إصدار كتاب “بيت لحم والمسيح في كاريكاتير ناجي العلي” لخالد الفقيه

صدر عن دار فضاءات بالعاصمة الأردنية عمان كتاب جديد للكاتب والإعلامي خالد الفقيه حمل عنوان “بيت لحم والمسيح في كاريكاتير ناجي العلي”، ويقع الكتاب الذي يصنف في إطار الدراسات البحثة في أربعة فصول وأكثر من مئة صفحة من القطع الكبير.

وتتضمن الدراسة العديد من رسومات الكاريكاتير التي خطتها ريشة الفنان الشهيد ناجي العلي والتي وظف فيها المسيح وبيت لحم والرموز الدينية المسيحية، في سعيه لإيجاد حالة من التحليل للواقع العربي والعالمي ومحاربة الفتنة الطائفية التي تضرب الوطن العربي في الوقت الراهن ما يدلل على إمتلاك العلي لبعد نظر وبصيرة متقدمة من خلال تحذيره من القادم والذي أتى بعد رحيله فعلاً وقولاً على أرض الواقع حيث إمتلك ناجي في حياته قدرة عالية في تحليل محيطه وتفكيك طلاسم البيئة الحاضنة للفكر التكفيري الإرهابي بكل أشكاله ومسنوياته.

وجاء الإصدار في الذكرى الثلاثين لإغتيال ناجي العلي في لندن بعد أن إستطاع تقديم أكثر من أربعين ألف لوحة كاريكاتيرية في حياته المهنية والفنية، حيث أكد الكاتب أن إرث ناجي كبير وعظيم وبحاجة للكثير من الدراسات التي توفيه حقه، وكان قدم للدراسة الدكتور عادل سمارة الصديق الشخصي للفنان الشهيد ووما جاء في تقديمه،” نبي بوحي السماء، أو نبت بحدث من الأرض، أما الرسالة فواحدة، الجغرافيا نفسها، كليهما انتهى صيد طراد مقدس، والنهاية هي الشهادة سواءً على الصليب أو برصاص القنص، لا فرق سوى تغير الزمن واستحداث أدوات جديدة للقتل، هو القتل في الوطن نفسه. والمدهش بحزن طبعاً، أن كليهما استشهد لصالح الخرافتين: اليهودية الخرافية القديمة، وامتطائها من حركة علمانية مستجلبة شخوصها من عشرات القوميات ويزعمون بأنهم امتداد للعبريين القدامى. زعم لا يقوم على علم ولا رواية تاريخية بل على أساطير تأسست لصالح إله الحرب والموت وراس المال” وأضاف سمارة في تقديمه “أزعم أنني أعرف ناجي العلي جيداً لكنني فوجئت بمستوىً جديد في شخص هذا النبي المتواضع في استلهامه للسيد المسيح سواءً في تقشفه أو إنسانيته أو مواجهة الشهادة راضيا، هنا حيث البطولة الهادئة المتواضعة. هذا ما أبدع خالد الفقيه بالنبش عنه في شخص وإبداع ناجي العلي حيث التقط المسيح وبيت لحم في إرث ناجي العلي”.

وانطلق الباحث في دراسته من فرضيتين الأولى، “تأثر ناجي العلي بالبيئة التي ولد فيها ولجأ إليها بعد ذلك فأسهم ذلك في حضور مدينة بيت لحم وكل ما يتعلق بها في رسوماته بقوة”. والثانية، “نجح الفنان ناجي العلي في توصيف هموم المواطن العربي ورفع مستوى وعيه تجاه مشاكله، وبث روح التغيير على مختلف الصعد الإجتماعية والثقافية والسياسية على المستويين الفلسطيني والعربي موظفاً بيت لحم والمسيح كرمز ديني مسيحي في جدلية التثوير”. وأجاب على الأسئلة البحثية التي وضعها للغاية البحثية التي إنطلق من أجلها، مستخدماً المنهج الوصفي التحليلي في تحليل رسومات الكاريكاتير التي وظفها وإستخدمها في دراسته.

