الشهيد سهيل خريبي – نضال حمد

كلمات عن رفاقي ولبلدي
في المخيم ومنذ الصغر اختار كل واحد منا الدرب الذي سيسلكه عندما يكبر .. المفاجأة كانت أننا كلنا اخترنا وقبل أن نكبر أن نكون فدائيين. فأصبحنا نعود من المدرسة إلى بيوتنا، نأكل أي شيء، ونتوجه فيما بعد إلى المكاتب الفلسطينية أو الى معسكر الأشبال للتدرب مع الفدائيين. يومها كان الفدائي بالنسبة لنا نحن الصغار شيئاً غير عادي، أسطورة فوق العادة، ملاكاً يحمل فلسطين في بندقيته والمخيم في قلبه.
مرت السنوات وكبرنا بعدما قاتلنا معاً في عدة معارك ومواقع… وفي سنة سوداء، هُزمنا فتشتتنا في بلادٍ تمتد من المحيط إلى الخليج. لم يبق منا في المخيم إلا القلائل، فيما الكثيرين التهمتهم الحروب والمعارك، فناموا تحت الأرض، تحرس أرواحهم شواهد قبورهم ويحرسوننا من الانحدار والانحراف.
فيما بعد تبدلنا أو قُل معظمنا تبدل وتغير شكلاً وفكراً وممارسة. بعد عشرين سنة ونيف، في ندوة ببلد أجنبي التقيت بأحدهم وقد أصبح سفيراً في سلطة من وهم. سمعته يتحدث عن ضرورة التفاهم والحوار والتنازل عن بعض الحقوق لأجل السلام. لم أجادله .. لكنه بعدما انتهى من حديثه توجه نحوي، عانقني بحرارة، لم أحس بمعانقته، كانت غير تلك التي عرفتها في زمن النضال، لم أكن حميماً في معانقته ولم اشعر بسخونة في جسدي، إنما شعرت بقشعريرة تسري في بدني .. فتذكرت رفاقنا الذين لم يمتد بهم العمر ولم يهاجروا شتاتاً .. وبينما أنا شارد الذهن أتأمل وجوههم الغائبة .. بادرني بالسؤال عن رفاقنا .. قلت له: منهم من استشهد ومنهم من ينتظر لأنهم ما بدلوا تبديلا… ذهب السفير في سبيله، أما أنا فبقيت مكاني أنشد الأغنية التي حرص الشهيد سهيل على انشادها دائما:
“في البال أغنية
يا أخت
عن بلدي،
نامي… لأحفرها
وشماً
على جسدي”..


استشهد سهيل خريبي الفدائي ابن المنشية في فلسطين المحتلة وابن مخيم عين الحلوة، المناضل في صفوف “جبهة التحرير الفلسطينية” في العاشر من أيار ١٩٨٤ اثناء تنفيذه عملية فدائية ضد الاحتلال وعملائه في مخيم عين الحلوة. انفجرت الحقيبة التي كان يحملها وكانت تحتوي على متفجرات. انشطر جسده لشطرين. وفي هذا الصدد كتب الصديق المناضل الفلسطيني الكبير كمال خريبي شقيق الشهداء كامل وهدى وسهيل:
(أم صالح امرأة من مخيم عين الحلوة ولكنها كلما وجهت وجهها نحو الجنوب لا ترى الا منشية عكا. ابنها سهيل استشهد في عمليه ضد قوات الاحتلال أدت الى تقطيع جسده الى أشلاء. وعند حضور قوات الاحتلال وعملاءهم لمكان العملية لم يستطع العملاء أن يتعرفوا لمن تعود الجثة وشك أحدهم بأن صاحب الجثة ممكن أن يكون سهيل. ذهبوا وأحضروا أم صالح من البيت أروها أشلاء ابنها وسألوها هذا ابنك؟ نظرت الى أشلائه ولا أدري كيف استطاعت أن تستجمع كل ما في هذا الكون من رباطة الجأش وردت بثبات… “لأ مش ابني، ابني راح على بيروت من كم يوم. وتركتهم وعادت لمنزلها”
عندما اجتمعت بها بعد الانسحاب الصهيوني سألتها كيف استطاعت أن تتحمل الموقف
ولم أكن مستوعبا لماذا فعلت ذلك أجابت :
” يما مش أذا عرفوا مين هو بدهم يدوروا يضبوا الشباب الي كان يمشي معهم و مين بدو يقاتلهم بعدين”
كان ذلك أهم درس تعلمته في المقاومة حتى الآن).
توفيت أم صالح خريبي في لجوئها الأخير في اوسلو قبل سنوات عن عمر قارب ال 100 عام وعن ذاكرة حية لم يقتلها اللجوء والتشرد. بقيت ذاكرتها ثاقبة حتى أيام قليلة قبل وفاتها على أثر جلطة دماغية. وكانت موسوعة فلسطينية تتذكر كل شيء عن بلدتها منشية عكا وعن كل فلسطين.
على عهد الشهداء أوفياء دائماً.
.. نضال حمد 20-06-2009 تم التعديل يوم 18-1-2021