ثقافة وفن

قصة قصيرة وبكى الجدار – د.سناء الشعلان

 

وُلدا في يوم واحد،كان يوماً فلسطينيّاً حزيناً يعجّ بالخوف والظّلم والقسوة والحرمان،كان يوماً ماطراً من مُزن السّماء ومن عيون المآقي،وكان العمّ نور محمولاً حينئذٍ على محفّة خشبيّة قديمة ملفوفاً بالعلم الفلسطينيّ،ومشيّعاً بترنيمة الخلود:”الله أكبر”.

في طريقه إلى مثواه الأخير في بطن ثرى أمّه فلسطين،كانت الزّغاريد في انتظارهما لا ترحيباً بهما،بل وداعاً لعمّها البطل المغوار.كانا فتى وفتاة،من لحظاتهما الأولى في الحياة حملا الاسم نفسه،ففي خلاف عاجل بين والديهما المتنازعين على وهب اسم شقيقهما الشّهيد لأحد المولودين الجديدين،قرّرا أن يكون اسم كلّ منهما نوراً نزولاً عند اقتراح أمّهما الجدّة التي أرادت أن تحسم الخلاف بحلّ توفيقيّ مرضٍ لابنيها في آن.

لم يفترقا أبداً منذ وُلدا لا في نهارٍ ولا في ليل،يأكلان ويشربان ويستيقظان وينامان في لحظة واحدة كتوأمين متحابّين،كلّ من رآهما ظنّ أنّهما وليدا رحم واحد،قليل من كان يعرف أنّهما أبناء عمّ،وأقلّ منهم من يستطيعون أن يجزموا إن كانا صبيين أم فتاتين أم صبيّ وفتاة؛لأنّ الجدّة اعتادت على الرّغم من احتجاج أميهما على أن تلبسهما ملابس متشابه أكانت بزّات ولاديّة أم أثواب بناتيّة وفق المتيسّر عندها من خوالف ملابس باقي الحفدة،وكان يسعدها أن تراهما يكادان يطيران فرحاً بملابسهما المتشابه الموروثة الرّثة الفاقدة للونها الأصليّ الزّاهي بفعل التّقادم وطوال الاستهلاك.

كلما صاح أحدهما باسم نور،طارا كلاهما إليه مبتسمين بخبث طفوليّ مشاكس يصمّم على أن يكونا شريكين في كلّ شيء حتى في تلبية صوت الدّاعي،ما كانا ليقبلا بأن يفترقا أبداً مهما كانت الأسباب،ولكنّ المرض وحده هو من فرّق بينهما؛الجدّة أخذت حفيدتها نور إلى الطّبيب في البلدة المجاورة لقريتهم،يومها وعدت حفيدها الباكي نور بأن تعود بحفيدتها نور في ظرف ساعات قليلة بعد أن تعرضها على الطّبيب المختصّ،ولكنّها لم تبرّ بوعدها مكرهة لأنّ مرض نور ألزمها البقاء في مستشفى البلدة لأيام أُخر.

أضرب نور عن الطّعام في انتظار عودة ابنة عمّه نور،ولولا تهديد والده له بعدم عودة نور إن لم يأكل لقضى نحبه جوعاً،ومعدته الصّغيرة وجسده الهزيل أضعف من أن يحتملا الجوع لساعات فضلاً عن أيام.

طال انتظار نور لعودة ابنة عمّه نور،وما عاد أحد قادراً على أن يجيب عن سؤاله الحائر المفجّع:”متى تعود نور إلى البيت؟” فالكلّ كان في انشغال وهمّ بسبب ذلك الجدار الإسمنتيّ الأصمّ الذي زُرع حول قريتهم على غفلة بين ليلة وضحاها بخرسانة جاهزة تثبّت في الأرض تثبيتاً سريعاً في ساعات قليلة،وتغوّل حتى وصل إلى عنان السّماء حاجباً خلفه الشّمس وجدّته ونوراً،بصعوبة استطاعت سنواته السّبع أن تستوعب أنّ جدّته ونوراً مسجونتان خلف الجدار الصّلد العاتي،وأنّه من الصّعب إن لم يكن من المستحيل أن يُسمح لهما بعبور بوابة الجدار للعودة إلى قريتهما،ولكنّه أبداً لم يسلّم إلى هذا الحكم الجائر الذي يحرمه من أثيرته نور.

وعلا الجدار أكثر وأكثر،ومضت الأيام الطّوال ببطء قاتل،والجدّة ونور مسجونتان خلف الجدار،وهولا ينفكّ يذهب كلّ صباح إلى الجدار يلازمه بالحدّ الذي يُسمح له به الجنود الصّهاينة الذين لا يمكن أن يفهموا معنى أن ينتظر أثيرته نوراً دون فتور أو كلل أو ابتعاد.كثيراً ما كان يصرخ باسم نور؛لعلّها تكون قريبة من الجدار،فتردّ عليه،وعندما كان يعييه صمتها كان يضرب الجدار بحجر،ويولّي هارباً من الجنود الذي يصلونه بتوعداتهم وسبابهم البذيء الخليط من العربية الرّكيكة والعبريّة والكلمات الانفعاليّة المضطربة اللّفظ والمعنى،ثم يهرب بعيداً ليعود من جديد في أقرب وقت ليستأنف نداءه لنور دون مجيب أو رحيم بحاله.

