الجريح سابقاً والشهيد لاحقاً.. غسان كايد – نضال حمد

الجريح سابقاً والشهيد لاحقاً.. غسان كايد – نضال حمد

لكي أكتب عن الشهيد غسان كايد لا بد أن تعود بي الأيام الى مخيم عين الحلوة ولبنان في الثمانينيات من القرن الفائت، الى عصر ثورة في عصر الفهود وثورة في عصر القرود.. إذ كانت الثورة تضم الفهود جنباً الى جنب مع القرود. ولكي أتذكر الفهد الشرس غسان كايد يجب علي أن أعود الى الذكريات في مواقع “ج ت ف” بالجنوب اللبناني، حيث كان يخدم ويعمل ويناضل المناضل الفلسطيني، إبن لوبية في فلسطين المحتلة ومخيم عين الحلوة في الشتات، الجريج سابقاً ثم الشهيد لاحقاً، غسان كايد. فهناك في الجنوب اللبناني، على سفوح قلعة الشقيف وفي منطقتي العيشية والجرمق.. وفي النبطية واقليم التفاح وفي مخيمنا عين الحلوة وفيومدينة صيدا بالذات تعرفت الى غسان كايد… ومنذ اللقاء الأول أحببته وأحببت وضوحه وصراحته وجرأته وشجاعته. كان التعارف الأول في مخيم عين الحلوة بمقر تابع لجبهة التحرير الفلسطينية، كان ذلك المقر ملاصقاً لسوق الخضار، بجوار منازل آل سرية وآل عيسى.. هناك كان غسان كثير الحضور والالتزام والانضباط حيث كان كادراً في الجبهة.

كان غسان كايد صاحب شخصية شديدة الصرامة بالرغم من أن روحه مرحة وتملكته الدعابة والنكتة. كما كان انسانا متعلماً ومثقفاً وقارئاً قرأ وطالع الكثير من المؤلفات والكتب. وكان يحث رفاقه على جعل الكتاب مثل البندقية خير جليس في القواعد والمواقع. لايمانه المطلق بأن البندقية المسيّسة والملتزمة، التي تعرف هدفها، سوف لن تظل الطريق، وسوف تحافظ على طهارتها وقدسيتها. فالمواقف الثورية تنبع من فوهة البندقية، ولا رصاصة تصيب العدو إذ لم تكن رصاصة أطلقها مناضل يعرف عدوه، ويفرق بين الصديق والعدو. فمعسكر الأعداء واضح ومعسكر الأصدقاء معروف. وغسان كايد الفدائي الطليعي كان يثقف رفاقه المقاتلين على هذا الأساس.

الشهيد شربل البني

عاني غسان من إصابة في ساقه جعلته عاجزاً عن السير بدون استخدام للعكازة. لذا أذكره بعد أن عرفته شاباً قوياً، صلباً، مقداماً، وأذكر اصابته في ساقه برصاصة انطلقت عن طريق الخطأ من بندقية أحد الرفاق. ومنذ ذلك الوقت أصبح غسان كايد نصف معوق جسدياً، حيث تفاقمت آثار الاصابة وأخذ يستخدم عكازاً في تحركاته. لازمته العكازة الى أن استشهد مع رفيقيه الشهيدين فهد البني – شربل – ونظمي فايز المجذوب، في غارة للطيران الصهيوني استهدفت موقع لجبهة التحرير الفلسطينية في البقاع، في النصف الأول من شهر أيلول – سبتمبر 1982. دفن الشهداء الثلاثة بمقبرة الشهداء في مخيم اليرموك لتعذر دفنهم في مخيم عين الحلوة بسبب الاحتلال الصهيوني للمخيم. وفي ذلك الوقت نعاهما الرفيق طلعت يعقوب الأمين العام للجبهة، الشهيد فيما بعد.

في سنة 1980 أقدمت وحدة كوماندوز بحرية صهيونية على عملية انزال على شاطئ مدينة صيدا الجنوبية اللبنانية، استهدف العدو سيارة محمولة برشاش 14 ونصف تابعة لحركة فتح. استشهد من كانوا فيها من الفدائيين. في تلك الساعة الصعبة وحيث لم يجرأ أحد الاقتراب من الشاطئ تحسباً لوجود الكوماندوز هناك، كان أول الواصلين الى المكان غسان كايد وبرفقته المناضلين الرفيقين جمال حمد وعبد القادر السيد، فهؤلاء الثلاثة رفاق من ج ت ف، كانوا أول من وصل الى الرمل والشط حيث حصلت العملية. أذكر بهذه الحادثة وفاءا لغسان ولرفيقيه.

جبهة التحرير الفلسطينية

سنة 1982 وقبل الغزو الصهيوني للبنان صيف تلك السنة توجه الرفيق غسان كايد الى اليمن الجنوبي ليكون من منتسبي دورة حزبية سياسية كادرية هناك. لم تكل اقامة غسان في اليمن حيث عاد الى لبنان فور وقوع الغزو. وكانت في ذلك الوقت عوارض واثار اصابته في صيدا واضحة. فالاصابة بجراح أجبرته على الاستعانة اثناء السير بالعكازة، وبقيت تلك العكازة ملازمة له الى أن استشهدت برفقته. فقد كانت رفيقة دربه حياة وموتا. بعد اسبوع أو أكثر من استشهاده هو والرفيقين شربل ونظمي، دخل الصهاينة الى بيروت الغربية وارتكبوا سوية مع الفاشيين الانعزاليين اللبانيين مجزرة صبرا وشاتيلا، في ذلك الوقت كنت على جبهة القتال ومواجهتهما أعتزم الثأر للشهداء الثلاثة بالذات، الذين لم تكن دماءهم قد جفت بعد. أصبت ثاني ايام المعركة والمذبحة. بعد اصابتي ولغاية الآن لازالت عكازة مثل عكازة غسان الشهيدة، رفيقة دربي، التي لا استغني عنها، فقد أصبحت هي ساقي اليسرى، التي فقدتها كاملة نتيجة اصابة بقذيفة اطلقتها دبابة ميركفا صهيونية يوم 17-9-1982 في بيروت الغربية.

المجد والخلود للشهداء ولروح غسان كايد البطل، رفيق الدرب والمسيرة والمخيم والجبهة والنضال.

  • دفن الشهداء الثلاثة في مقبرة شهداء فلسطين بمخيم اليرموك قرب دمشق.

نضال حمد

* أمل ممن لديه صورة للشهيد غسان كايد أو للشهيدين شربل ونظمي أن يرسلهم لي مع الشكر الجزيل.

06-2-2021