الأرشيفعربي وعالمي

رحيل زبغنيو برجنسكي: منظّم الجهاد الإسلامي ضد الشيوعيّة؟ – أسعد أبو خليل

قد يكون أفلاطون هو المسؤول: منذ كتاب «الجمهوريّة» والفلاسفة والمثقّفون، وحتى الحكواتيّة في المقاهي الرمضانيّة في زمن غابر، حلموا بتسلّم السلطة – أو الاقتراب منها على الأقل. لكن ليس هناك من تجارب مصنّفة عن وصول المثقّفين إلى السلطة. قد يصل المثقّف إلى السلطة لكن ليس بـ«ثقافته» أو جهوده هو. يصل على ظهر حركة سياسيّة (أو ماليّة) قد يكون قد عاداها ماضياً.

أو هو يصل إلى تخوم السلطة، فيظنّ أن السلطة باتت في قبضة يده. تجربة المنصف المرزوقي: هل كان هذا المثقّف في السلطة أم أنه كان واجهة خدمة غرض غيره في حركة الإخوان في تونس؟ (هل من اهتم مثلاً بمتابعة برنامج «شاهد على العصر» عنه كي يعرف عن خبايا السلطة؟ أشكّ في ذلك).

وليس هناك فارق بين الشرق والغرب. قد يصل المثقّف إلى السلطة في الغرب لكن عن طريق رأس المال أو حزب سياسي نافذ أو الاثنيْن معاً. تجربة زبغنيو برجنسكي (الذي توفي قبل أيّام) وهنري كيسنجر (لا يزال على قيد الحياة مما يستدعي نقاشاً عن مفهوم العدالة الأهليّة) تفيد. اقترن اسما الاثنيْن ببعضهما البعض منذ سنوات الدراسة الجامعيّة في جامعة هارفرد في الخمسينيات. وتنافسا على كرسي جامعي في هارفرد، ففاز كيسنجر وانتقل برجنسكي إلى جامعة كولومبيا (حيث كانت مادلين أولبريت تلميذته – عالم النخبويّة الثقافيّة صغير جدّاً هنا) إلى أن عيّنه جيمي كارتر مستشاره للأمن القومي.

ما يعنينا كثيراً في سيرة الرجل هوسه ببناء نظام أمني خليجي

 ومسار برجنسكي (وهو من أصل بولوني، قبل أن ينتقل والده مع عائلته إلى كندا في عام ١٩٣٨، حيث نشأ) يتبع مسار الحرب الباردة التي حرص على إذكاء نارها، أكاديميّاً وسياسيّاً. وفيما مثّل كيسنجر سياسة «ديتانت» (أي تخفيف التوتّر في العلاقة بين الجبّاريْن) مثّل برجنسكي سياسة الحرب الباردة وفكرة «التعاطي الإيجابي» التي رفضت أن تسلّم بسيطرة الاتحاد السوفياتي على أوروبا الشرقيّة، والتي عمدت إلى شقّ المعسكر الشيوعي وشطره قوميّاً (مع أنه كان من المُشكّكين بعمق الخلاف الصيني ــ السوفياتي في البداية لأن نظرته إلى الشيوعيّة كانت جامدة للغاية، ولا تحتمل عنصر التغيير). ومُبكّراً رسم الرجلان الطموحان مسارهما الأكاديمي آخذيْن بعين الاعتبار طموحهما القوي للاقتراب من السلطة والمشاركة في صنع القرار السياسي. ومن العناصر المشتركة بينهما أنهما كانا رخويْن في الارتباط الحزبي، وذلك من أجل توسيع الفرص السياسيّة. كيسنجر تعاون مع الحزب الديموقراطي حتى عهد ليندن جونسون. وموقعه في داخل إدارة نيكسون منعه من العودة إلى اللعب على الحبليْن. وكما أن اسم كيسنجر ارتبط بالجناح الشرقي المعتدل للحزب الجمهوري، فإن اسم برجنسكي ارتبط بالجناح المحافظ والمتزمّت (في السياسة الخارجيّة) في الحزب الديموقراطي. والاثنان لفتا الأنظار مُبكّراً في كتاباتهما عندما أخذا بنظريّة «استعمال الأسلحة النوويّة على نطاق محدود» كبديل عن نظريّة «الردّ (النووي) الشامل».

