العشاء الفلسطيني الأخير في مخيم جنين – نضال حمد

العشاء الفلسطيني الأخير في مخيم جنين – نضال حمد

عشاء جنود الله في مخيم جنين رمز كفاح كل شعب فلسطين.

عشاء فدائيي فلسطين في مخيم جنين الذي أعاد للفدائيين هيبتهم وسمعتهم بعدما دنستها الأوسلة والاتفاقيات المذلة، وأعمال التنسيق الأمني وعار من جاءوا بالسلام الاستسلامي.

عشاء الاستشهاديين بعيداً عن جنرالات التسحيج والتفنيص والتشبيح والاستزلام.. بعيداً عن نياشين المهزومين والمستسلمين الذين غدوا عاراً لا تمحوه الأيام.. عاراً على كل فلسطين.

في بيت من بيوت المخيم تناولوا العشاء وأقسموا أن يبلوا خير بلاء، فكانت المواجهة بين الايمان والشر وبين  مجموعة من شباب المخيم وأكبر وأقوى جيوش العالم وأحدثها تسليحا.. وكانت الشهادة العظمى والوقفة العزيزة وكان الصمود الأسطوري لتلك الثلة من فدائيين مؤمنين ببنادقهم وبقضيتهم.

يا سادة! هنا يكمن الفرق بينهم وبين الجنرال الوقائي الذي سلم مقر بيتونيا الأمني بمن فيه من منتسبين ومتفرغين وأسلحة وعتاد وحتى بمن فيه من مقاومين معتقلين. والحكي هنا عن جنرال الكورة الذي لحق بزميله الحاج اسماعيل جبر، الذي فر أيضاً من أرض المعركة في صيدا بالجنوب اللبناني اثناء الغزو الصهيوني سنة ١٩٨٢. ليرتقى في المناصب داخل فتح والسلطة وليصبح عضوا في اللجنة المركزية للمرحومة حركة فتح.. ثم مع مرور الزمن الأوسلوي صار جنرالاً. بالمناسبة قبل سنوات منحه رئيس سلطة الحكم الذاتي المحدود محمود عباس رتبة فريق. يعني لغاية قبل كم يوم كان عندنا فريق واحد الآن وبعد ترقية جبريل الرجوب صار عندنا فريقين، كل واحد منهما أسوأ من الآخر. هذان الفريقان لا ينفعان حتى أن يكونا فريقي كرة قدم بالرغم من خبرة الرجوب في هذا المجال.

جنرالاتنا الحقيقيون الثوريون هم الذي أقاموا العشاء الأخير في مخيم جنين كما سبق وأقامه السيد المسيح في فلسطين. جنرالاتنا هم الشهداء وأولهم “أبو جندل” يوسف ريحان ورفيقه طوالبة ورفاقهم وأخوتهم.. هؤلاء كانوا قادتنا في الميادين، في جنين وكل فلسطين. ولا قادة غيرهم ولا جنرالات ولا ما يحزنون، لأنهم رجال ما هابوا الموت ولا المنون، قاتلوا حتى الرمق الأخير والطلقة الأخيرة.. هؤلاء أعادوا للفلسطينيين اعتبارهم بعدما شوهته القيادات المستسلمة، وبعدما نجسه سلام الشجعان، وبعدما تسلق اللصوص والساقطين على شواهد وقبور الشهداء.. فكل عميل وجاسوس ومنحط ونذل وخسيس وجبان وجد مكانه في سلطة وضعوها فوق قبور شهداءنا….

