتادة في الأفلام.. وأضيف من عندي إليها أنها لم تقف عند الأفلام فقط، على شاشات الفضائيات المصرية لدينا برنامجين موضوعهما الأساسي هو الرقص، أحدهما تعريب لبرنامج أمريكي شهير «so you think you can dance»، (إذن، تعتقد أنك تستطيع الرقص؟)، والثاني مصري أصلي، لعلك تعرفه، اسمه «الراقصة» وهو عبارة عن مسابقة في الرقص الشرقي / المصري / البلدي، أو أياً كان اسمه!.

بل أننا نعرف، أن السنوات السابقة شهدت إطلاق قنوات فضائية كاملة متخصصة في الرقص، وكعادة الأمور في مصر، دعاوى قضائية لإغلاقها، تغلق قليلاً، ثم تعود من جديد بأسماء أخرى، على الأقل لدينا حالياً ثلاث قنوات تبث على مدار الساعة، وتحظى بنسب مشاهدة غير قليلة بالمرة..

هل كنا نرقص، سابقاً، بهذا الكم؟.. هناك إجابة تقليدية تتحدث عن «زمن الفن الجميل»، وراقصات مصر عبر التاريخ، لكني، كمشاهد عادي جداً، ومن تعليقات الأصدقاء، أود السؤال عما إذا كانت هذه الكمية الحالية من الرقص معقولة ومقبولة..

هل الرقص تعبير عن شيء ما؟.. سمعت سابقاً أنه تعبير عن الحرية، وسمعت وجهة نظر أخرى تقول أن الرقص تعبير عن القمع والنضال ضده بالجسد الحر المتحرك المنطلق.. أياً كان هذا الشيء الذي يعبر عنه الرقص، فمع ملاحظة هذه الكمية الكبيرة (على ما يبدو) من الرقص، فنحن أمام تعبير عن شيء كبير، ضخم، غزير.. ما هذا الذي نعبر عنه هذه الأيام بكل هذه الكثافة؟..

(٢)

هل تغير شكل الرقص؟..

في واحد من إعلانات أفلام العيد، هناك راقصة بكل ما تعنيه الكلمة من معاني، بدلة رقص صريحة، وحركات تدل على احتراف وتمكن وموهبة، لكن ما هو جدير بالملاحظة، هو أنها ترقص بين عدد كبير من الأطفال!.

في سنوات طفولتي، ومع اكتشاف الريموت كونترول، كان أبي يتحكم عن بعد فيما يمكننا كأطفال مشاهدته على الشاشة، وحين كنا نشاهد فيلم عربي قديم، فإنه كان يكفل لنفسه حق تغيير المحطة في بعض مشاهد الرقص أو القبلات الساخنة.. حيث تحدثت أسطورة تربوية قديمة عن خطورة تعرض الأطفال لهذه المشاهد في سن مبكر من عمرهم..

اليوم، الأطفال داخل نفس الحجرة التي ترقص فيها الراقصة المحترفة، يصفقون لها، ويتشاركون الرقص والغناء. رقص حقيقي، كامل متكامل، والسؤال هو: هل هذا عادي؟، طبيعي؟، معقول ومقبول؟..

تدريجياً، بحيث ما لاحظت من متابعتي للأفلام السينمائية المصرية، هناك انتقال تدريجي للراقصة ورقصها، من بيئتها الطبيعية، ملهى ليلي أو مسرح منوعات أو فرح، إلى أماكن أخرى غير معتاد الرقص بها، شاهدت مؤخراً فيلم من إنتاج العام الماضي، حيث الرقصات في الشارع بشكل مباشر، الشارع العادي الطبيعي الشعبي.. والآن، الرقص داخل ما يبدو أنه مدرسة أو حضانة أطفال.. ما يطرح أسئلة حول الأماكن التي يمكن أن نشاهد بها الرقص في المستقبل؟.

هذا في السينما، لكن في الواقع، شهد فبراير ٢٠١٤ مبادرة من بعض فتيات منطقة الكوربة بالقاهرة، للرقص الجماعي في الشارع إعتراضاً على التحرش والاغتصاب والعنف ضد المرأة!.. ادخل على موقع يوتيوب بنفسك وشاهد التعليقات العنيفة ضد هذه المبادرة. وضعها بجوار مشاهد السينما، وانظر.. ماذا ترى؟..