تخصّص برجنسكي في شؤون الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي (درس على مير فينسد، الذي كان أوّل من أسّس الدراسة السياسيّة للاتحاد السوفياتي في جامعة هارفرد، بناء على طريقة دراسة الإدارة العامّة التي تخصّص فيها). وتأثّر برجنسكي أيضاً (وكثيراً) بأستاذ آخر هو عالم الفكر السياسي، كارل فريدريك، الذي ألّف معه كتابه الثاني بعنوان «الأوتوقراطيّة والديكتاتوريّات التوتاليتاريّة». واستعار الاثنان المصطلح (أي التوتاليتاريّة) من حنة أرندت مع أن الكلمة سبقت استعمال أرندت، لكنهما أضافا عليه. واستعمال المصطلح كأسلوب سياسي فعّال لدحض السياسة السوفياتيّة تأسّس على يد الاثنيْن في مؤتمر انعقد في جامعة هارفرد (وبرعاية الأكاديميّة الأميركيّة للآداب والعلوم) في اليوم الذي مات فيه ستالين. لكن مفهوم التوتاليتاريّة مختلف تماماً عن المصطلح المبتذل الذي أدرجه الإعلام السعودي في الخطاب العربي لتعيير الأنظمة المناوئة له. حنة أرندت استقت مفهومها في كتابها «أصول التوتاليتاريّة» من كتابات «مدرسة فرانكفورت» كظاهرة تنتمي إلى الحداثة. وكارل فريدريك وافق أرندت في دراسته الأولى التي اعتبر فيها النظام النازي والسوفياتي الشيوعي كنموذج تطبيقي للنظريّة تلك.

وبرجنسكي بقي لسنوات معانداً في فهمه للاتحاد السوفياتي وفي تفسيره لنظامه السياسي. رفض أن يقبل بتحوّلات لا يمكن إنكارها في النظام السوفياتي. وكتاب «الأوتوقراطيّة» يبدأ في تحليله بالاستشهاد بكلام لينين عن تأسيس دولة جديدة، كأنه عنى بذلك دولة ستالين بحذافيرها. أكثر من ذلك، إن معاندة مؤلفيْ الكتاب في قبول التحوّل في النظام السياسي السوفياتي دفعت بهما إلى الأخذ بنظريّة اغتيال ستالين من قبل «فريقه» (ونسبا الفكرة بطريقة بعيدة عن القرائن الأكاديميّة إلى «البعض يظن»، ص. ١١ من الكتاب) فقط من أجل تدعيم فكرة استمراريّة الدولة الستالينيّة التوتاليتاريّة. ولا يمكن إنكار الدافع غير الأكاديمي في الإصرار على وصف التوتاليتاريّة: فهو فصلَ بين كل النظم التسلطيّة في العالم وفي التاريخ من أجل رفع مرتبة النظام النازي والشيوعي الحالي إلى مرتبة خاصّة من الشرور السياسيّة. وانهيار الاتحاد السوفياتي يدحض بحدّ ذاته النظريّة التوتاليتاريّة من أساسها عن جمود النظام وانغلاقه.

وبرز عناد برجنسكي (السياسي أكثر مما هو أكاديمي) في أطروحته عن «التطهير الكبير» (في وصف المرحلة الستالينيّة)، وهي موضوع أطروحته للدكتوراه. لم يصنّف التطهير والمحاكمات في عهد ستالين في الثلاثينيات على أنها استثناء أو مرحلة من الصراع على السلطة، بل على أنها أسلوب حكم من ضمن نظام الحكم (راجع كتاب «زبيغ: استراتيجيّة وأسلوب حكم زبغنيو برجنسكي» لتشارلز غاتي، ص. ٣٤). وبعد موت ستالين، لم يجد برجنسكي من حرج في الاعتماد على منهج أطروحته في دراسة العهد الخروتشوفي عبر القول إن «التطهير» لا يزال مستمرّاً وإن «صامتاً». لكن النقد الأكاديمي للمنهج التوتاليتاري برز أيضاً في داخل جامعة هارفرد، من الفريق الذي اعتمد المنهج الفيبري (نسبة إلى ماكس فيبر) في تحليل النظام السوفياتي. ومثّل بارنغتون مور (الذي كان أستاذاً لحنّا بطاطو في الفترة نفسها الذي تنافس فيها كيسنجر مع برجنسكي، وهو تخصّص في الدراسات السوفياتيّة وحظي بالتتلمذ أيضاً على يد هربرت ماركوزه، الذي كان أستاذاً زائراً في هارفرد أثناء دراسة بطاطو) المدرسة الفيبريّة وكان أكثر ميلاً إلى قبول إمكانيّة تحوّل النظام السوفياتي وارتخاء قبضته الحديديّة واعتماد سياسة عقلانيّة في إدارة الحكم.

