الأرشيفثقافة وفن

السيدة الصامتة – قصة : رشاد أبوشاور

كنت، وما زلت أتساءل: ما الذي يجذب رجلاً لامرأة، في حين لا يأبه لها أحد غيره .
أنا أعجب ممن ينهمك في وصف وجه من يحب، وصوتها، ومظهرها، في حين أن كل الوصف، والكلمات الشاعرية، تعجز عن جعلنا نرى ذلك الجمال المفترض الذي هيمن على نفسه.
هل يعمد بعض الكتاب لإبراز براعتهم في الوصف، ليحظوا بإعجابنا نحن معشر القرّاء، وهم قبل غيرهم يعرفون أنهم لا يمكن أن ينقلوا لنا الملامح الحقيقية لمن يصفوهن من نسائهم الموصوفات في قصصهم ورواياتهم.
أصوات ملايين البشر لا تتشابه_ نادرا جدا يحدث تشابه_ ومع ذلك هناك من يتغزّل بصوت المحبوب، ونفس كلماته يمكن أن تقال عن صوت آخر لفتاة، أو امرأة، أخرى.
مرات كثيرة أتساءل: لماذا يضع ( الواصف) نفسه في موضع النخّاس، المعني بالترويج لجارية، معتمدا على الإثارة بالكلمات، في حين أن أكثر من جارية تصطف أمامه، وهن معروضات للعامة، الذين تحدّق عيونهم بالجواري اللواتي يعمل النخاس على جني أعلى سعر لكل واحدة منهن.
لست نخاسا لأصف من يقع نظري عليها فتفتنني، وتأسرني للحظات، أو لأيام قليلة، ثم تنسينا إياها واحدة أخرى..وهكذا!
قلت لنفسي وأنا أحدق في الفتاة، أو السيدة، التي شاءت الصدف أن أجلس قبالتها، ثم انتبهت لها، فشدّت انتباهي، وحيرتني وهي تجلس وحدها، تراقب الحضور، وتتابع تحركهم في الحفلة التي تجمع فيها عدد من الرجال والنساء، الذين توافدوا لتقديم التهاني للدكتور بهاء، الذي تربطني به صداقة امتدت منذ كنا في المرحلة الإعدادية، وحتى سفره للدراسة في بريطانيا، ولم تنقطع بيننا الرسائل، والتي تعززت في زمن الخلوي، ورسائل الواتس…
هذه المرأة الجالسة وحدها، والتي ترسل نظراتها على رؤوس ووجوه الحضور، بملامح محايدة، كأن كل ما تراه لا يعني شيئا لها..شدّتني، بحيث شعرت بنبضات قلبي تدّق في صدري.
قلت لنفسي: يبدو أنها في الخامسة والثلاثين، وأنها ناضجة، و..ملّت من التجارب، وخيبات الحب، وأنها تبحث عمّن يليق بها، ويستحق إعجابها.
النادل الذي يدور بصينية الكؤوس يطوف على المدعوين، وحين وصلني انحنى انحناءة طفيفة ودفع بالصينية حتى صارت دانية ليدي، فمددت يدي وتناولت كأسا لا على التعيين، ثم أومأت لها برأسي في التفاتة أردتها طبيعية، وتنم عن احترام، فافترت شفتاها عن ابتسامة خفيفة، ورمشت، وبأصابع يدها اليمنى دحرت الصينية من أمامها، فعرفت أنها لا تشرب، أو إنها اكتفت، لكن ملامحها لم تش بأنها منتشية.
قلت لنفسي: هذه السيدة الفارهة، برأسها المكلل بشعرها الأسود ذي التسريحة البسيطة التي تكشف عن الجانب الأيسر من عنقها العالي.. وبفستانها الأبيض المنقط بزهر أزرق، وشالها على كتفيها بلونه الأزرق الهادئ..صاحبة ذوق رفيع.( أأنت مغرورة، أم تراك مصابة بالملل من علاقات فاشلة مع رجال لا يليقون بك؟!)
دخلت سيدة مع رجل يبدو أنه زوجها، وحين رأتها تقدمت إليها وانحنت، وبدأت شفتاها تتحركان بدون صوت. قلت في نفسي: النساء يتفاهمن أحيانا بتحريك شفاههن، فلهن لغة خاصة بهن، وهن بهذا يتجنبن استراق الرجال لسماع كلماتهن التي تبوح بأسرار يخفينها، ويبخلن بها. هي تتأمل حركة الشفتين، وتحرك شفتيها دون أن تنطبقيا على بعضهما، وكأنها تنطق بأنصاف الكلمات، أو ببعض الحروف منها، وتهز رأسها وتبتسم، بينما السيدة تربت على كتفها.
