الأخبار

لحظة التّغيير الحاسمة: كيف نحوّل احتجاجات «إضراب الأردن» إلى مكاسب شعبيّة – هشام بستاني

الآن وبعد أن تمّت إقالة حكومة هاني الملقي،   علينا أن نتذكّر مسألة أساسيّة هامّة، هي أنّ ما يجب إسقاطه وتغييره هو النّهج، لا الأشخاص، ولا الحكومات الصوريّة التي لا تحكم؛ وأن القبول بالحلول التخديريّة، وتغيير الشّخصيات، يعني تفكيك وإضعاف الحركة الاحتجاجيّة التي انطلقت منذ الأربعاء الماضي، واكتسبت حتى اليوم زخمًا هائلًا، ومشاركة غير مسبوقة.

كما يجب علينا أن ننتبه إلى عاملين أساسيّين حكما التطوّر السّريع لـ«إضراب الأردن»، والمدى الواسع الذي وصلته، وردّ فعل المجموعة الحاكمة تجاهها، حتى نتمكّن من تحويل الاحتجاجات من هبّة تنطفئ سريعًا دون تحقيق مكاسب شعبيّة حقيقيّة، إلى لحظة يمكن الانطلاق منها نحو التّغيير.

لماذا تطوّرت الاحتجاجات بهذه السّرعة؟

العامل الأوّل المتعلّق بالتطوّر السّريع والمدى الواسع للاحتجاجات داخليّ، إذ وقعت حكومة هاني الملقي بخطأ تكتيكيّ كبير حين قامت، وبسلسلة قرارات غير محسوبة النّتائج، بتوحيد كلّ الشّرائح والقطاعات، عموديًّا، وأفقيًّا، في مواجهتها، ودفع الطّبقة الوسطى، الوازنة والقادرة والمؤثّرة، والخاملة عادةً، إلى واجهة المعارضة.
قامت التّعديلات المقترحة على قانون ضريبة الدّخل بدمج مصالح كبريات المؤسّسات الماليّة (البنوك، إذ ترفع التّعديلات المقترحة الضّريبة عليهم –كما على قطاع التأمين- إلى 40%)، بمصالح الطّبقة الوسطى من مهنيّين وموظّفين، إذ خفضّت ذات التعديلات الإعفاءات على هذا القطاع، لتشمل الضّريبة من يزيد دخله على 666 دينارًا شهريًّا من الأفراد، و1333 دينارًا شهريًّا من الأسر.

فيما جاء قرار رفع أسعار الوقود والكهرباء (قبل أن يتمّ التّراجع عنه)، ليدفع بالشّرائح الفقيرة إلى ساحة الاحتجاج، وهي التي تلقّت الضّربات الأقسى خلال السّنوات الماضية في عهد حكومتي عبد الله النّسور وهاني الملقي، إذ توالت عليها ارتفاعات الأسعار، وتوسُّع ضريبة المبيعات على السّلع والخدمات، والرّفع المتتالي لأسعار المحروقات، وارتفاع الضّرائب الخاصّة على الاتّصالات، وإلغاء الدّعم عن السّلع الأساسيّة، ليتشكّل أوسع تحالف شعبيّ تشهده البلاد منذ تأسيسها، في مواجهة المجموعة الحاكمة، ومشروعها الاقتصاديّ.