وفي عام ١٩٦٠، نشر برجنسكي أهم وأفضل كتبه – بعيداً عن نفوري من رسالته – على الإطلاق (من الناحية الأكاديميّة والسياسيّة الخاصّة بالصراع الأميركي مع الاتحاد السوفياتي)، وهو كتاب «الكتلة السوفياتيّة: الوحدة والصراع». والكتاب موسوعي في إحاطته واعتمد فيه الكاتب على معرفته الوثيقة بأحوال كل أوروبا الشرقيّة مستعيناً بمراجع في لغات تشيكيّة وبولونيّة وألمانيّة وروسيّة وفرنسيّة وإنكليزيّة. تُدرك أهميّة الكتاب أنه كان لا يزال (في نسخة مُنقّحة ومعدّلة) المرجع المعتمد في مادة الاتحاد السوفياتي في جامعة جورجتاون في عام ١٩٨٤، عندما كنتُ تلميذاً فيها. والكتاب أسّس لنقلة في النظر إلى الاتحاد السوفياتي إذ أشار إلى معالم تفسّخ في الكتلة الشيوعيّة (وكانت الدراسات السوفياتيّة الأميركيّة، ربما بسبب أدب التوتاليتاريّة، لا تعير معالم الصراع في داخل الكتلة كثير الأهميّة). وخلص برجنسكي في كتابه إلى أن الاتحاد السوفياتي لا يمكن أن يستمرّ كما هو وأن عليه أن يوسّع نطاق نفوذه وإلا هزل واضمحلّت سيطرته. وهناك مَن يرى أن برجنسكي توقّع سقوط الاتحاد السوفياتي من الداخل، إذ يقول: «إذا لم تتوسّع الشيوعيّة بالسرعة اللازمة»، وإذا «… تكسّرت الفرضيّات العامّة الأساسيّة للأيديولوجيّة»، وإذا أصبحت الخلافات بين الدول الشيوعيّة «أكثر مرارة» فإن «التفتّت سيتسارع في داخل الأحزاب الحاكمة» (ص. ٥١١ من كتاب «الكتلة السوفياتيّة، طبعة ١٩٧١). لعلّ هذا أسبغ عليه وصف «الرجل الذي حطّم الكرملين» في كتاب عنه للصحافي البولوني اندريج لوبوفسكي، لكن المتنافسين على هذا اللقب كثرٌ في الغرب (وحتى في الشرق حيث ينسب البعض سقوط الاتحاد السوفياتي إلى الجهاد الإسلامي الخليجي).

لكن برجنسكي في دراسته للاتحاد السوفياتي ابتعد عن نظرة التوتاليتاريّة كوسيلة تحليل للاتحاد السوفياتي. كان الإعلان الرسمي في كتابه (مع صمويل هنتغنتون) بعنوان «السلطة السياسيّة: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، متشابِهات ومُتعارِضات، تلاقي وتطوّر» في عام ١٩٦٤. والمُلفت في هذا الكتاب أن كلمة توتاليتاريّة لم ترد مرّة واحدة فيه. سلّم برجنسكي بواقع الدراسات السوفياتيّة الحديثة التي أخذت في الحسبان تطوّر النظام السوفياتي بعد خطبة خروتشوف في عام ١٩٥٦ (سرّب جهاز «الموساد» نص الخطبة السريّة إلى المخابرات الأميركيّة وقبض ثمن ذلك مزيداً من السلاح والتعاون الاستخباراتي، لكن هذه الخطبة كانت نادرة في تاريخ «إنجازات» الجهاز العدوّ)، وبعد إدانة ستالين. والكتاب تقبّل ما لم يكن مقبولاً: عقد المقارنة (بين النظاميْن) بحدّ ذاته لم يكن مقبولاً من قبل، لأن المقارنات الأكاديميّة لم تكن جائزة فيما يتعلّق بالاتحاد السوفياتي إلا بينه وبين النظام النازي فقط.

