ثقافة وفن

رائدات عربيات : مي زيادة – أكرم عبيد

من اهم رواد النهضة الأدبية بداية القرن العشرين..!

مي زيادة من عام 1886 – 1941 .

ولدت مى زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين عام 1886 لأب لبناني ماروني وأم فلسطينية أرثوذكسية وقضت سنوات عمرها الأولى في مدارس داخلية في لبنان  ثم نزحت مع والدها ووالدتها إلى مصر في عام 1908  كان عمرها اثنين وعشرين عاماً  فتاة في ريعان الشباب  وظلت في مصر – التي كانت تعتبرها وطنها الأساسي- حتى توفيت في 18 تشرين الاول اكتوبر عام 1941 .


” مي ” هو الاسم المستعار الذي أطلقته عليها والدتها نسبة للفنانة كامبل النحاتة الفرنسية التي قامت والدة مي بتمثيل شخصيتها في مسرحية تم تعريبها وأطلق على بطلتها الاسم العربي  ” مي ” الذي اشتهرت به  في عالم الأدب والفكر والمعرفة اسمها الحقيقي ماري الياس زيادة ولدت في مدينة الناصرة في فلسطين عام 1886 لأب عربي لبناني ووالدة عربية فلسطينية تميزت في عالم الأدب وكانت من أشهر أديبات عصرها .

تلقت مي دروسها الابتدائية في مدينة الناصرة ثم انتقلت إلى لبنان لتستكمل دراستها الثانوية في عينطورة في مدرسة داخلية وكانت تتميز بالفطنة والذكاء وسرعة البداهة والذوق الرفيع لكنها تحب الوحدة ولانطواء في بداية حياتها .

وفي عام 1907 انتقلت العائلة لتستقر في القاهرة وعملت مي في تدريس اللغة الفرنسية والانكليزية واهتمت بالمطالعة والمزيد من التحصيل العلمي وتابعت دراسة اللغة الألمانية والاسبانية والايطالية وأتقنتها قراءة وكتابة ومحادثة وفهماً كما درست الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة في جامعة القاهرة ويقال أنها كانت تتحدث تسع لغات ولم يصرفها اهتمامها بالثقافات الأجنبية المتعددة عن عشق وطنها وطبيعته الخلابة ولاهتمام بثقافته وتاريخه ومصالحه الاجتماعية والأدبية فترجمت تلك العواطف الجياشة الرقيقة في كتاباتها لتتجاوز حدود الوطن على امتداد الشرق بمختلف نزعاته الوطنية والدينية .

ظاهرة أدبية.. لأنها كتبت بالفرنسية .. وترجمت عن الألمانية.. وعلمت نفسها اللغة العربية فقرأت القرآن والشريعة – رغم أنها مسيحية – وكتبت العربية بلغة هي مزيج فريد من كل اللغات التي أتقنتها وقرأت وكتبت بها.. ونستطيع أن نطلق عليها لغة مى أو مفردات وقاموس مى الخاص . فلأسلوبها هذه النكهة الخاصة جدا التي لا تجدها إلا في سطورها وصورها التعبيرية ومفرداتها.. ووصفها الدقيق للمشاعر الإنسانية التي تتميز به الآداب الأوربية.

كانت ظاهرة ثقافية لأن ثقافتها انفتحت على عدة لغات فقرأت بالفرنسية والألمانية والإيطالية والعربية .. وتنوعت قراءاتها في فروع الثقافة المختلفة :

فلسفة .. أدب .. شعر .. فن تشكيلي .. موسيقى .. تراث .. آثار .. قرأت مى في كل هذا .. وبكل اللغات..!


كما كانت ظاهرة إنسانية في الحياة مثالية ومفرطة في افتراض حسن نوايا تجاه البشر . وهي  وقد تميزت بنشأتها الدينية المتزمتة في مدارس الراهبات التي أورثتها التزاماً دينياً أخلاقياً صارماً .

 ولم تعرف تحرر العواطف كما عرفت تحرر الفكر والإبداع .