لماذا تعاملت المجموعة الحاكمة بلطفٍ شديدٍ مع الاحتجاجات؟

أمّا العامل الثاني، والمتعلّق بردّة الفعل المُتسامحة، غير المعهودة، مع الاحتجاجات، وتجنّب قمعها، والاستجابة السريعة مع أحد أبرز مطالبها (إقالة حكومة الملقي)، وتعيين رئيس وزراء جديد «مقبول»  ، فهو –بظنّي- خارجيّ، إذ تجد المجموعة الحاكمة في الأردن اليوم نفسها عاريةً إقليميًّا ودوليًّا، ومنبوذةً نسبيًّا، بلا «سند»، بينما تفقد وظيفيّتها بتسارع كبير إثر تشكّل محور إقليميّ أميركيّ-سعوديّ-إسرائيليّ، دون دور لها فيه. يفاقم ذلك انسحاب نظام ترامب -إلى حدّ كبير- من الإدارة السياسيّة للمنطقة، مقابل دور أكبر لـ«حلفائه» المحليّين (السّعوديّة و«إسرائيل»)، وعدم اكتراثه بالملفّ الفلسطينيّ، بل ودعم «إسرائيل» في ما كان يُعتبر سابقًا أمورًا «غير مألوفة»، مثل نقل السّفارة الأميركيّة إلى القدس، بما يمثّله ذلك من اعتراف ماديّ بها عاصمةً للصّهاينة (كان هذا القرار يؤجّل بشكل دوريّ وأتوماتيكيّ داخل أروقة الإدارة الأميركيّة)، وحماية «حقّ إسرائيل» بقتل المدنيّين العزّل المُحتجّين في مسيرات العودة الكبرى (كانت الولايات المتّحدة تقليديًّا تستنكر كلاميًّا مثل هذه الأفعال، وتدعو إلى «ضبط النّفس»). عدم الاكتراث هذا يعني عدم اكتراثٍ بالأردنّ و«دوره»، بحكم جواره لفلسطين، وتأثّره المباشر بما يحدث فيها، وتركيبته السكّانيّة، ومصالحه المرتبطة بنشوء «دولة فلسطينيّة» ما، وارتباط الهاشميّين بعلاقة خاصّة مع المقدّسات في القدس.

وهناك عوامل إضافيّة: لم تعد المجموعة الحاكمة في الأردن مهمّة للولايات المتّحدة أمام رسوخ التّأثير الروسيّ في سوريّة، والتّأثير الإيرانيّ في سوريّة والعراق، كما لم تعد مهمّة لـ«إسرائيل» والسّعوديّة (ومن خلفها دول الخليج) بعد نشوء تحالف مباشر شبه علنيّ بينهما في مواجهة «الخطر الإيرانيّ». لطالما قدّمت المجموعة الحاكمة نفسها كـ«قوّة معتدلة» في المنطقة، تستطيع لعب دور الوسيط بين العالم العربيّ، خصوصًا الخليجيّ منه، و«إسرائيل». الآن، وصلت «إسرائيل» إلى رأس النّبع السعوديّ، ولم يعد ثمّة داعٍ لأيّ وسطاء.

هكذا، تتفكّك، وبسرعة، الضمانات الخارجيّة للمجموعة الحاكمة، في ظلّ عدم اكتراث إسرائيليّ – سعوديّ – أميركيّ، في ذات الوقت الذي لم تحفظ تلك المجموعة لنفسها خطّ الرّجعة، بعد اختيارها (في سياق تحالفات المحور الذي لم يعد يحتاجها) موقع العداء للمحور الثاني. فلنتذكّر أن الملك عبد الله الثاني هو من أطلق مصطلح «الهلال الشيعيّ»، ووضع الأردنّ –استراتيجيًّا- في مواجهته.

المجموعة الحاكمة «تكتشف» شعبها 

في ظروف العُري الدوليّ والإقليميّ هذه، «اكتشفت» المجموعة الحاكمة أن لديها «شعبًا»، وأن لهذا الشّعب كرامة يجب أن تُحفظ، وانتقلنا إلى زمن «جديد» صار التّشديد فيه يتم على عدم التعرّض للمواطنين المحتجّين بالضّرب أو الاعتقال، بينما يقوم مدير الدّرك بزيارات ميدانيّة لمواقع الاحتجاج محاورًا المحتجّين، ويصرّح وليّ العهد بحقّ المواطنين على الاحتجاج، ويشدّد على حمايتهم.

بينما يتفكّك دورها الوظيفيّ التاريخيّ، وتتضاءل ضماناتها الخارجيّة التقليديّة، تجد المجموعة الحاكمة نفسها اليوم في وضع تحتاج فيه أن تُعيد تأسيس شرعيّتها فيه على الدّاخل، الذي اختلف تمامًا منذ عشرينيّات القرن الماضي، وصارت مجموعاته الشعبيّة أكثر تعقيدًا، وتنوّعًا، وتضاربًا في المصالح، بعد أن عمدت المجموعة الحاكمة إيّاها إلى تفكيكه على مدار عقود، ووضعه في مواجهة بعضه البعض، وتصفية، أو إضعاف وإلحاق، مؤسساته الشعبيّة (أحزاب، نقابات، إلخ)، بينما دفعت الاقتصاد الوطنيّ إلى الانهيار نتيجة للفساد وسوء الإدارة، وتفاقم المديونيّة، ونهب جيوب المواطنين، واتخاذه شكل التبعيّة الكامل لبرامج الدائنين وصندوق النّقد الدوليّ، وتدمير الصّناعات المحليّة الإنتاجيّة لصالح الوكلاء والاستيراد.