كانت وجهة نظره برجنسكي تقضي بدعم استعمال القوّة من قبل الشاه

ومثل خصمه اللدود طمع برجنسكي مبكرّاً بالاقتراب من السلطة. وطريقه إلى السلطة مَرّ، كما في حالة كيسنجر، بديفيد روكفلر، الثري الأميركي. عمل برجنسكي في إدارة كينيدي، ثم أصبح رئيس «مجلس تخطيط السياسات» في عهد ليندن جونسون حيث أيّد حرب فييتنام، ممّا عرّضه لانتقادات كثيرة في جامعة كولومبيا التي كانت تغلي بالتحرّكات الطلابيّة آنذاك. لكن برجنسكي عارض توسيع الحرب إلى لاوس واستقال من الخدمة في ظروف أضفى عليها بطولة شخصيّة لم يستحقّها. ثم أصبح مستشار حملة هيوبرت همفري (الديموقراطي المحافظ) في انتخابات ١٩٦٨. وأسّس مع ديفيد روكفلر ما يُعرب بـ«اللجنة الثلاثيّة»، والتي يُنسب إليها (خطأً) مخطّط تسيير شؤون الكون في أنساق من نظريّات مؤامرة تؤمن بنفوذ حالي لـ«الفرمسون»، كما أسماهم لويس شيخو في كتاب عنهم («السر المصون في شيعة الفرمسون»). وقرّر برجنسكي أن يدعو حاكم جورجيا (غير المعروف آنذاك) جيمي كارتر، للانضمام إلى «اللجنة الثلاثيّة» وأضفى عليه وهجاً محترماً في مقدّرات الشؤون الخارجيّة التي كان كارتر يحتاج إلى مشروعيّة فيها في الحرب الباردة.

أصبح برجنسكي مستشاراً للأمن القومي بعد فوز كارتر بالرئاسة. تُعقد مقارنات كثيرة بينه وبين كيسنجر، لكن نفوذ كيسنجر ودوره العالمي وخداعه (باعتراف صديقه شمعون بيريز) فاق دور برجنسكي. لكن الاثنيْن نجحا في الاستيلاء على عمليّة صنع السياسة الخارجيّة من وزير الخارجيّة (استقال ويليمام روجرز احتجاجاً على ألاعيب كيسنجر كي يصبح الأخير في عهد نيكسون الرجل الوحيد في التاريخ الأميركي الذي جمع بين منصب وزير الخارجيّة ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، قبل أن يتفرّغ لوزارة الخارجيّة. واستقال سيروس فانس من وزارة الخارجية احتجاجاً أيضاً على ألاعيب برجنسكي (كان برجنسكي يقول إن لا منافسة بينه وبين فانس، لأن الأخير لا يملك رؤية استراتيجيّة). والاثنان (أي كيسنجر وبرجنسكي) اختارا أن يلتقيا بسفير الاتحاد السوفياتي سرّاً عبر مدخل خاص في البيت الأبيض).

كان مسار برجنسكي في البيت الأبيض محفوفاً بتصعيد الحرب الباردة، وهذا ما برع فيه. وفي مواقفه في القضيّة الفلسطينيّة، تراجع عن توقيعه على وثيقة بروكنغز الشهيرة في عام ١٩٧٥ (بتأثير من صديقه، وليد الخالدي يومها)، ومثّلت أوّل اعتراف من النخبة المثقّفة الحاكمة هنا في حق تقرير المصير الفلسطيني (تلخّصت مواقف برجنسكي في البيت الأبيض عن فلسطين في عبارته الشهيرة «وداعاً منظمّة التحرير»، والتي صرّح بها في مقابلة مع مجلّة «باري ماتش» الفرنسيّة في عام ١٩٧٨). لكنّ اهتمام برجنسكي في البيت الأبيض انصب على مواجهة الاتحاد السوفياتي. هنا استفاد من معرفته بأوروبا الشرقيّة ومن معرفته بالبابا البولوني، يوحنّا بولس الثاني، كي يذكّي الصراعات والقلاقل في أوروبا الشرقيّة. حاد عن فكرة «السلام البارد» التي دشّنها نيكسون، وفضّل عليها سياسة «الاحتضان من أجل تقويض» الاتحاد السوفياتي. معرفته بقادة النقابة العماليّة في بولونيا ساعد في تقديم الدعم الأميركي الخفي للحركة («التضامن») (وبمساعدة سريّة من قبل الكنيسة التي تعاونت من المخابرات الأميركيّة في التهريب والتخريب من داخل المعسكر الشيوعي (راجع كتاب كارل برنستين عن البابا يوحنا بولس الثاني).