هناك سؤال آخر يخص الشكل، وبالتحديد الإيقاع.. هل اختلف إيقاع الرقص بين الماضي والحاضر؟، في حدود ملاحظاتي الضيقة، إيقاع الرقص زمان كان أكثر هدوءاً ونعومة.. على عكس الرقص العنيف السريع الأكثر اهتزازاً وصخباً الآن..

رقص زمان، كنا نشاهد فيه الراقصة ترقص وحدها، خلفها مطرب وفرقة موسيقية، والناس تجلس هادئة للمشاهدة، ويكتفي البعض بالتصفيق أو التمايل مع الألحان، اليوم، الراقصة ترقص بين الناس، بل ويرقصون معها، رجال ونساء، شيوخ وأطفال، الكل يرقص، مع الراقصة وحولها، هل يعني هذا التغير، في الشكل والإيقاع أي شيء؟، أم أنها سنة الحياة في التحول والتطور؟.. هل تحمل مشاهد الرقص العنيف الجماعي أي دلالات؟، أم أنها مجرد مشاهد رقص عادية وطبيعية ومن غير الملائم تحميلها بأكثر مما تحتمل؟..

(٣)

هل هناك علاقة بين الرقص و«الجنس»؟..

نهاية تسعينيات القرن الماضي، ظهر ما عرف باسم «السينما النظيفة»، والتي تعني على ما يبدو السينما الخالية من المشاهد الجنسية الساخنة، قبلات وأحضان وقمصان نوم، ولم يتحدد وقتها موقف الرقص من النظافة، بحيث تشمله أو تتركه في حاله..

اقتصر الحديث وقتها عن القبلات، البوسة كانت أزمة، برامج التليفزيون كلها تحدثت عن البوسة، هل تختفي البوسة؟، وهل البوسة في سياق الدراما مختلفة عنها خارج سياق الدراما، وما إلى ذلك من كلام.

الآن، أصبح من النادر أن تشاهد بوسة في فيلم مصري حديث، اختفت القبلات فجأة، تقريباً أفلامنا بلا قبلات، لكنها مليئة بالرقصات!.

شخصياً، لا أعرف صاحب هذه المبادرة الكريمة بالدعوة إلى سينما نظيفة قبل عقدين من الزمن. لو نعرفه، فسنكون بحاجة لمقابلته هذه الأيام لسؤاله عن رأيه في اختفاء القبلات لصالح الرقصات.. مهم نعرف رأيه في المسألة.

لأنك لو تلاحظ، فإن الأغنيات المصاحبة للرقصات حالياً، موضوعها الأساسي هو الجنس، كل الحيل ممكنة بحيث يكون الجنس هو الموضوع والهدف ولو باستعارات وكلمات مبهمة، عد بالذاكرة لأغنية «العنب» على سبيل المثال..

ولعلك تذكر، أن راقصة أغنية العنب، رقصت في الشارع أمام السينما قبل سنوات، لتظهر كلمة «التحرش» بشكل واضح في حياتنا وإعلامنا، حيث ربط البعض بين رقصها في الشارع، وبين حادثة تحرش جماعي كبيرة (يقال أنها الأولى من نوعها) قام بها الشباب المتفرج على الرقص بالفتيات أمام السينما!..

هل هناك علاقة بين الرقص والتحرش إذن؟..

(٤)

هل الرقص فن؟

وزير الثقافة يقول أن الرقص فن، بعض مقدمي برامج التوك شو يقولون أنه «قلة أدب»، قامت الدنيا ولم تقعد لأن راقصة مستوردة (غير مصرية لكنها ترقص في مصر)، رقصت وهي ترتدي ما يبدو وكأنه علم مصر!.

لو كان الرقص فن، فما المانع من استخدام علم مصر في الفن؟، مصر، وعلمها وشعبها وكل رموزها مستخدمة في كل الفنون، غناء وتمثيل وجرافيتي حتى، ما المانع من علم مصر على بدلة فنانة راقصة؟.