إذًا، لحظة التّغيير هي الآن، لأن مثل هذا الظّرف التاريخيّ قد لن يتحقّق مرّة أخرى: القطاعات الشعبيّة، ومختلف الشرائح والطّبقات والمجموعات الاجتماعيّة، موحّدة؛ والمجموعة الحاكمة تجد نفسها في موقف ضعف إقليميّ ودوليّ، وترغب في شرعنة نفسها انطلاقًا من داخلٍ تجاهلته تاريخيًّا، وعملت على تفكيكه وإلحاقه. فهل نترك هذه اللّحظة تمرّ هكذا؟

مقترحات للحركة الاحتجاجيّة: ما العمل؟ ما هي المطالب؟ ما هي الأولويّات؟

برأيي أن العمل يجب أن يتمّ على مستويات ثلاثة، تتوازى مع إعادة تشكيل ومأسسة للقوى الشعبيّة في تحالفات مختلفة (ستتغيّر بحسب المرحلة، وهذا طبيعيّ)، مع ضرورة الانتباه والحذر كي لا يتمّ الالتفاف على الاحتجاجات بواسطة الآليّات التّقليديّة التي اعتدناها، مثل تغيير الحكومة (الذي تمّ)، أو إنشاء «لجان حوار وطني» لا تملك من أمرها شيئًا (وهي لجان تخديريّة جُرّبت مرارًا بلا طائل، منذ لجنة الميثاق الوطنيّ، وصولًا إلى لجنة الحوار الوطنيّ في فترة الانتفاضات العربيّة).
تاليًا اقتراحات، أضعها بين يدي النّشطاء والمجموعات والقوى المختلفة المُحتجّة، يمكن الاستفادة منها لصياغة برنامج مطلبيّ مُحدّد وواضح، على المديين القصير والمتوسّط.

أولًا – على المدى القصير جدًّا (أيّام): المحافظة على زخم الاحتجاجات، والمحافظة على التّحالف الواسع جدًّا الذي تشكّل في الشّارع، والمحافظة على قيادته من الطّبقة الوسطى (لأنّها طبقة «ضامنة» ووسيطة لجميع الأطراف، وتصل بين الأقليّة الماليّة، والشرائح الفقيرة، وتضمن التّوازن الممكن للمصالح الآنيّة لجميع الأطراف)، إلى حين تنفيذ المطالب المعيشيّة الأساسيّة التي انطلقت الاحتجاجات من أجلها، وهي:

1- سحب مشروع التّعديلات على قانون ضريبة الدّخل.

2- إلغاء الضرائب والرّسوم على المحروقات، وإعلان معادلة تسعيرها.

3- إلغاء ضريبة المبيعات على السّلع الأساسيّة، خصوصًا تلك المتعلّقة بصحّة وغذاء المواطن.

4- إلغاء بندي فرق أسعار الوقود ورسم التلفزيون عن فاتورة الكهرباء، والعودة إلى تسعيرة الكهرباء السّابقة.

ثانيًا – على المدى المتوسّط القريب (أسابيع): الضّغط من أجل المطالب السياسيّة والاقتصاديّة التالية:

1- تشكيل حكومة «ثقات»، بصلاحيّات كاملة، لإدارة البلاد، مهمّتها الأساسيّة ملاحقة جميع قضايا الفساد والمال العامّ بحزم وجديّة كاملين، ابتداءً من القضايا الكبرى، وصولًا إلى القضايا الصّغرى، وليس العكس.

2- فتح حوار وطني شامل حول قانون انتخاب على قاعدة القوائم المُغلقة على مستوى الأردن كدائرة واحدة، وهو ما من شأنه إعادة اللُّحمة الوطنيّة، وتشكيل قوائم برامجيّة واسعة التّمثيل، وإنتاج مجلس نوّاب قويّ وممثّل وقادر.

3- حلّ مجلس النوّاب الديكوريّ القائم، والدّعوة لانتخابات جديدة على قاعدة قانون الانتخابات الجديد.

4- إلغاء اتفاقيّات الغاز مع «إسرائيل» لوقف هدر المليارات من أموال دافعي الضرائب لصالح دعم الإرهاب الصهيوني، وتحويل هذه الأموال لاستثمارها في مشاريع طاقة سياديّة داخل الأردن، مما يدعم الاقتصاد الأردنيّ، ويوفّر عشرات آلاف فرص العمل للمواطنين الأردنيّين الذين يعانون من البطالة.

