الأخبار

دولة “داعش” البصرية: رمال وصحراء وموت نيّء

دولة “داعش” البصرية: رمال وصحراء وموت نيّء

تمتاز مقاطع الفيديو والمشاهد التي يبثها تنظيم داعش بأنها على قدر كبير من التقنية والتوجيه لكنها بالرغم من ذلك، تبقى صورة ملطخة بغبار الصحراء حيث تدور أكثر معارك التنظيم. صورة تميل بلونها إلى سمرة التراب وسواد الراية واللثم وقحط المناخ والفكر.
يستخدم داعش التقنيات الحديثة لبث خطابه التكفيري (أ ف ب)
يستخدم داعش التقنيات الحديثة لبث خطابه التكفيري (أ ف ب)

الكاميرا تجول على علو مرتفع. ثبتت إلى جسم طائر وأخذت تدور. إنفرجت الصورة على مدى واسع تظهر من خلاله بيوت وأحياء تتناهى في الصغر. تهبط الكاميرا قليلاً. يتحرك في أسفل الصورة عناصر مسلحة فوق عرباتهم تعلو رؤوسهم راية “دولة الإسلام في العراق والشام”.

 

في اللحظة التي تنحدر فيها الكاميرا، وفي زاوية الصورة تحديداً، نعرف أن الصف الطويل من العربات والمسلحين هو في مدينة الفلوجة. عربات يوحي مشهدها وهي تصطف خلف بعضها البعض بأن أصحابها يتحضرون لفعل ما.

 

لا تلبث الكاميرا أن ترتفع مجدداً وتدور بسرعة. تغيب الرؤية وتعود الصورة فجأة إلى الوضوح مع مقاتل يرمي بقذيفة نحو هدف غير ظاهر.

 

المشاهد سينمائية. هذا ما يمكن لحظه في هذا الفيديو الترويجي وفي غيرها من المقاطع المصورة الكثيرة على قنوات يوتيوب التابعة أو المتعاطفة مع التنظيم الإرهابي. مشاهد تحاكي من حيث الأسلوب والتقنيات ما قد نعثر عليه بدون مواربة في أفلام هوليوود.  

 

لقد عمد “داعش” منذ إنطلاقته إلى استخدام الصورة الثابتة والمتحركة وتوظيفها على غير صعيد، وهنا تمكن خطورتها. أي في تحويله الصورة إلى دعوة وإستصراخ للسرديات المذهبية والتاريخية وإستنطاقها.

 

ولا يمكن بأي حال من الأحوال، اعتبار المواد التي يبثها “داعش” في عداد تلك التي تميل إلى كونها إخبارية، كما هي الحال مع تنظيمات وجماعات مسلحة سورية.

 

حيث إنه من السهل أن نصنف المواد التي تنشرها هذه الجماعات في خانة المواد الإنبائية أو التبليغية، ويتبين هذا من خلال رسالتها التي لا تتجاوز إخطار المعنيين بالحدث السوري بما يحصل في منطقة ما، وهي تشترك في إستخدام أصحابها لتقنيات “بدائية” – كاميرات الهواتف النقالة غالباً- فتخرج الصورة مبهمة ومهتزة.

 

لذلك تمتاز الصورة “الداعشية” بأنها على قدر كبير من الإتقان والتوجيه. من نقاوة الصور وتدبيجها، إلى اختيار الوقت المناسب لتطعيمها بمقتطفات موسيقية وخطابية وآيات قرآنية وكلمات لشيوخ وأفراد معتبرين لدى التنظيم. لكنها بالرغم من ذلك، تبقى صورة ملطخة بغبار الصحراء حيث تدور أكثر معارك التنظيم. صورة تميل بلونها إلى سمرة التراب وسواد الراية واللثم وقحط المناخ والفكر. 