وفي الحقيقة من يستعرض مسيرتها يلمس انها لم تعش حياة كاملة أبداً بل عاشت دائماً نصف حياة .

 خافت وتخوفت من مشاعرها العاطفية من أن يجرها إلى الخطيئة وفي نفس الوقت لم تجد القلب الحقيقي الذي يحتضن مخاوفها ويضمها بصدق  وكان ذلك سبب كارثة حياتها.


تراثها الأدبي واهم إصدارتها :

كان من أهم إصداراتها عدة كتب تضمنت دراسات وأبحاث ودواوين شعرية بعدة لغات ومئات المقالات وكان باكورة إصداراتها ديوان شعري باللغة الفرنسية باسم ” أزاهير وحلم ” عام 1911 كما أصدرت الكتاب الأول الذي وقعته باسم مستعار ” ايزيس كوبيا ” ويتألف من مجموعة من الإشعار باللغة الفرنسية

وأصدرت عدة مؤلفات منها ” باحثة البادية عام 1920″ و ” كلمات وإشارات عام 1922″ وظلمات وأشعة عام 1923″ والمساواة عام 1923 ” بين المد والجزر عام 1924″ والصحائف والرسائل عام 1924″ بالإضافة ” لوردة اليازجي ” وعائشة تيمور ” والحب والعذاب ” ورجوع الموجة ” وابتسامات ودموع ” وغيرها كما أصدرت ثلاث روايات بعدة لغات ألمانية وفرنسية وانكليزية وترجمتها للعربية .

وفي القاهرة تعاملت مع كبار الكتاب والأدباء والشعراء والمفكرين والصحفيين بعدما تألق نجمها في كتابة المقالة الاجتماعية والأدبية والنقدية وأصبحت من أهم وأشهر أديبات عصرها والكاتبات والباحثات الموهوبات والخطيبات المفوهات في تلك المرحلة واهتمت بفن التصوير والموسيقى وحولت تجاربها في الحياة إلى قصص وروايات مستمدة من وحي الواقع  ومن أهم الصحف والمجلات التي نشرت مقالات وأبحاث مي زيادة كبريات الصحف المصرية مثل المحروسة والمقطم والهلال وغيرها .

تفردت الأدبية الكبيرة بإنشاء صالون أدبي أسبوعي وهي في ريعان الشباب بالرغم من انغلاق المجتمع المصري أمام المرأة التي انتصر لها قاسم أمين وأطلقت عليه اسم ” ندوة الثلاثاء ” وشكلت بذلك ظاهرة فريدة في التاريخ المعاصر وكانت الوجه الأخر لبنت المستكفي التي أسست ملتقى النوابغ .

و كان من ابرز روادها كبار الأدباء والمفكرين والشعراء والكتاب ومن أهمهم عباس محمود العقاد وطه حسين واحمد شوقي ويعقوب الصروف ومصطفى صادق الرفاعي وجبران خليل جبران وخليل مطران وشبلي شميل واحمد لطفي لسيد وغيرهم .

وقد شغف حبها معظم هؤلاء الادباء حباً روحياً الهم بعضهم اهم روائع كتاباته لكن قلبها ظل مأخوذا طوال حياتها بالكاتب والاديب اللبناني جبران خليل جبران بالرغم انهما لم يلتقيا في حياتهما ولو لمرة واحدة وكان الحب عبر المراسلة الذي استمر لمدة عشرين عاما من حياتهما من عام 1911 حتى وفاة الاديب جبران في نيويورك الامريكية عام 1931 .

وبدأت أحزان “مي زيادة” في 24/10/1930 بعدما توفى والدها بداء عضال وصراع مع المرض زاد من لهيبه ما كابد من شركائه في قطعة أرض في لبنان ولم يستطع أن يستخلصها لوحيدته فرحل وتركها مشكلة معقدة منغصة لحياة مي زيادة .

وفى 10/4/1931 توفى جبران خليل جبران رفيق طموحاتها في امريكا قبل الوفاء بوعده لمي في أن يلقاها وجها لوجه في لبنان وفى 3/5/1931 توفيت والدتها ففقدت الحنان والعطف وعانت اضطرابات نفسية وعاشت في وحدة رهيبة .