وإن لم يكن فناً؟!، فما هو؟، ما اسمه؟، ما نوعه؟، ما طبيعته؟، ما المعقد في الرقص بحيث يصعب وصفه وتوصيفه إلى هذه الدرجة؟..

والسؤال الأهم، ما موقف المجتمع المصري من هذا الفن؟.. ما عايشته بنفسي أن «ابن الرقاصة» شتيمة عنيفة يتم استخدامها في الشوارع، بالتزامن مع تحقيق أفلام الراقصات أعلى الإيرادات!..

(٥)

هل للرقص علاقة بالسياسة؟..

قرأت قبل عام، بالتزامن مع ظهور صافيناز، تعليق على فيس بوك، استوقفني كثيراً. حيث كتب أحدهم «الشخص الوحيد الذي يعمل بإخلاص وإجتهاد وضمير في مصر هو صافيناز».. فهمت لاحقاً، حين شاهدت صافيناز ترقص، أن المقصود هو نشاط الراقصة في رقصها، فهي ترقص بكل ما تملكه في جسدها من أطراف وأعضاء.. لعلك شاهدت بنفسك، لا داعي للوصف.

بعدها، قرأت عدة تعليقات أخرى حول رقص سيدات مصريات أمام لجان الإقتراع في التصويت على الدستور (يناير ٢٠١٤). مشاهد الرقص تم استخدامها سياسياً بشكل كامل، ما بين مؤيد لها، يراها تعبير طبيعي عن التخلص من حكم الإخوان المتشدد (!!)، وما بين معارض لها، يقول: انظروا إلى طبيعة الذين قالوا «نعم» على الدستور (؟!)..

وفي أزمة برنامج «الراقصة»، الذي تمت المطالبة بمنعه من البعض ثم توقف قليلاً ليعود بعدها للبث بشكل طبيعي، هناك دائماً حديث حول موقف النظام السياسي من الرقص!، هل يؤيده؟، هل يدعمه؟، هل يرفضه؟، هل يمنعه؟..

بالعودة قليلاً للوراء، وبالتحديد ١٩٩٠، نجد فيلم سينمائي مهم هو «الراقصة والسياسي»، والذي يناقش بشكل صريح طبيعة العلاقة بين الراقصة الشهيرة سونيا سليم، والسياسي الشهير الوزير خالد مدكور. السؤال إذن عن العلاقة بين الرقص والسياسة قديم، لكن هل وصلنا لإجابة واتفقنا عليها؟..

اليوم لدينا راقصة وصاحبة قناة فضائية تعبر عن رأيها السياسي بمقاطع ترقص بها بمصاحبة أغنيات سياسية ضد تيار سياسي بعينه.. وأخيراً، أصبح لهذه الراقصة خط ساخن للفضفضة والشكوى والبوح، يمكنك من خلاله الاتصال بها وسترد عليك بنفسها!.. يحدث هذا في مصر هذه الأيام..

(جميع الإجابات صحيحة)

هذه السطور اسمها «مقال رأي»، لكني في الواقع، وبشكل شخصي جداً، لا أملك رأي محدد فيما سبق..

رأيي الشخصي عبارة عن أسئلة، علامات استفهام وتعجب. من هذه المسألة الغامضة المبهمة المثيرة للجدل بشكل دائم ومستمر.. وأنا راضي، بشكل شخصي أيضاً، بكل الإجابات، طالما كانت منطقية ومفهومة..

لماذا نرقص؟، كيف نرقص؟، أين نرقص؟، من يرقص لمن؟، ما هو تقييمنا للرقص وأهله؟، وهل يرتبط الرقص في عقولنا بأمور أخرى، جنس وسياسة، وأخلاق؟.. هل يمكن أن نناقش الرقص؟، نطرح حوله الأسئلة؟، هل يمكن لمسألة الرقص أن تصبح، كمسائل أخرى، مفهومة ومستوعبة (لا أقول مقبولة للجميع)؟..

إن كنا نرقص، فعلى الأقل نفهم، ما الذي نفعله؟

المصري اليوم

 لماذا يرقص المصريون؟ – براء أشرف

كاتب ومخرج

اترك تعليقاً