وخصص الفصل الأول كمقدمة للولوج إلى الدراسة بما في ذلك التطرق لتاريخ الكاريكاتير ومهامه ودور ناجي العلي في ذلك ومن ثم مشكلة الدراسة أسئلة البحث، وأهمية البحث، ومساهمة البحث في مجال الدراسة، ومكان وزمان الدراسة، والفرضيات، ومنهج الدراسة، والمفاهيم المستخدمة “تعريف المفاهيم”، والدراسات السابقة.

أما الفصل الثاني فقسمه الباحث إلى عدة عناوين وإندرجت المادة البحثية تحتها، وهي بيت لحم والمسيح الدلالة والرمزية في نتاجات ناجي العلي، المسيحية الكفاحية عند ناجي العلي، التآخي الإسلامي المسيحي والعيش المشترك، توظيف ثوري عقلي، وفي هذا الفصل أكد خالد الفقيه أنه يحسب لناجي العلي أنه أخذ على عاتقه فلسطنة المسيح بعدما راج في أذهان الكثير أن لا علاقة له بالأرض الفلسطينية سوى أنه ولد فيها وذلك في إطار معركة التنوير التي أخذها على عاتقه في إعادة قراءة التاريخ ودور محتلي فلسطين بعد قرابة الألفي عام في معاناة المسيح في فترة نبوته وأنهم لا زالوا حتى اليوم يتسببون بمعاناة أبناء أرضه الفلسطينيين، ولعل ناجي هو أول من رسّخ صورة المسيح فلسطينياً بما لديه من طاقة إيصال جماهيرية، فقد عانق ناجي المسيح معانقة الطفل لجدّه، ومن خلال مجموعة من رسوماته ردّ المسيح إلى مسالكه الشرقية، بفهمه المسيحية باعتبارها في الأساس ثورة مشاعية، إنطلقت من أرضنا، من فلسطين وتحديداً من مدينة بيت لحم إلى العالم.

الفصل الثالث من الكتاب وضع الكاتب له عناوين وأطر وهي المسيح وبيت لحم أسماء فلسطين الحركية في فن ناجي العلي، ومداخل الوحدة والعودة، ورفض مطلق لتحريف المسيحية، ومما جاء في هذا الفصل “جسدت معظم اللوحات التي تناولت المسيح ومدينة بيت لحم في كاريكاتير ناجي العلي معاناة الشعب الفلسطيني ومظلوميته فكانت النكبة التي وقعت عام 1948 وعلى أثرها تهجير الشعب الفلسطيني في المنافي فصل آخر من فصول ملاحقة ومعاناة النبي عيسى من وجهة نظر ناجي العلي المتأثر بتعاليم هذا النبي من وجهة نظر معتزة بعروبة المكان والزمان الذي إحتضن القضيتين فلوحته التي جسد فيها فلسطينية لاجئة تحمل طفلها الصغير الموشح بالكوفية في خلفية الرسمة يعلو المسيح على صليبه المجاور للهلال في أفق السماء وتحتهما إسم فلسطين تفسر وبلا أدنى شك رؤية ناجي للتاريخ وقراءته له.

وأكد الكاتب كذلك أنه من الطبيعي عند ناجي الثورة على واقع الظلم فرغم نقده للثورة الفلسطينية في بعض مراحلها وممارسات قيادتها إلا أنه جعل من خشبة الصليب بما تحمله وتجسده من معاناة كخشبة خلاص لمن بقوا يحملون العنف الثوري في كوامنهم بعد خروج الثورة الفلسطينية من بيروت عام 1982 وكان ناجي رافضاً لهذا الخروج وحذر منه، رفض ناجي نتائج الوساطات الدولية مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أثناء الحرب، التي أفضت إلى خروج المقاتلين الفلسطينيين، وثورتهم على متن سفن يونانية عبر البحر الأبيض المتوسط بحو تونس، وإعتبر ذلك خيانة لمبادئ الثورة المسلحة ونضالاتها وشهدائها، وهنا قدم لقراءة لوحة حرض فيها المقاتلين على العودة لإستئناف القتال في بيروت على صليب عائم.