وفي الحقيقة كان قدرها أن تصاحب الوحدة منذ طفولتها المبكرة .. ثم في نهايات أيامها المأساوية .

 وبينهما عاشت سنوات المجد والشهرة والتألق والنجاح .. سنوات عاشت فيها تحت الأضواء والناس من حولها .

 ورغم كل هذا كانت تعيش وحدة من نوع آخر .. وفراغ نفسي وعاطفي وروحي شديد القسوة كما كانت تعيش حالة من الغربة ودائما تتسائل لأي وطن هي تنتمي .

لكنها كانت تجيب دائماً عند السؤال عن وطنها فتقول :

وكثيراً ما عبرت مى بقلمها عن هذه الغصة وتلك المرارة التي تشعر بها نتيجة لهذه الغربة الدائمة وعدم الانتماء .

 فكتبت في أحد مقالاتها ذات مرة تقول : ” أين وطني”؟! ولدت في بلد , وأبي من بلد , وأمي من بلد , وسكني في بلد , وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد .

 فلأي هذه البلدان أنتمي  وعن أي هذه البلدان أدافع؟!


” أنا فلسطينية .. لبنانية .. مصرية .. سورية ” وهي في داخلها لا تعرف لأي البلاد تنتمي حقاً ..


فلأي هذه البلدان أنتمي  وعن أي هذه البلدان أدافع؟!

ولذلك ظل شعور ” اللامنتمية” يلازم هذه الكاتبة الفريدة.. فالأقطار التي تنتمي إليها : لبنان .. فلسطين .. سورية.. مصر كل منها يفتخر بأنها واحدة من نوابغه .. لكن أحداً من تلك الأوطان لم يعطها ما تستحق من تكريم حتى الآن .

وفي النهاية لمملمت الاديبة العربية الكبيرة مي زيادة شتاة افكارها لتدون وصيتها للاجيال في مقولتها المشهورة : (أتمنى أن يأتي.. بعد موتي من ينصفني ويستخرج من كتاباتي الصغيرة المتواضعة ما فيها من روح الإخلاص والصدق والحمية والتحمس لكل شيء حسن وصالح وجميل لأنه كذلك لا عن رغبة في الانتفاع به.

 في الحقيقة مرت مي في نهاية حياتها بالعديد من المواقف البائسة منها صدمتها بوفاة والديها ومن بعدهم وفاة جبران الأمر الذي أشعرها بالوحدة القاتلة بفقدان الأهل والصديق، وتفاقم الأمر بعد ذلك عندما أتهمها أقاربها بالجنون طمعاً في الاستيلاء على ثروتها حيث تم إيداعها في مستشفى للأمراض العقلية ببيروت إلى أن تدخل بعض أصدقاءها مثل المفكر أمين الريحاني وشخصيات عربية كبيرة إلى إنقاذها ورفع الحجْر عنها.

 وعادت ميّ إلى مصر لتتوفّى بالقاهرة في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1941 ولم يمشي في جنازتها إلا قلة قليلة من أصدقائها الأوفياء وكان لوفاتها أثر بالغ على العديد من الشعراء والأدباء اللذين شعروا بالحزن الشديد لفقدها.


لا شك ان الاديبة العربية الكبيرة مي زياد اعتلت مكان القمة في الأدب العربي المعاصر .. وملأت بنبوغها سماء الفكر والثقافة طوال عشرينات وثلاثينات القرن العشرين .

وبدأت رحلتها الصعبة لتبحر في اعماق الزمن الجميل زمن كان للفكر فيه هيبة وللأدب والثقافة إحترام وإجلال .

وكان المبدعون هم صفوة المجتمع في زمن كان للحدث الثقافي أهميته لا عن الحدث السياسي.

 والمعارك الأدبية تجد من القراء مالا تجده المعارك السياسية.


كانت مى زيادة حقا ظاهرة أدبية، وثقافية، وإنسانية من اهم نوابغ الامة ورائدة من الرائدات العربيات في عصرها !.

akramobeid@hotmail.com

اترك تعليقاً