من الثالث الى وحتى الحادي عشر من شهر نيسان – ابريل سنة 2002 .. في نيسان شهر المجازر والثوار والاصرار والأزهار، شهر معركة القسطل ومجزرة دير ياسين، والشهيد الاسطورة عبد القادر الحسيني قائد المقاومة والثوار، شهر القادة الثلاث، كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار، شهر عملية الخالصة (كريات شمونة) في الحادي عشر من نيسان 1974..  شهر زهر البيلسان وصوت السيدة فيروز وهي تنشد لهؤلاء الشهداء أغنيتها الشهيرة “وحدن بيبقوا مثل زهر البيلسان”. شهر الشهيدة القومية الاجتماعية السورية سناء محيدلي وعمليتها الاستشهادية في معبر جزين – باتر في لبنان.. شهر أبطال عملية نهاريا في الثاني والعشرين من نيسان 1979، الشهداء سمير القنطار ومهنا المؤيد وماجد أصلان .. شهر المخيمات الفلسطينية وهبة نيسان ١٩٦٩ في لبنان .. شهر العطاء والفداء والكفاح والنضال .. في هذا الشهر المليء بالمحطات الثورية والفدائية الخالدة، قاتل ابطال مخيم جنين قتال الأبطال ولم يتراجعوا حتى سقطوا شهداء على أنقاض مخيم جنين بعدما اسقطوا عشرات القتلى والمصابين في جيش الاحتلال الصهيوني.

قال القائد الميداني الفدائي يوسف ريحان “أبو جندل” لوسائل الاعلام قبل أن يستشهد بصحبة رفاقه الشهداء: “أنا ابو جندل، أنا الآن القائد العام، أين الجيوش العربية؟؟ متى ستفتح الجيوش مخازنها؟”.

وأين كان أين هم يا قائدنا أبا جندل العائدين بأسلحتهم وعدتهم؟

أين الرجال؟ وأين البنادق التي تغنوا بأنهم أدخلوها الى فلسطين المحتلة عبر بوابة اوسلو؟

أولائك الذين أوهموا شعبنا بأنهم سيقيمون دولة وسيادة من خلال سلامهم الأوسلوي، هم الذين خانوا أبو جندل وطوالبة ورفاقهم شهداء وأبطال مخيم جنين. وهم الذين كانوا يتفرجون على ملحمة الدم وانتصار الارادة على الدبابة والطائرة. وهم الذين تجاهلوا نتائج وتقرير لجنة التحقيق الدولية في مجزرة مخيم جنين.. وهم الذين صادروا أسلحة كتائب شهداء الأقصى ومجموعات المقاومة… وهم الذين دجنوا وألغوا وأذابوا فكرة المقاومة بين غالبية الشباب الفلسطيني ولدى كثيرين من الأجيال الشابة في الضفة الغربية المحتلة.

هؤلاء مثل الذي تحدث عنه السيد المسيح على مأدبة العشاء الأخير حين قال “الحق أقول لكم إن واحد منكم يسلِّمني”.. يعني يخونه ويسلمه للأعداء.  أما الذين سلموا للاحتلال بما يريد في اتفاقياتهم وتنسيقهم معه، هم من أسلم بأن “فلسطيننا” صارت “اسرائيلهم”. وبأن المقاومة رجس من أعمال الشيطان وبأن سلام الشجعان سوف يحرر الأرض والانسان. هؤلاء واهمين ومستسلمين ومهزومين. لقد وضعوا أنفسهم في معسكر الأعداء والشياطين وفي خدمة المحتلين. لهم دينهم ولنا ديننا ولهم تنسيقهم الأمني ولنا مقاومتنا.. لهم مدراس دايتون ولنا مدرسة باسل الأعرج وعرار وجرار ومهند الحلبي ونعالوة وأبو ليله وطوالبة وأبو جندل وشهداء مخيم جنين..  ولنا الجيل الجديد الذي سيولد من ركام المخيمات ليعيد البهاء لكفاحنا وليمسح الغبار عن بنادقنا وعن قبور الشهداء، وليمضي نحو تنظيف البيت الفلسطيني وتحرير فلسطين كل فلسطين.

في ملحمة مخيم جنين سقط 58 شهيداً فلسطينياً مقابل 55 صهيونياً. معركة عظيمة لأبطال المخيم بالرغم من عدم التكافؤ بكل شيء، إلا في الشجاعة والايمان والاقدام والتضحية. يجب أن تدرس ملحمة أبطال مخيم جنين في المدارس الفلسطينية والعربية لأنها علامة فارقة في تاريخنا الفدائي المجيد.

المجد والخلود لشهداء ملحمة مخيم جنين ونحن على العهد أوفياء لهم وأولياء للدم.

نضال حمد

10-4-2021