الأرشيفعربي وعالمي

28أيلول سواد ممتد لولا… – رشاد أبوشاور

28 أيلول..يوم متكرر لا يمكن أن يُنسى، وهو ليس مجرّد أيام في الأيام، فهو تاريخ تكرر ودمّر أحلام أُمّة وخسّرها، وأسال دما كثيرا بأيدي الأعداء من صهاينة وأمريكان وعملاء.وسرق منها زمنا ممتدا لعقود، بل وذهب بخساراتها للمستقبل القريب الراهن..والبعيد، ومكن الأعداء من سرقة أرضها، وثرواتها، وراهن ومستقبل أجيالها لولا..المقاومة التي انبثقت في حياتها رغم الظلام.
28أيلول 1961:
عندما هبطت من باص جوبر في ساحة المرجة دهشت من تردد كلمة: إنقلاب..ولم استوعب ما سمعت، ثم صعدت في الشارع المؤدي إلى مدرستي قرب الإذاعة السوريّة فرأيت ناقلات الجنود ب ت ر وفيها جنود واجمين عند مدخل الإذاعة الضيّق، وناسا يتفرجون بذهول وبلا ردود فعل..ماذا أرى؟!
إنقلاب!
ثُم انفراج ..وإعلان عن تفاهم، بحسب البيان رقم 9 و..الفرحة لم تتم، فقد أعلن الإنقلابيون عن فشل الحوار مع الرئيس جمال عبد الناصر..وأنهم سيواصلون انقلابهم، و..قالوا كلاما كبيرا عن الوطن والحريّة والسيادة و..الكرامة!
عند مقهى الحجاز التقيت بتيسير السبول الشاعر الأردني الذي كان في جامعة دمشق يدرس الحقوق، وهاني الراهب الروائي الشاب وكان يدرس اللغة الإنقليزية في نفس الجامعة، وكنت تعرفت بهما في بيت صديقي الشاعر فواز عيد..وكانا في حالة ذهول.
بادرني تيسير: هيا بنا إلى نادي فلسطين الثقافي، وهو يقع خلف مقهى الحجاز، غير بعيد، وأضاف: ألن نجد عندهم سلاحا؟ و..لم أعرف بماذا أجيبه، وغذذنا الخطى..ووصلنا فإذا باب النادي مغلق…
التففنا حول مقهى الحجاز، وأخذ تيسير يفرك صدره عاجزا عن التنفس، أمّا هاني الراهب فبقي ذاهلاً..ثم افترقنا.
لم أذهب إلى المدرسة الواقعة خلف البريد الآلي، ومشيت محبطا إلى مبنى البرلمان، وهناك كانت حاملات جنود تحمل جنود حرس حدود يرتدون فروات وكوفيّات بدو.
اقتربت أنا وبعض المتجمعين قبالة مبنى البرلمان من ناقلات الجنود فلم يبدوا اهتماما بنا، ولم يطلبوا منا الابتعاد عنهم..ولم يردّوا على اسئلتنا لهم عن سبب وجودهم بأسلحتهم أمام البرلمان، ولماذا تركوا مواقعهم وزحفوا إلى دمشق.
ثم ماذا حدث؟
لقد انتهت الوحدة بين سورية ومصر، وتلاشت الأغنية:
وحدة ما يغلبها غلاّب
تباركها وحدة أحباب
وفي ذلك اليوم لم تجد الوحدة جماهيرا تدافع عنها…
وقيل بعد سنوات، عند وقوع نكبة حزيران 67: من الإنفصال بدأت هزيمة حزيران! ..واكتمل ضياع فلسطين كلها، والجولان،وصحراء سيناء..ووقف اليهود على ضفّة قناة السويس..بل وهددوا القاهرة..ومدن قناة السويس.
وحدد بعض أبناء جيلي خيارهم: لقد انتهت الوحدة و..الرهان عليها، وضاع شعار: الوحدة طريق تحرير فلسطين، وليس لنا من خيار سوى الاعتماد على أنفسنا..ومع أهلنا في سورية، بعد أن استيقظوا على هول ما وقع اندفعنا لمقاومة الانفصال..وسقط حُكم الانفصال بعد حوالي سنة ونصف..ولكن وحدة مصر وسورية لم تعد..ضيعتها الانقلابات، والصراعات..والشعارات الجوفاء المُضللة!
28 أيلول1970
أيقظني بكاء امرأة،
كانت تندب وهي تنحني على المكنسة القشيّة. انقبض قلبي، وسألتها متوقعا نبأ سيئا لأننا كنا في أيام أيلول الموت والاقتتال، وكنت في مخيم الحسين.
-ماذا حدث يا أم عزّو؟
حاولت أن تستنهض بدنها الضئيل واضعة يدها على ظهرها لتسنده:
-انكسرنا يا أخي..مااات جمال عبد الناصر!
منذ ذلك اليوم وأنا استعيد عبارة تلك المرأة التي استضافتني لأرتاح وقد رأتني أنام على التراب في الشارع من شدّة التعب والنعاس: إنكسرنا يا أخوي…
نعم لقد كان موت جمال عبد الناصر انكسارا لأمة، وهو يبذل آخر طاقات بدنه لإيقاف مذبحة أيلول في الأردن، فهو كان معنيا معنيا بإيقاف الاقتتال في الأردن، لمواصلة الإعداد للمعركة مع عدو بهدل الأمة وأذلها..وكسرها في هزيمة ثانية كبيرة فادحة فاضحة..فانكسر قلبه..و..دخلت مصر و..أمة العرب في متاهة ندفع ثمنها حتى يومنا هذا بسبب افّاق مارق، هو أنور السادات، أدخلنا في زمن أمريكي صهيوني وصفه بزمن الانفتاح..فكان زمن غلق أبواب وشبابيك الأمل أمام أجيال عربيّة…
واأسفاه!
لقد دفعت أمتنا أثمانا باهظة منذ أيلول 1961و..1970و..حتى يومنا هذا.
مُزٌق الأمل المستند لقوة قطرين وحدتهما هزمت الصليبيين الفرنجة..والتتار..وحررت المشرق وقلبه فلسطين، وكان الأمل بوحدة مصر وسورية أن تنطلق نهضة الأمة وقوتها من دولة الوحدة بين الجناحين سورية ومصر لتحرير جديد مُجدّد لنهوض أمّة ومجدها، ولكن…
وجاءت مأساة غياب القائد العربي الكبير المقاوم جمال عبد الناصر و..اختطاف المارق السادات لمصر، وتدشين حقبة التبعية لأمريكا ومعانقة بيغن والصهاينة وإدارة الظهر لفلسطين والعروبة…

