«مدرسة شيكاغو» والاستثمار في الكوارث – حسام ميرو

اسمه يتردد منذ يوم 29 بعد ظهوره الشجاع على منبر إحدى قاعات مبنى الأمم المتحدة، في اليوم التضامني الأممي مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وصيحته: فلسطين حرّة من النهر إلى البحر.

هو أكاديمي أمريكي أسود، يعني من أصل أفريقي، وهو كمثقف شجاع يعرف ما عاناه الأفريقيون الذين انتزعوا من أحضان أوطانهم وجلبوا إلى أمريكا، ومات الكثير منهم جوعا ومرضا وعطشا في عتمات السفن التي أقلتهم ليعملوا في زراعة وجني القطن للأبيض الأمريكي الجشع والمتوحش الذي أباد أصحاب البلاد الأصليين.

يعمل مارك لامونت هل مستشارا سياسيا في فضائية ال CNN  وهو نجم في تلك الفضائية الواسعة الشهرة عالميا.
بالتأكيد هو توقع نتائج خطابه الذي انتوى التصريح به من على منبر الأمم المتحدة، صهيونيا( إسرائيليا)، وفي المقدمة اتهامه باللاسامية!

ولعله توقع أيضا، هو العارف بمدى تأثير الصهاينة وسطوتهم على ال  اCNN قرار الاستغناء عن خدماته، فلا يمكن أن يرفع صوته مع فلسطين، مع كامل فلسطين لشعبها، ويمررها الصهاينة وأتباعهم له.

معروف عن مارك لامونت هل انحيازه للمظلومين في كل مكان في العالم، وانحيازه لحريات الشعوب، وهذا ما يمكن أن تبلعه الCNN وحتى الدوائر الصهيونية في أمريكا..أمّا أن يبلغ به ( التطرف) حد الانحياز لفلسطين حرة من نهرها لبحرها لشعبها الفلسطيني ، فهذا ما لن تمرره ، ولذا عاقبته الفضائية التي كان يعمل مستشارا سياسيا لها بالطرد فورا..ولا عجب!

أليس عجيبا أن يضحي مارك لامونت هل بوظيفته الرفيعة، وبنجوميته، ويضع نفسه في موقع المستهدف صهيونيا، وربما( المنبوذ) والمحروم من أي عمل في المؤسسات الإعلامية التي يهيمن عليها الصهاينة، وفي الجامعات التي ستشن عليها حملات تشهير إن هي ضمته إلى هيئاتها التدريسية؟!

نزاهة الضمير: هذا هو دافعه، وهذه النزاهة الضميرية يعززها الوعي بفداحة الظلم والتزوير الذي لحق بفلسطين والفلسطينيين.

كثيرون في أميركا يعرفون فداحة الظلم والتزوير الذي يلاحق القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، ولكنهم لا يجرؤون على الإفصاح عن مواقفهم خشية من الأثمان الفادحة التي سيدفعونها، وهذا ما وقع لمؤرخين، وأكاديميين، ورجال سياسة( اقرأوا كتاب: لقد جرأوا على الكلام..وغيره) 

ترى: ألا يعرف كتاب فلسطينيون وعرب مفكرون ومثقفون، أن فلسطين هي وطن الشعب العربي الفلسطيني، وأن الاحتلال الصهيوني جريمة شاركت فيها قوى الاستعمار والإمبريالية وفي مقدمتها بريطانيا وأمريكا، ودول أوربية أُخرى؟!

ألا يعرفون أن فلسطين احتلت بالقوة، وبالأسلحة الأمريكية والبريطانية والفرنسية، وبالمساعدات – التعويضات الألمانية الهائلة – وبالأموال التي تم ضخها لتوطيد احتلال الصهاينة لفلسطين؟

ألا يعرف مثقفون وكتاب وشعراء وصحفيون وأكاديميون عربا بأن احتلال الصهاينة لفلسطين يمزق تواصل ونهوض الأمة العربية ؟!

كيف لكاتب ومفكر ومثقف وأكاديمي فلسطيني أن يبرر التنازل عن 78% من فلسطين للصهاينة مباركا صفقة أوسلو التي بررت نهب المزيد من أرض فلسطين، وتهويد القدس؟!

