الأرشيففلسطين

محمود عباس إلى أين؟ وإلى متى؟- منير شفيق

لم يبقَ أحد من الذين صنعوا، أو أيّدوا بحماسة، اتفاق أوسلو 1993 إلا وأعلن فشله، وانسداد الأبواب والآفاق أمامه، بمن فيهم محمود عباس وساعده الأيمن (سابقاً) ياسر عبد ربه. فقد فشلت كل المحاولات التي رافقته ابتداءً من المفاوضات التي قادها ياسر عرفات، وكان من المفترض بأن تخلص إلى إقامة دولة فلسطينية، خلال خمس سنوات، من اتفاق القاهرة 1994 الذي أنزله إلى التطبيق.

 وراح محمود عباس وآخرون معه، وبدعم عربي – أمريكي – أوروبي بين العامين 2003- 2005 يعتبرون ياسر عرفات العقبة التي تحول دون إنجاح اتفاق أوسلو، ولا سيما بعد انضمامه إلى الانتفاضة والمقاومة في العام 2000 إثر فشل مفاوضات كمب ديفيد2 عام 1999.

بدأ عهد محمود عباس مطلق اليدين ليُطبق استراتيجيته وسياساته ونهجه، بالكامل، وبلا ياسر عرفات بعد استشهاده 2005.

واستغرق العهد الجديد مدّة دامت عشر سنوات إضافية لتحقيق هدف اتفاق أوسلو من وجهة النظر الفلسطينية (الأوسلوية). وقد أصبح هو الهدف لما يسمّى، زوراً، “المشروع الوطني الفلسطيني” بعد أن تمّ التخلي عن هدف تحرير فلسطين، كما عبّرت عن ذلك منطلقات فتح واستراتيجية الكفاح المسلح ومبادئ ميثاق م.ت.ف لعام 1968. وذلك بحصر الهدف الفلسطيني في  إقامة دويلة فلسطينية في حدود قرار مجلس الأمن 242، أو ما قبل الخامس من حزيران 1967. الأمر الذي يعني التخلي عن 78% من فلسطين والاعتراف بدولة الكيان الصهيوني (“دولة إسرائيل”) . وهذا يتضمن بالضرورة التنازل عن حق العودة ليصبح “إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين”: التعويض والتوطين. بل حتى هدف إقامة دولة في حدود ما قبل حزيران/يونيو 1967، خضع في عهد محمود عباس للتعديلات وترك للمفاوضات الثنائية أمر تحديد الحدود والمحتوى ومجال سيادة الدولة. وقد وصل الوضع إلى حد أن يطالب نتنياهو بعد عودته إلى الحكم مؤخراً بأن تُفتح المفاوضات للاتفاق على حدود المستوطنات والأغوار.

ماذا يُسمّى هذا؟ إنه الفشل الفاضح حتى النهاية، ولم يعد لديه ما يعلق عليه آمالاً خُلباً. بل إنه العريّ السياسيوالمبدئي والأخلاقي. وليس هنالك من وصف غيره يليق بآخر تطورات مسار أوسلو وتداعياته.

       وهكذا وصل الفشل إلى حد لم يُبقِ أحداً من أساطين اتفاق أوسلو ممن كانوا في الصف الأول، وفي مقدّمهم محمود عباس، ومن كانوا من الصف الثاني إلاّ وأعلنوا الفشل وانسداد الأفق. ودعك من الذين انجرّوا أو قبِلوا على مضض أو بيأس أو عجز باتفاق أوسلو وقد راح الحزن الآن يعتصرهم على ذكريات المنطلقات والميثاق والكفاح المسلح.

       وبكلمة إن مسار محمود عباس الذي هو مسار أوسلو، مطوّراً إلى ما فوق احتمال عرفات الذي آثر الاستشهاد على مواصلة طريق الفشل الكارثي، وصل به إلى الاعتراف بالفشل، ولا سيما بعد أن تبين له عبثية اللجوء إلى المنظمات الدولية ما دام محكوماً ومقيّداً بصرف الرواتب الشهرية. ولكن الرئيس الفلسطيني أشدّ عناداً من أن يتخلى عن مواصلة طريق الفشل. فما زال مصراً على أن يبقى رئيس هذه المرحلة الجديدة، والتي فقدت حتى أدنى درجة من درجات الأمل والمعنى والجدوى. فهو لا يعرف حتى الآن متى تكون لحظة تسليم الراية الفاشلة إن كان هنالك من هو على استعداد لحملها في التفاوض أو اللاتفاوض مع نتنياهو. أي البقاء في النقطة بين الحياة تحت جهاز التنفس الصناعي والموت.

الشيء الوحيد الذي يمكن أن يُبقي المريض الوطني الفلسطيني في هذا الوضع هو ما يقدّمه التنسيق الأمني لحماية الاحتلال والاستيطان وتهويد القدس والاستمرار في تعذيب الأسرى وذويهم، وما تناله الجماهير من استمرار الحصار في قطاع غزة واستمرار ذلّ الاحتلال واستشراء الاستيطان ومواصلة الاغتيالات ومصادرة الأراضي والقرى وهدم البيوت.

على أن هذا التنسيق الأمني لم يعد مسوّغاً (مبرراً) حتى من جانب الذين يطبّقونه أو يدافعون عنه. فإلى جانب ما يشكله من عار وطني حين يتعاون مع الاحتلال ضدّ المقاومة والانتفاضة والشعب فَقَدَ حجته التي عاش عليها، وهي تحقيق “المشروع الوطني الفلسطيني”: “الدويلة الفلسطينية”. وقد فعل ما يفعله من أجل إقناع أمريكا ونتنياهو بأن “الفلسطيني الجديد” يستحق أن يُعطى دولة، وبشروطهما.

فهذه الحجة سقطت الآن بالرغم من سقوطها المبدئي والأخلاقي والوطني أصلاً ومن حيث أتى. ولم يبق غير بقاء الراتب آخر الشهر مع التسليم الكامل ببقاء الاحتلال وتوسّع الاستيطان وتهويد القدس، وتأبيد الأسرى.

الأمر الذي يعني حدوث تغيير نوعي في الوضع لم يعد باستطاعة محمود عباس والأجهزة الأمنية أن يسوّفا، ويبررّا، مجرد استمرارهما بعد أن فقدا حتى ذلك البصيص من الأمل الذي كان حجتهم في السير على طريق التنسيق الأمني.

هذا يعني أن العمل قد حان لوقف التنسيق الأمني أو إسقاطه بعد أن تحوّل إلى حالة ارتزاق رخيص بلا هدف عدا هدف الراتب آخر الشهر.

نعم قد حان العمل الجاد إلى الانتقال بالوضع إلى وحدة فلسطينية على أساس انتفاضة شاملة ضدّ الاحتلال فقد سقطت سياسة المفاوضات والتسوية وعمادها التنسيق الأمني. وقد آن لفتح أن تقول لمحمود عباس إلى أين؟ وإلى متى؟ وآن يتحدّ الجميع لدحر الاحتلال بالوحدة الشعبية وقوّة المقاومة والانتفاضة، فلا احتلال بلا تنسيق أمني فهو ضعيف ومأزوم ومعزول ومُهيّأ للهزيمة. ولا تنسيق أمني بعد أن فقد مبرّر وجوده، إلاّ صار عمالة خالصة للاحتلال.

اترك تعليقاً