الفصل الرابع خصص لعدد من اللوحات ذات الصلة بموضوعة الدراسة التي قد يكون بعضها جديداً بالنسبة للكثيرين من حيث الإطلاع عليها.

وخلص الكاتب الفقيه في بحثه لجملة من الإستنتاجات ولعل أبرزها، ويمكن تلخيص هذه الاستنتاجات بالتالي :

1. ان تصوير ناجي العلي للمسيح بالثائر يعني الكثير للمتلقين وتحذير من الأخطار التي تستهدف مكونات الهوية العربية والمكون الميسيحي.

2. وضع ناجي البعد العربي المسيحي في سياقه الثوري الممتد في تاريخ المنطقة العربية.

3. قرأ ناجي العلي المستقبل مبكراً ووضع الحلول المبكرة والمسبقة للظاهرة التكفيرية على أساس طائفي في وقتنا المعاصر على المستويين العربي والعالمي.

4. كان ناجي العلي يستنجد بالمسيح في محاربته العنصرية والغرائز الدموية والتطرف الديني.

5. جعل من السيد المسيح وتعاليمه ورموز ديانته الملجأ للفقراء والمهمشين في محاولة منه لاستذكار آلامه وعذاباته وتضحياته من أجل الإنسان.

6. تناول العديد من القضايا، بالانطلاق من فلسطين ومقدساتها، ليلامس اهتمامات الجماهير المتلقية لابداعاته ومن ذلك الفقر، والحرية، والكرامة الإنسانية.

7. امتلك قدرةً على الإبداع والتوظيف وتوليد الأفكار دون التقيد بشكل أو سياسة فاستجلب المسيح من عمق التاريخ وأحاله حالة فنية لا يرقى لها شك بنبشه الذاكرة الجمعية والتاريخية في سبيل التحريض على الظلم وإحقاق العدل.

8. استخدامه للفضاء القاسي الأسود والأبيض وزج المسيح والرموز المسيحية فيه نجحت في التعبير عن الواقع، وجعلت منها مقياساً للزمن وجاءت على شكل وصايا تصلح لكل زمان ومكان وتلفت الانتباه للمعاناة البشرية فسعى لاستنهاضها إنسانياً وثورياً.

وأصى الباحث بالاهتمام بإرث ناجي العلي وتوسيع أبواب هذه الدراسة من قبل باحثين آخرين وإصدارها في كتاب وترجمته إلى لغات أخرى وتوزيعه على مستوى دولي. وأكد كذلك على ان إرث المسيح والرموز المسيحية المقدسة أكثر مما استطاع تحصليها ورصدها هنا لا سيما وان الكثير من المقالات والدراسات تشدد على ان ما لم ينشر من إبداعات هذا الفنان التي لازالت حبيسة الأدراج كثيرة ومتنوعة وربما فيها ما هو أكثر تفصيلاً وجمالية.

يذكر أن الإعلامي خالد الفقيه كان أصدر في العام 2014 كتاباً أخر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع حمل عنوان حركة الوعي في كاريكاتير ناجي العلي ووقع في سبعة فصول وقرابة أربعمائة صفحة، كما نال درجة الماجستير من جامعة النجاح الوطنية عن رسالته أيضاً والمتخصصة في التنمية السياسية المترتبة على حركة الوعي في كاريكاتير ناجي العلي، وله العديد من الإصدارات المكتوبة والبحثية في مواضيع متخصصة في مجالات التنمية والإعلام بالإضافة لكثير من الأفلام الوثائقية والتوثيقية وحائز على عدة جوائز محلية وعربية ودولية عن نتاجات إعلامية متعددة، وهو أحد العاملين في حقلي الإعلام والتعليم الأكاديمي في جامعتي بيت لحم والقدس.

رام الله- معا-