كيف لمثقف وكاتب وشاعر وأكاديمي فلسطيني أن يشارك في تزييف الوعي والحقائق، ويغطي تنازلات السياسي العاجز المساوم الخانع بحجة ( الواقعية)، ويدّعي بعد ذلك أنه ( مقاوم) و( مناضل)، بينما هو يشارك في سلطة وهم تضيّع ما تبقّى، وتغطي الحكام العرب ليهرولوا ويطبعوا مع العدو الصهيوني بحجة أنهم ليسوا ملكيين أكثر من الملك؟! وفوق ذلك أنهم إنما يخدمون الفلسطينيين وعملية السلام بوساطات يقومون بها لإنقاذ عملية السلام؟!

ألا يشعر المثقفون الفلسطينيون، وأخوتهم العرب، بالحرج والخجل، بل والخزي، من مواقفهم المتقاعسة، وهم يرون مارك لامونت هل وهو يرفع راية فلسطين على منبر عالمي معلنا: فلسطين حرة من النهر إلى البحر؟!

عندما يرفع بعضنا هذا الشعار المجسّد للحقيقة فإنه يتهم بالمزاودة والتطرف! فهل مارك لامونت الأمريكي المتنعم بالعمل في ال CNN وبالحياة المريحة، والذي بإمكانه الكسب لو انحاز للخطاب الصهيوني فوق ما تتخيلون!
مارك مزاود ومتطرف، أم إنه نزيه الضمير، ثوري صادق، وصاحب موقف شريف مكلف؟!

بعض المثقفين الفلسطينيين أصيبوا بسعار التسابق على المناصب والوجاهة، وأخرسوا ضمائرهم، وأسرعوا الخطى وراء قيادات سياسية أضعفت القضية الفلسطينية، وضيّعت فلسطين بين النهر والبحر، وتصرّفت بشراسة مع كل صوت ينتقدن أو يحذّر وينبه!

صيحة مارك لامونت هل صدمت الصهاينة لأنه أمريكي، وإعلامي، وأكاديمي، وأسود – وهو يعرف ما هو الظلم والاضطهاد والعنصرية – وكم أتمنى أن يهز ضمائر مثقفين فلسطينيين وعربا طال سبات ضمائرهم ووعيهم، وبيعهم للوهم والتبعية للسياسي الفاشل المساوم على فلسطين التي تقع بالضبط بين النهر والبحر..والتي لا تقبل التقسيم والانتقاص والمساومة.

مارك لامونت هل قدم درسا كبيرا في الانحياز للحق، مهما كلفه الثمن، فهل سيستيقظ على صيحته الغافلون من المثقفين الفلسطينيين والعرب، ويعودوا عن غيهم وتيههم..ويرفعوا راية فلسطين الواحدة من النهر على البحر؟!
 

روّج الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش لنظرية «نشر الحرية في المناطق المضطربة»، وكانت أحداث 11 سبتمبر/‏ أيلول 2001 مناسبة مهمة لإطلاق تلك النظرية، وهي فعلياً النظرية المستمدّة من «مدرسة شيكاغو» للاقتصاد، وعرابها الأشهر ميلتون فريدمان، الذي نظّر لاستغلال الكوارث والأزمات والانقلابات من أجل نشر «الحرية الاقتصادية»، والتي تعني من وجهة نظر فريدمان ومدرسته الاقتصادية خصخصة كل مؤسسات الدولة، والقضاء على الرعاية الاجتماعية، وعدم التدخل في السوق، والسماح للشركات العالمية العمل بحرية في أي مكان في العالم، من دون حواجز.

كان العراق أحد النماذج الأوضح لتطبيقات نظرية فريدمان وتلامذته، وهم من تصفهم نعومي كلاين، مؤلفة كتاب «عقيدة الصدمة، بأنهم«صبيان مدرسة شيكاغو»، ففي الوقت الذي لم يستفق فيه العراقيون بعد من صدمة ضربات الاحتلال، وانتشار القوات الأمريكية في شوارع عاصمتهم بغداد، في ذلك الوقت المبكر، حلّت الإدارة الأمريكية الجيش العراقي، وبدأت بخصخصة قطاعات الدولة، والتي كانت تضم ملايين العمال والموظفين، وحولتهم إلى عاطلين عن العمل، ومنحت الشركات الأمريكية والأجنبية، بموجب قوانين بول بريمر، الحاكم الأمريكي، امتيازات واسعة في الاستثمار، ومن ضمنها بالطبع إعفاءات ضريبية هائلة، وكان من بين النتائج بعيدة المدى، تدمير الاقتصاد العراقي، ومؤسسات القطاع العام.

