عربي وعالمي

الأسرى…ايقونات النضال وقادته اللامختلف عليهم

   عبد اللطيف مهنا

 

عند الحديث عن الأسرى والأسيرات الفلسطينيات، أو هؤلاء الأبطال وهاته البطلات ممن يرزحون ويرزحن في اسار سجون ومعتقلات الاحتلال، علينا بداية أن لاننسى أننا ازاء شعب هو اذ يعيش نكبةً مستمرةً منذ بدء الصراع العربي الصهيوني وحتى اللحظة، فهو برمته، وفيما هو اقرب الى المناصفة عددياً، اما الأسير داخل وطنه المغتصب أو الشريد في منافيه خارجه، وجميعه وطناً وشتاتاً، وليس في قطاع غزة وحده، هو موضوعياً يرزح في ظل حصارات تعددت اشكالها واختلفت اوجهها لكنما تقاربت قسوتها ومديد عذاباتها.

اما اذا قصرنا حديثنا فأوقفناه على من هم يعانون في ظلمة الزنازن ويقاومون من وراء القضبان، فعلينا من حيث المبدأ التسليم بأن هؤلاء الأبطال والبطلات ليسوا مجرّد رموز مضيئةً للعناد النضالي الفلسطيني ولآ هم ايقوناته فحسب، بل هم قادته المُكرّسون واللامختلف عليهم وحدهم في ضمير ووجدان شعبهم الصامد المضحي من اجل استعادة كامل فلسطينه السليبة والعودة لكاملها.

ما بين النكبتين فحسب، ونعني هنا، الثانية اثر هزيمة 1967، والثالثة بتوقيع اتفاقية اوسلو الكارثية الجارية تداعياتها راهنا، تقول لنا الاحصائيات أن عدد من أُسر أو أُعتقل من الفلسطينيين قد جاوز الثمانمئة الف اسير وأسيرة. أما من هم يكابدون الآن عذابات الأسر وقهر الاعتقال فقد بلغوا السبعة آلاف اسير واسيرة. من هؤلاء من عرفوا بالمعتقلين الاداريين، أي هؤلاء الذين ليسوا بالمحكومين والذين لا توجّه لهم تهمة اصلا ويتم تجديد مدد اعتقالهم على التوالي ما شاء الاحتلال تمديدها، والبالغ عددهم راهناً 670 معتقلاً…ومنهم ايضاً الاطفال المعتقلون والبالغ عددهم 406 اطفال.

…وتستطرد الاحصائيات لتخبرنا أن هناك اربعين اسيراَ يقضون الآن ما هو الاكثر من عشرين عاماً في غياهب المعتقلات، ومن بينهم، على سبيل المثال، الأسيرين الشقيقين كريم وماهر يونس من المحتل في العام 1948، اللذين يقبعان خلف القضبان منذ 34 عاماً، كما لاننسى المناضل الأسير نائل البرغوثي، الذين اعادوا اعتقاله بعد أن افرجوا عنه وكان قد قضى في معتقلاتهم 35 عاماَ…ونمضي فنذكر أن من بين الأسيرات لينا جربوني، الأسيرة الأقدم، التي قضت في الأسر، حتى الآن، 14 عاماً، والأسيرة الأصغر سناً ديمه الواوي، التي لم تتجاوز من العمر سن الثانية عشرة.

وتجدر الإشارة إلى أن من بين الأسرى،من هم، ونتيجةً للتعذيب، وبسبب من الإهمال الطبي المتعمِّد، يعانون امراضاً مزمنةً وخطيرةً قد بلغوا 1500 اسير، أما الشهداء، حتى الآن، وكنتيجة رئيسة لما ذكرناه من اهمال مقصود، فهم 62 شهيداً.

اضافةً لما تقدَّم، لايفوتنا التنويه إلى أنه وبعد اندلاع الانتفاضة الراهنة فحسب قد تم اعتقال قرابة الخمسة   الاف من المنتفضين حتى الآن، من بينهم 1900 طفل، و140 فتاة وامرأة، بل ولم يتورع المحتلون الحاقدون عن اعتقال 85 جريحاً فلسطينياً نازفاً، ناهيك عمن يتركونهم ينزفون حتى الموت بمنع سيارات الاسعاف من الوصول اليهم لإسعافهم، أو من يعدمونهم ميدانياً حتى وهم جرحى ينزفون وعزلاً ولايقوون على الحراك، كما هو، على سبيل المثال، حالهم مع الشهيد عبدالفتاح الشريف في مدينة الخليل، ثم تهديداتهم للمصور الذي وثَّق جريمتهم هذه وسرَّبها عبر وسائل الإتصال الآجتماعي لتطوف من ثم العالم فتضطر بالتالي لأن تنقلها حتى بعض شاشات التلفزة المنحازة عادةً للقتلة.

ما يهمنا هنا أنه، ورغم كل ماتعنيه قيود الأسر في معتقلات الوحشية الصهيونية المنفلتة من كافة القيود التي  عرفتها القيم الإنسانية، لقد ظلت الحركة الفلسطينية الأسيرة داخل معتقلات الاحتلال بؤرةً نضاليةً فعَّالة ومؤثرةً، بل وملهمةً للنضال الوطني الفلسطيني، طيلة هذا المابين النكبتين، الثانية والثالثة، ويمكن سحب هذا على ما سبق النكبة الأولى، وتحديداً في ظل االإنتداب البريطاني الممهد لها، ويزداد اثرها وتأثيرها مع الأيام  في سائر مجريات الكفاح الوطني المستمر على مدار صراع وجود مديد وذي طبيعة تناحرية.

إن صمود الأسرى ونضالاتهم خلف القضبان ،ومنها ما عرف بمقاومة الأمعاء الخاوية، أو الاضرابات المتواصلة والمديدة عن الطعام، ولمدد لم يشهد عالمنا لها مثيلاً، هى وما من شك لواحدة من روافد ومحفِّزات متوالية هاته الهبات الانتفاضية المقاومة، أو تتابع المحطات النضالية المتعاقية، وكذا سائر المختلف من شتى المظاهر والأشكال النضالية المستمرة التي يخوضها الشعب الفلسطيني في مواجهة محتليه ولايمكن فصلها عنها. …للأسرى دائما دورهم في قيادة شعبهم من خلف القضبان وسيظل مثل هذا الدور لهم ما ظل الصراع، لأنهم، وعلى النقيض من اولئك الانهزاميين المفرِّطين الذين ساوموا على حقوق شعبهم العادلة والغير قابلة للتصرف وفرَّطوا بثوابته الوطنية، من قد اعطوا على الدوام مثالاً حياً وقل نظيره في الاستعداد للتضحية، بدمهم في البدء، ثم بحريتهم إن هم وقعوا في الأسر ولم يستشهدوا في ساح المواجهة مع المحتلين، وما ذلك منهم إلا  لأجل حرية هذا الشعب وحقه في استعادة كامل وطنه بتحريره والعودة إليه.

اترك تعليقاً