نصبت السيدة ظهرها، وعلى وجهها طيف ابتسامة، أمّا هي فرمشت بأهدابها السوداء الطويلة، وباعدت قليلاً بين شفتيها، ومررت نظرة على الحضور دون أن تتوقف عند أحد.
شاب مديد القامة، خفيف شعر الرأس، كان يتمازح مع بعض النسوة، ويتطلع بين فينة وأخرى إليها ويبتسم، فترد على ابتسامته وهي ترمش رمشات توحي..ولا تبوح.
صديقي بهاء مرّ من بين المدعوين حاملاً صحنا فيه تشكيلة من الطعام، وعلى وجهه ابتسامة:
_ كل يا رجل..كل شيئا..أم إنك كعادتك لا تكف عن التساؤل، والاستغراق في تأمل الوجوه، سيما وجوه النساء؟
نهضت وباركت له من جديد:
_ مبروك الدكتوراة يا صديقي…
عانقته من جديد، مع إنني عانقته عندما دخلت، وقدمت له هدية أردتها مناسبة لصديق في يوم نجاحه وفوزه بهذا اللقب العلمي الكبير.
زوجته صفيّة نقرت على كتفه، وهي تمنحني ابتسامة:
_ يلاّ..هناك من يسألون عنك، وهم يريدون أن يودعوك.
_ أنت ترى: إنها ملاكي الحارس، وهذا الملاك لا يتركني في حالي، فأنا تحت الرقابة.
انسحبا، الزوج والزوجة، وأنا بت أطيل النظر وبدون حرج، علّي اشبع رغبتي في التمتع بهذا الوجه، وهذا العنق، وهذا الصمت الذي تلوذ به هذه السيدة الجالسة وحدها، والتي لا تكلم أحدا، وإن كانت تبتسم ابتسامات صغيرة لبعض من يحيينها من نساء الحفلة، اللواتي يبدو أنهن يعرفنها، وإن كانت معرفة لا ترقى إلى حد الصداقة، كما يتجلّى في فتور تبادل الابتسامات الباردة.
تأملت أصابع يديها: ما أجملها، أصابع رشيقة طويلة، وهي كأنها تعرف أن أصابع يديها جميلة، لذا كانت تحركها كأنها تعزف على آلة غير مرئية، محيية بعض النسوة اللواتي كن يومئن لها بحركات حفيفة من رؤوسهن.
الحضور يغادرون، والنسوة يقبلن بعضهن، وتختلط كلماتهن، ثم يمضين مع أزواجهن، تاركات خلفهن مزيجا من عطور تملأ فضاء الصالة.
هي بقيت وحدها، وحين همّت بالنهوض اضطربت، وكدت أمد يدي لأمسك بأصابعها، لأوقفها، و..أخبرها بأنني..بأنني أريد أن..أحكي معها، فأنا لا أدري أين سألتقيها بعد اليوم، ولا يجوز أن أفوت الفرصة كما شأني دائما.
اقترب منها شاب يضع نظّارة على عينيه، يبدو أنها طبيّة، ولف ذراعه على كتفيها، فكدت أصرخ به: إرفع ذراعك عنها…
( الحمد لله أنني أمسكت نفسي عن هذا الفعل الجنوني)
التفتت صوبي، وابتسمت، وعزفت بأصابعها على الهواء، فالتفت الرجل الذي يلف ذراعه حول كتفيها، وبما يشبه الوشوشة:
_ هذه أختي..وهي ..خرساء..و..ذكيّة، ومتعلمة.
تأمل وجهي ، ثم سألني:
_ ألست كاتب القصص والروايات رشااا…؟
أجبته قبل أن يُكمل الاسم:
_ لا ..إنني أشبهه.
كأنه لم يقتنع، سأل وهو يبتسم:
_ هل ستكتب قصّة..لأنك فوجئت بأنها خرساء؟!
لبثت أتأملها ذاهلاً، بينما شقيقها يسحب يدها برفق، وهي تترك ابتسامة ولمعة ضوء من بين رموش عينيها الفسيحتين، ووجدتني أهمس بصوت ربما سمعه بعض من لفتهم المشهد:
_ أو هنري..ربما كان سيكتبها لو أنه حي، أو.. لعلها تنال رضاه لو قرأها بعد كتابتها..لو..ولكنه مااات منذ زمن بعيد!
______________________________________________
*(أهدي هذه القصّة إلى ذكرى الكاتب الأمريكي: أو هنري)
* أو هنري : كاتب أمريكي، من كبار كتاب القصة القصيرة، تقوم قصصه على المفارقة، و( الضربة) الأخيرة المثيرة للدهشة، وهي مفعمة بالسخرية، والمشاعر الإنسانية، ولد في العام 1862 وتوفي عام 1910 مخلفا تراثا قصصيا رائعا، ما زال يُقرأ بمتعة.