الأرشيفثقافة وفن

شاهدت بالأمس فيلم ذيب الاردني وهذه هي انطباعاتي عنه: مهند النابلسي

http://assafir.com/Medias/Photos/2014/800x600/574baacc-c01c-4c8b-a80b-5754efae864e.jpg

“ويسترن بدوي لافت وواقعية فولوكلورية ومشاهد آخاذة”!

الفيلم رائع، ويتضمن مشاهد آخاذة للصحراء الاردنية ووادي رم…وقد تأثر المخرج كثيرا بسيرجو ليوني بتحفته الخالدة “من اجل حفنة دولارات” وخاصة بالمشاهد البرية والنار الموقدة…والتصوير المقرب للذباب الذي يغطي الجثث ولا يعفي الأحياء والخبز الجاف ويكاد يصبح “ويسترن عربي صحراوي” فريد بموسيقى معبرة، كذلك أبدع المخرج (ناجي ابونوار) بتصوير لقطات معبرة قريبة ونادرة للابل والجمال بحالاتها وحركاتها المختلفة وطريقة أكلها، مصدرة الأصوات وكانها تؤدي دورا وتتماهى مع الأحداث والرجال… كما تأثر بوضوح بمنهجية ديفد لين المميزة بتحفته الخالدة “لورنس العرب”،

واقتبس لقطات منها تقربهم من الانجليزي ومساعدتهم له بحمل المرآة أثناء الحلاقة، والتركيز المبالغ على جرأة الانجليزي عندما يعلمون بأنهم ذبحوا رجالهم وألقوهم ببئر الماء “الروماني”، والجمل المعبرةالتي تنساب بتلقائية وعصبية من فم الانجليزي قبل مقتله في كمين مدبر: أتعرفون مامعنى دولة…وأنتم لا تفهمون معنى “المهمات”…انها امور تقاتل من اجلها الشعوب! هكذا يستدرك هذا الانجليزي معاني الوطنية والشجاعة وانجاز المهمات التي لا يحفل بها البدو في ذلك الزمان (العقد الثاني من القرن العشرين)، حيث تركز همومهم على الجمال والكلأ والمراعي وأبار المياه والغزو المتبادل وارواء العطش الصحراوي القاتل ولا شيء آخر، ويبدو وكأن هذا الانجليزي الغريب هو الذي يعلمهم الوطنية ضمن التنافس الاستعماري الضاري بين الأتراك والعثمانيين فبيل تفكك الامبرطورية الغثمانية! وان كان تمثيل الانجليزي (جاك فوكس) ضعيفا وغامضا مقارنة مع الأداء الرائع للشخصيات الرئيسية (مرجي عودة، حسين سلامة وحسن مطلق)، باقي الكومبارس “البدو” كانوا بحاجة حقا لتدريب أكثر، أبدع الفتى ذيب باداء دوره وكان مقنعا وتفوق على اداء شقيقه المفترض حسين (وهما أبناء الشيخ الراحل”ابو محمود” المعروف بجرأته وشجاعته حسب الرواية: “فالذيب لا يلد الا ذيبا”!)،

كذلك تفوق قاطع الطريق البدوي بدوره الطويل بالجزء الأخير للشريط، وكذلك الممثل الذي أدى دور قائد الحامية التركية، يؤخذ على الفيلم بطء الايقاع وضعف الانسياب بالسيناريو، وانغماسهالمفرط والمبالغ به بالتفاصيل مما احدث تشتتا بالتركيز وأضعف التشويق، وان كان تفوق بالمقابل بواقعية المشاهد الصحراوية واظهار قسوة الظروف، بحيث شعرنا وكأنا أصبحنا جزءا من الأحداث، وادخلنا لحياة البدو والصحراء وتقاليد اكرام الضيف والذيبحة وأكل المنسف، وباسلوب واقعي جذاب… كما ان العنف كان ضمن السياق وليس مجانيا وبلا حذلقات ومؤثرات، فحتى أثناء هجوم قطاع الطرق عليهم، لم تسد رغبةالقتل المجاني العابث كما نشاهدعادة بأفلام الويسترن، فالكابوي البدوي لا يقتل الا لهدف: سلموا تسلموا، فنحن نريد ابلكما! المشاهد الأخيرة بالفيلم كانت رائعة وفكت ألغاز القصة بايجاز سينمائي بليغ، فبعد ان ينجو ذيب من القتل ويخرج بحذر من بئر الماء الذي اختبأ داخله (كما نصحه اخوه قبل مقتله: اذا حدث لي شيء، عزز نفسك قرب الماء!)، نراه يهيم على وجهه حتى يلقى فارسا ملقيا على حصان بلقطة سينمائية مدهشة، ليتبين أنه أخر الناجين من العصابة التي هاجمتهم، ويخاف أن يقتله، فيما يتمكن قاطع الطريق من اخذ المسدس، ويحذره “لأنك أرنب مالك حيلة، سأترك الوحوش لتأكلك”…ثم يلاطفه قائلا لا تخوني، ويطلب منه “الاخوة” وأن يخرج الطلقة من ساقه وأن يطهر الجرح بنار “الشبرية الحمراء”، ثم يغمى عليه كما بأفلام الويسترن، ويبدو انهما قد تصادقا بوحدة المصير وبؤس المعاناة، فنراه يشرح لذيب لاحقا مغزى سكة الحديد ويسميها: درب حمار…وعندما يواجه بثوار عرب ويسألونه ان شاهد الانجليزي، يسألهم باستهبال: ما هو الانجليزي! وينصحونه بتجنب سكة الحديد “لأن الليلة عندنا سالفة مع العثمانيين”!