ولكن أمتنا لم تنكسر، بل انتفضت، ومن بين صفوفها انطلق الزمن الفدائي المقاوم المتصاعد، وها نحن نرى أبطال فلسطين يجددون المقاومة، ويبدعون في تجديد أساليبها، ويلحقون العار بالمطبعين البائعين التابعين..فشعب فلسطين العربي الأصيل خميرة وملح العروبة لا ينضب نبع مقاومته وبطولته..وها هي المقاومة تبلغ من القوة أن تجعل الكيان الصهيوني يرتجف من تهديدات جديّة يطلقها قائد المقاومة السيّد حسن نصر الله..وهم يستذكرون بطولات هذه المقاومة في جولات لا ينسونها وهم ذاقوا الهزيمة في حرب تموز 2006…
نعم نحن نستذكر الهزائم والنكبات التي وقعت فيها أمتنا، و..لكننا لم ننكسر..وقد انجبنا في الميادين أجيالاً لا تعرف الهزيمة، وليست قابلة للانكسار،وهي التي يخترق واحدها مواقع العدو الصهيوني الذي غرّته الانتصارات السهلة، كانتصار حزيران 67، فصدمته هزيمته في تموز 2006…
انتهى زمن الهزائم..نعم، كما تقول أفعال المقاومة..والرعب الذي يبعثه أبطالها بأفعالهم المُعجزة في أوصال عدو بات يعرف بأن زمن الانتصارات السهلة قد ولّى..وأنه يجابه ببطولات تصيبه بالرعب واليأس في زمن المقاومة التي يخترق أبطالها أعتى الجدران بملعقة..ويقتحمون تل أبيب فرادا نيابة عن أمة و..من أجل تحرير فلسطين العربيّة الواحدة الكاملة.
اللعنة على الإتفصال والإتفصاليين وورثتهم المطبعين التابعين المرتمين تحت أقدام الصهاينة أعداء الأمة…
لروح جمال عبد الناصر الذي رفض الهزيمة، وأعاد مع ابطال مصر بناء جيش العبور فاقتحمت كتائبهم قناة السويس وسيناء..وحققت انتصارا تاريخيا فرّط به السادات وباع كل شئ لأمريكا لقاء أوهام (مجد) شخصي ضيّع من أجله مجد وطن وأمة وبطولات شهداء.
28 أيلول الإنفصال، و28 أيلول رحيل ناصر..يعودان من جديد، والجزء الحي في أمتنا ينتفض ويقاوم..وستبقى وحدة الأمة هي الخلاص..ومقاومتها هي وسيلتها للخلاص من كل أعداء الأمة..أمّا الأيلولات فستكون ذكريات سيئة لكبوات في حياة الأمة..والأمم الحية تقع ولكنها بفضل أبطالها وشعوبها الحيّة تنهض..تنهض ولا تموت.