إذا كان فريق نيكسون – كيسنجر قد قبل على مضض بحدود المعسكريْن المتقابليْن على أن لا تتسع رقعة نفوذ الشيوعيّة، فإن برجنسكي رأى أنه من الضروري فرض تراجع في حدود النفوذ السوفياتي وأن ذلك ممكناً عبر المزيد من العمل الأميركي السرّي لإثارة العصبيّة القوميّة (والتي عوّل دائماً عليها، مثله مثل الخبيرة الفرنسيّة في شؤون الاتحاد السوفياتي آنذاك، هيلين كارير دانكوس، كالعنصر الأساس في تفتيت المعسكر السوفياتي). وأدرج برجنسكي سياسة «الربط»، في الديبلوماسيّة: أي ربط ملفّات غير مرتبطة ببعضها في العلاقة مع السوفيات: كان مثلاً يشترط أن تقوم موسكو بتنازلات في موضوع الهجرة اليهوديّة من أجل إحراز تقدّم في ملفّ الحد من الأسلحة.

لكن ما يعنينا كثيراً في سيرة الرجل هوسه ببناء نظام أمني خليجي (أدّى فيما بعد إلى إنشاء مجلس التعاون الخليجي) وتكوين تحالف عالمي – إسلامي من أجل تقويض الاتحاد السوفياتي من خلال الحرب في أفغانستان. عقيدة كارتر كانت من صنعه، وهي صنّفت منطقة الخليج على أنها منطقة نفوذ ومصالح حيويّة أميركيّة (كارتر قال إن وقف إمدادات النفط منها يساوي إعلان حرب ضد أميركا)، وأن أميركا ودول الخليج ستتعاون سويّة على محاربة الشيوعيّة (أدّى ذلك إلى إنشاء «القيادة الوسطى» للقوّات المسلّحة الأميركيّة آنذاك وهي تغطّي منطقة الشرق الأوسط برمّتها). هل استدرج برجنسكي بدهاء الاتحاد السوفياتي إلى مستنقع أفغانستان؟ هذه نظريّة لا دليل عليها وهي صعبة التصديق. لكن هل أن برجنسكي خطّط كي تغرق موسكو أكثر في المستنقع الأفغاني؟ هذا ما هناك دليل عليه (راجع كتاب بروس رايدل، «بماذا فزنا: حرب أميركا السريّة في أفغانستان»، ص. ٩٨) هو أن الخطّة الأميركيّة (من إعداد برجنسكي) اقتضت توريط الاتحاد السوفياتي أكثر فأكثر في أفغانستان من أجل استنزاف قواه بهدف تحطيم الإمبراطوريّة الشيوعيّة.

ويظهر في رواية برجنسكي عن تلك الفترة مدى التآمر الأميركي ضد اليمن الجنوبي، إذ يتحدّث (في كتابه «القوّة والمبدأ»، ص. ٤٤٧) عن «تهديد متعاظم ضد السعوديّة من اليمن الجنوبي» وتمت في آذار ١٩٧٩ الموافقة على إرسال حاملة طائرات «كونستليشن» إلى بحر العرب وطائرتيْ «اواكس» للسعوديّة. وفي لقاء بين برجنسكي والملك فهد وسعود الفيصل في ذلك العام، صارح الرجلان برجنسكي بقبولهما لزيادة التعاون والتنسيق العسكري والاستخباراتي بين الحكم السعودي والإدارة الأميركيّة. ويضيف برجنسكي: «وشدّدوا بصورة خاصّة على التهديد المُتعاظم في اليمن الجنوبي. ووافقنا بالمبدأ على أن الولايات المتحدة ستنظر بعين العطف لمقترحات شراء سعودي إضافي للسلاح (الأميركي) مقابل أن نتوقّع أن تقوم السعوديّة بتقديم مساعدات أكبر للأفغان (خصوصاً اللاجئين) والباكستانيّين» (ص. ٤٥٠). وناصر برجنسكي ووزير الدفاع شلسنجر في خطّة مواجهة السوفيات (بالاشتراك مع أنظمة الخليج) في منطقة الخليج والمحيط الهندي. لكن النجاح الأكبر الذي حقّقه برجسنكي كان في المبادرة إلى تشكيل حلف إسلامي-أميركي رجعي يستغلّ التورّط السوفياتي في أفغانستان (لدعم حكم يتفوّق بكل المعاييرعلى ما فرضته أميركا وبريطانيا من أنظمة في تلك المنطقة من قبل ومن بعد التورّط السوفياتي) لمحاربة الشيوعيّة بالإسلام. برجنسكي هو القابلة القانونيّة الرسميّة لولادة القاعدة و«طالبان».وتولّى برجنسكي إصلاح ذات البين بين باكستان والسعوديّة وترتيب مقايضة تحصل فيها باكستان على تسليح مُموّل من السعوديّة مقابل الحصول على مرتزقة باكستانيّين للدفاع عن السعوديّة (ص. ٤٤٩، من «القوّة والمبدأ»).