كما يتحدث لذيب “الذي لم يشاهد البحر يوما” عن خبراته بالسفر والترحال (كدليل حجاج سابق): أنا رأيت اثنين البحر الأحمر وبحر فلسطين، كما رحت للقدس والشام ويغداد والمدينة المنورة…ثم يندب الحظ والقدر والظروف: هم أوقفونا …فقد كنا ندل الحجاج، ثم جاء القطار الحديدي، فأصبحنا بغمامة سوداء ، بلا رزق ولا تجارة، ولا أخ يرزق اخوه! وكأنه يبرر تحوله “لقاطع طريق” كوسيلة للرزق والحياة…ويتذكر ذيب بمرارة مقولة شقيقه المقتول: القوي بياكل الضعيف…

وبالمشاهد الأخيرة نرى الجثث ملقاة حول سكة الحديد وبمدخل الحامية التركية، ونراه يدخل بثقة الحامية فيما يطلب من ذيب ان يبقى مع الجمل خارجا، ولكن الفتى العنيد الجرىء لا يرضخ فيدخل خلسة لنشاهد الملازم التركي ينهي حلاقته لذقنه، ثم يسمح لقاطع الطريق بعرض بضاعته التي تتمثل بمقتنيات الانجليوي من ساعة وولاعة وأهمها صندوق غامض كان ذيب يحاول دوما معرفة سره بالرغم من حرص الانجليزي الشديد عليه، ليتبين أنه عبارة عن جهاز تفجير، وبعطي التركي النقود لقاطع الطريق، فيما يرفض ذيب قطعة نقدية…وفيما نسمع هدير القطار على سكةالحديد يخرج “ذيب” حانقا متربصا لقاطع الطريق ويرديه قتيلا بمسدس الانجليزي الذي صادره، وقد شد على نفسه برباطة جأش لا تناسب عمره، وفيما نشاهد الضابط وجنود الحامية يوجهون السلاح باتجاهه، نسمعه يبرر فعلته المفاجأة: “لقد قتل شقيقي حسين”، فيدعه الملازم ليعود راكبا الجمل لدياره

.. هذه المشاهد تحديدا تم اخراجها بنفس تشويقي متسارع وكأنها تعوض عن يطء الايقاع والتشتت المشهدي طوال احداث الفيلم. واكب الفيلم موسيقى تصويرية معبرة وذات دلالة وتحوي نفسا فولوكلوريا جذابا، كما يستهل الفيلم بأبيات من الشعر البدوي المعبر: …يغوص البحر الأحمر، فلا يلحق مداه، والبحر يا ذيب، لا يخيب له رجاه…كلهم ما يتعقبونك والمنايا حاصلة…!

مهند النابلسي

 ناقد وباحث سينمائي

http://ar.ammannet.net/wp-content/plugins/magic-fields/thirdparty/phpthumb/phpThumb.php?src=http://ar.ammannet.net/wp-content/files_mf/1414315016theeb_jacireidastheebhusseinsalamehashussein_final2.jpg&w=630&h=365&iar=1http://www.alaraby.co.uk/file/get/7b09b53c-7c5e-4a38-b9ab-3c4b52cc9f56

اترك تعليقاً