ليس الاقتصاد وحده هو شاغل صبيان «مدرسة شيكاغو»، بل أيضاً الذاكرة الجماعية، وما تتضّمنه من مشتركات بين الشعب الواحد، فتلك المدرسة وأتباعها يرون أن التاريخ من شأنه أن يقف حجر عثرة أمام تطوير بيئة اقتصادية جديدة، نظراً لما يحمله من قيم، تتناقض مع قيم الاقتصاد المعولم، وثقافة الاستهلاك، وهو ما يفسر الكثير من الظواهر، ومن بينها سماح القوات الأمريكية لعصابات نهب الآثار بسرقة مقتنيات المتاحف العراقية، حيث كانت الدبابات الأمريكية، والمدججة بالجنود، وبأقوى أنواع الأسلحة، تقف على مقربة من المتحف الوطني العراقي، من دون أن تردع تلك العصابات من سرقته، فالمطلوب هو بلد بلا ذاكرة، يمكن فتحه أمام ثقافة جديدة، تتناسب مع رؤى«مدرسة شيكاغو»، وتلامذتها المنتشرين في صندوق البنك الدولي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وغيرها من المؤسسات المالية العالمية، والمسؤولة عن كوارث هائلة في عدد من بلدان العالم، في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.

إن ما يجري في الشرق الأوسط منذ سنوات، وانتشار حالة الفوضى في عدد من الدول، يشكل فرصة للنيوليبرالية الجديدة، ممثلة بتلاميذ«مدرسة شيكاغو»، من أجل هندسة الشرق الأوسط، بما يتناسب مع سياسة السوق العالمية، وانتشار الشركات العابرة للجنسيات، لجني أرباح طائلة.

إن حالة الاضطراب والهلع التي تخلقها الكوارث هي الحالة الأنسب للنيوليبرالية من أجل القيام بتغييرات جذرية، وليس مهمّاً بالنسبة لمنظري النيوليبرالية الجديدة، من صبيان«مدرسة شيكاغو»، أكانت تلك الكوارث طبيعية، مثل الزلازل والفيضانات والبراكين، أو من صنع البشر، مثل الحروب الأهلية، أو الانقلابات. 

كما استثمرت «مدرسة شيكاغو» في انقلاب تشيلي، وفي بوليفيا، وبولندا، والأرجنتين، وغيرها من الدول، التي كانت مصابة بحروب داخلية، أو اضطرابات داخلية، حيث إن المبدأ الحاكم لفلسفة النيوليبرالية الجديدة يتلخّص في الاستفادة من الكوارث، وتحويلها إلى فرص.

إن الندوات وورش العمل الدولية حول البلدان العربية المضطربة (سوريا، ليبيا ، اليمن) تتناول، إلى جانب الحلول السياسية المقترحة، سبل إعادة الإعمار، وإعداد الخرائط والدراسات حول قطاعاته المختلفة، مثل الطاقة، والبنى التحتية، والنقل، والتعليم، والصحة، وغيرها، حتى أن بعض تلك الورش ترعاها شركات عالمية، عابرة للقارات والجنسيات، والتي تجهّز نفسها للخوض في مغامرة بناء اقتصادات ما بعد الحروب.

يحق لنا أن نسأل بجرأة، وليس انطلاقاً من نظرية المؤامرة، ما الدور الذي قامت فيه الدول الكبرى والشركات العابرة للجنسيات في الفوضى التي لحقت ببعض الدول العربية، وكيف أسهم تدخلها تارة، وعدم تدخلها تارة أخرى، في استمرار الاقتتال والفوضى، ومنع الحلول السياسية؟

ربما، كان علينا، ونحن نقرأ تاريخ السنوات السابقة، ألا نهمل دور صبيان «مدرسة شيكاغو» في منع إطفاء الكوارث التي لحقت بدولنا ومجتمعاتنا، فهم يحترمون الأسواق أكثر من الأوطان، والزبائن أكثر من المواطنين.

بوابة “الهدف”