كثيراً ما حمله أبوه بحزم حنون بعيداً عن الجدار،وهو يعضّ على حزنه وانتظاره لأمّه المسجونة خلف الجدار،منكوداً بعجزه وقلّة حيلته،متسلّحاً بجملة واحدة لا تتغيّر،وهي:”ستعود  جدّتك ونور في القريب العاجل إنّ شاء الله”.فإن ألحّ نور على معرفة وقت عودتهما بالتّحديد انخرط أبوه في بكاء صامت مخنوق يبّلل لحيته،فيكفّ نور عن إلحاحه رحمة منه بأبيه الباكي المحزون.

 عرف نور أنّ جدته وابنة عمّه نوراً تعيشان في بيت قريب لهما في البلدة خلف الجدار،وعلم أنّ صحّة نور في تحسّن،ولكنّه لم يستطع أن يفارق أمله في أن يسمع صوتها يرّد على ندائه اليوميّ من خلف الجدار،وفكّر في أن يلفت نظرها بإطلاق طائرته الورقّية إلى أعلى الجدار،لعلّها تطاوله أو تعلوه،فتراها نور،وتعرف أنّه في أقرب نقطة ممكنة منها،وكاد ينجح في خطّته التي كلّفته الكثير من الجهد والخيوط المستعارة من أبناء حيّه،لكن الجنود الصّهاينة صادروا طائرته في أوّل تحليقة لها،وأعدموها هناك في حجرة المراقبة المنتصبة فوق بوابة الجدار،وهكذا فقد أمله الأخير في التّواصل مع أثيرته الصّغيرة نور.

 صمّم على أن لا يفارق الجدار دون أن يعود بنوره،واعتكف إلى جانبه لأيام شتويّة باردة،فشلت محاولات الأسرة كلّها في إعادته إلى البيت،وكان يمضي وقته هارباً من ناحية إلى ناحية كي لا تتلقّفه أيدي المصّممين على إعادته إلى بيته ضنّاً به على هذا العذاب الموصول في انتظار ابنة عمّه نور التي لن تعود مهما كابد من عناء البرد والعراء والجوع والضّنك والانتظار المعذّب.

وحده الجدار من كان يعرف أين يختبئ نور من مطارديه من أسرته حتى يقفلوا راجعين خائبين من حيث أتوا دون أن يعودوا به على كره منه،وكم كاد يتمنّى من أعماقه الإسمنتيّة الصّلدة القاسية لو يستطيع أن يملك نطقاً ليوصل سلام نور المشتاق إلى الصّغيرة نور التي تنتظره على الجهة الأخرى منه رافضة أن تعود مع جدتها إلى بيت الأقارب هرباً من هذه اللّيلة الباردة.

وعندما كان يغلبه ضعفه كان يحاول دون جدوى أن يصدّ بمنكبيه تلك السّحب السّوداء التي تنذر بليلة ماطرة باردة،لكنّ السّحابة تطاولت عليه،واستهانت بمنكبيه العملاقين،وغشيت المكان ضدّ رغبته،وهيمنت على السّماء مزبدة مرعدة،فارتدّ الجدار إلى نفسه مخزيّاً خجلاً من قسوته على قلبي طفلين لا يريدان من الحياة إلاّ أن يلتقيا.

المطر ألجم المكان بالصّمت والعجز،وأغرقه في دفعات ضخمة من شآبيبه،وما انجلى إلاّ في الصّباح وقد غسل كلّ شيء بطهره البلّوريّ البارد،وهناك كان الجدار يبكي بحرقة على طفلين صغيرين كلّ منهما يحمل اسم نور،وهو يغشاهما بظلّه اللّئيم الأسود القابض وكلّ منهما ميّت مسجّى على ناحية مختلفة من جسده الصّلد البارد.

حزن الجدار على الطّفلين المتغالين حزناً وحسرة لأنّه حرم أحدهما من الآخر بجريمة أنّهما فلسطينيين،لم يستطع الجدار أن يمدّ كفيه ليلتقط هذين الجسدين الهزيلين الصّغيرين كي لا ينجسهما بخطيئته تجاههما،وفي لحظة غضب شعواء منه شرع يهتزّ في مكانه،خالعاً كلّ ما عليه من غرف ومكامن ومراقب وجنود وبوّابات،مستسلماً للدّك والتّهاوي تكفيراً عن ذنبه الأسود،ومنداحاً في دموعه الإسمنتيّة وفي أحزانه وندمه على قتل الصّغيرين العاشقين بتجبرٍ وبطش دون رحمة.

 

 

د.سناء الشعلان/ الأردن

أديبة أردنية من أصول فلسطينية

selenapollo@hotmail.com