وواجهت إدارة كارتر الأزمة الإيرانيّة واندلاع الثورة فيها. وكانت وجهة نظر برجنسكي واضحة منذ البداية: أن على الحكومة الأميركيّة دعم استعمال القوّة من قبل الشاه للحفاظ على نظامه، مهما قتل من ضحايا مدنيّين، فيما كان موقف فانس معارضاً لذلك. وليس النقاش حول استعمال القوّة من قبل حليف أميركي ذا مضمون أخلاقي في واشنطن: بل هو ضمن السياسة الواقعيّة، والمناظرة في فعاليّة استعمال العنف ضد الناس وإذا كانت ستنجح في الحفاظ على النظام (دار نقاش مماثل في أوائل عام ٢٠١١ عندما طالبت وزيرة الخارجيّة ووزير الدفاع بضرورة استعمال القوّة من قبل نظام مبارك للحفاظ عليه، فيما رأى أوباما أن القوّة لن تستطيع أن تحافظ على نظامه — أي أن حياة الشعب المصري لم تكن في حسبان النقاش أبداً). وبعد احتلال السفارة الأميركيّة في طهران، حثّ برجنسكي كارتر على اللجوء إلى الخيار العسكري، ممّا أدّى إلى فشل التدخّل العسكري الأميركي في صحراء طبس.

ظلّ برجنسكي مُشاركاً من خلال كتبه ومحاضراته ومقالاته في النقاش الأميركي حول السياسة الخارجيّة. وهو دعم جورج بوش (الأب) ضد المرشّح الديموقراطي بيل كلينتون. لكنّه عارض الحرب الأميركيّة في العراق (من منظور تهديد الوضع الاستراتيجي للإمبراطوريّة الأميركيّة) وزادت انتقاداته عبر السنوات للوبي (الإسرائيلي) وللدور (الإسرائيلي) في الشرق الأوسط. وعندما اقترح مرّة أن تقوم القوّات الأميركيّة في العراق بإسقاط الطائرات (الاسرائيليّة) في حال قيامها بالهجوم على إيران، كال الصهاينة له الاتهامات بمعاداة السامية (فقط بسبب أصله البولوني الكاثوليكي).

من المحزن أن يستطيع رجل واحد في حياة واحدة أن يؤثّر بأفكاره ومواقفه على حياة ملايين من البشر في قارّات تبعد عنه آلاف الأميال. طبعاً، الإمبراطوريّة الأميركيّة أكبر من نفوذ رجل واحد أو امرأة واحدة، لكن يستطيع مسؤول واحد ذو خصائص فكريّة وأيديولوجيّة معيّنة أن يمعن في زيادة منسوب البؤس والشقاء في حياة ملايين من العرب والمسلمين. ويستطيع «المثقّف» عندما يقترب من صنع القرار أن يجري اختبارات في حياة الناس من مكتبه المريح في البيت الأبيض. أما أن تؤدّي تلك الأفكار إلى خلق حركات رجعيّة إرهابيّة مُسلّحة، فهذا ما لا يدخل في الحكم على الشخص وإرثه الفكري هنا. بالنسبة لهم لا لنا: هو حطّم بكتبه ومذكّراته الرسميّة إلى جيمي كارتر أسطورة الاتحاد السوفياتي. لكن في المقابل، استطاع صبية في لبنان في الثمانينيات وفي العراق في الألفيّة طرد القوّات الأميركيّة. ليس النفوذ والقوّة حكراً على مثقّفي البيت الأبيض.

* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:

angryarab.blogspot.com

 

 السبت ٣ حزيران ٢٠١٧