 

 

تزاوج بين متضادين

 

بين نقاوة الصورة ودمويتها في آن (أ ف ب)
بين نقاوة الصورة ودمويتها في آن (أ ف ب)
تنم المقاطع المصورة الصادرة عن “داعش” عن تزاوج مضحك بين متضادين. بين بداوة ثقافية وبين تقنيات الحداثة. وتتجلى هذه البداوة في ذلك الخطاب الحاد والموجه إلى “الأعداء”. وهو خطاب لا يحتمل النقاش، فنجده حاسماً جازماً يمنح أتباعه شرعية القتل، ولا يتوقف عند هذا الحد فيحمل تهديداً صريحاً لــــ “الأعداء” بالإبادة. هذا ما يمكن العثور عليه في كلمة لأحد المشايخ المعتد بهم لدى التنظيم، وهي تتوسط الشاشة في فيديو إستخدمت كل تقنيات الحداثة لإعداده وترويجه، وذلك بعد إسدال الستار عن صور لأعمال قتل شنيعة وباردة.

هذه التقنيات تنسحب على نشاطات أخرى للتنظيم. ففي أحد المقاطع المصورة تأريخ لعملية لـــ “داعش” خاضها متنكراً بلباس الجيش العراقي ومستخدماً المناظير الليلية، وهو يعدم أحد شيوخ الصحوات في العراق. وفي فيديو آخر ينصب كميناً لمن يسميهم “عملاء الصفويين”، وكيفية التأكد من هويات الضحايا لم تكن عبر النظر إلى ورقة يحملها أحد عناصر التنظيم، بل عبر الدخول إلى حاسوب نقال حفظت عليه كل البيانات. وكذلك في فيديو قال التنظيم إنه لعراقيين أعلنوا توبتهم وبراءتهم من الحكومة في بغداد، حيث يقوم أحد أفراد التنظيم بإدخال أسماء التائبين إلى الحاسوب مع كافة المعلومات عنهم.

 

يحاول “داعش” تثبيت دولته بصرياً، مستنداً إلى “بطولات” عناصر التنظيم التي يروج لها بالقول إن أقدام هؤلاء ثابتة في أرض المعركة، فيما هم يمحقون “أعداء” الدين والمسلمين. ويعتمد التنظيم في توطيد كيانه البصري بالركون إلى سرديات مذهبية تمنحه شرعية العمل والبقاء والإستمرارية.

 

هذه السرديات كانت كفيلة بأن يقوم أتباعها بطقس تطهر جماعي من هوياتهم الوطنية. فنجد في أحد الفيديوهات ثلاثة عناصر من تنظيم “داعش” وهم يتوجهون إلى أناس يحيطون بهم بالتبرؤ من جنسياتهم، وقد أعملوا في جوازات سفرهم تمزيقاً ثم داسوها بأقدامهم. ولم يكتفوا بذلك فتوعدوا سلطات بلادهم بالعودة إلى ديارهم غانمين وحاملين راية “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، قبل أن يحولوا رموز هذه السلطات إلى اشلاء.

 

يجهد التنظيم مستخدماً سلاحه البصري في إطلاق الرسائل في غير إتجاه. رسائل تخدم إيديولوجيته وتضاهي في خطورتها الرعب المتأتي من عنف الصورة نفسه وإرهابها. إذ يعمل على مخاطبة من يمكن تسميتهم بـــــ أصحاب “الضمير الإسلامي والقومي العربي”، فيقول لهم من خلال صورة جرافة تزيل السواتر عند نقطة حدودية بين العراق وسوريا، إن هذه الحدود مصطنعة ومن فعل التقسيم الإستعماري للمنطقة وهذه البلاد هي بلاد المسلمين. وهو يستجدي بشكل مضمر أصحاب هذا الضمير للتعاطف معه ولاحقاً مؤازرته في “جهاده” لإقامة “دولته الإسلامية”.

 

يمكن الجزم بأن دولة “داعش” ستبقى قائمة بصرياً طالما أنها لا تزال قادرة على استيعاب التكنولوجيا وتطويعها، لكنها لن تتمكن من كشح غبار الصورة وترطيب إسلامها المتصحر.  

 

تنويه: لم نضمنّ بعض المقاطع المصورة لـــ “داعش” في النص نظراً لفظاعة مشاهدها وحرصاً منا على عدم إيذاء نفسية القراء.  

 

 

المصدر: الميادين نت

اترك تعليقاً