ثالثًا – على المدى المتوسّط البعيد (أشهر): الضّغط من أجل المطالب السياسيّة التالية:

1- تعديلات دستوريّة تقرّ المبادئ التّالية: الشعب مصدر السّلطات، لا سلطة دون مسؤوليّة ومحاسبة ولا حصانة لصاحب سلطة، مساواة جميع المواطنين والمواطنات أمام الدّستور والقانون مساواة تامّة، فصل السّلطات فصلًا تامًّا ووضع الضّمانات التي تكفل عدم تغوّل السّلطة التنفيذيّة على ما سواها، الضّمان المطلق لحريّة الرأي والتّعبير والتجمّع والاحتجاج والتّنظيم، ضمان العدالة الاجتماعيّة والحقوق المعيشيّة الأساسيّة للمواطنين في الغذاء والصحّة والنّقل والتّعليم، إلغاء مبدأ التّعيين في مجلس الأعيان والاستعاضة عنه بغرفة برلمانيّة مُنتخبة، أن تكون الحكومة برلمانيّة، أن تخضع الأجهزة الأمنيّة للمؤسّسات السياسيّة وأن تُحدّد مهامّها بحماية حقوق المواطنين وأمنهم، والتّشديد على معاقبة أيّة خروقات لحريّة المواطنين وحقوقهم وأمنهم المعيشيّ.

2- إجراء التّعديلات القانونيّة لموائمة القوانين مع التّعديلات الدستوريّة.

3- تشكيل هيئة قضائيّة مختصّة بالتّدقيق في الذّمم الماليّة للمسؤولين السّابقين، وإعلانها، واستعادة أية تعدّيات تمّت على المال العامّ.

4- إعلان جميع موازنات أجهزة الدّولة ضمن الموازنة العامّة بالتّفصيل، بما في ذلك موازنات الديوان الملكيّ والأجهزة الأمنيّة، وخضوعها للتّدقيق البرلمانيّ.

5- تغيير النّهج الاقتصادي من نهج قائم على الاستيراد وإعاقة الإنتاج المحليّ، إلى نهج معاكس، يشجّع المشاريع الانتاجيّة المحليّة، ويقدّم الامتيازات لها، ويشجّعها على التوجّه إلى مناطق الفقر لتنميتها، ويشجّع القطاع الزراعيّ ويحميه، ويوجّهه إلى إنتاج الكفاية المحليّة وتحقيق ما أمكن من الأمن الغذائي الدّاخلي قبل التّصدير.

خاتمة: من رعايا إلى مواطنين يراقبون ويحاسبون، ومن مجموعات إلى مجتمع 

تشكّل هذه الوحدة الآنيّة (المؤقّتة) التي تتحقّق في احتجاجات «إضراب الأردن»، فرصة ذهبيّة للسّير على طريق التحوّل من شكل «المجموعات» (الإقليميّة والمناطقيّة والجهويّة والعشائريّة والعائليّة) الذي أنتجته المجموعة الحاكمة عبر آليّات تفكيكيّة وإلحاقيّة على مدار عقود، إلى إنتاج «المجتمع» الذي يتشكّل على قاعدة تأميم السّياسة وتحويلها إلى مجال للنقاش العام، وتأميم المساحات العامّة باعتبارها مساحات للاحتجاج والنّقاش والتّعبير عن الرأي، والشّراكة في السّلطة وتثبيت مبدأ المحاسبة.

كل مسؤولي البلد، من أكبرهم وحتى أصغرهم، هم عالة على دافعي الضرائب، وكل مواطن أردنيّ، من الشّحاذ وحتى المليونير، يدفع ضرائب (مبيعات، محروقات، اتصالات.. إلخ)، لذا: المواطن هو صاحب الحق والسّلطة، وهو صاحب المكرمات على المجموعة الحاكمة عبر تمويله لفسادها وسوء إدارتها وديونها التي اقترضتها على مدار عقود. دافع الضّرائب هو صاحب اليد العليا على مُتلقّيها، وتلوح الآن فرصة ذهبيّة لإعادة تعريف علاقته بالمجموعة الحاكمة، والبدء بالسّير نحو شكل من أشكال «دولة المؤسّسات»، ومجتمع العدالة والمُساءلة، والشّراكة في السّلطة، فهل يفعل؟ 

:::::

المصدر: “حبر”