بين داعش ودُويْعش وتغيير قواعد الاشتباك – سعيد نفاع

 

تناولُ المشهد الجديد الناتج عن هذا التحول الذي يشهده العالم في مواقف “أصدقاء سوريّة” (أتذكرون مؤتمرات الأصدقاء الدوريّة؟!) تجاه داعش وحلفائها الموضوعيين كجبهة النصرة وغيرها، وبناء هذا “التحالف الدولي” لمحاربتها وبدء قصفه مواقعها كذلك على الأراضي السوريّة، قضيّة شائكة في كلّ جانب منها ومثيرة وبحق للكثير من الأسئلة التي لا تسهل الإجابات الشافية عليها.

الأمر الطبيعي أن يلقى هذا الأمر جلّ الاهتمام سياسيّا وإعلاميّا وتكثر فيه التصريحات الاجتهادات والتحليلات والتوقعات، ولا أعتقد أن متتبعا يستطيع أن يصل إلى خلاصة تشفي، وإن أصعب الأسئلة وأعوصها للوصول إليها، حسب رأيي، هو السؤال المركّب الآتي:

كيف نستطيع أن نجد الروابط في هذا المشهد، ما بين الموقف السوريّ غير المُنسّق معه إلا إعلاما، غير الممانِع للهجمات الجويّة على الأراضي السوريّة، وبين موقف أصدقاء سوريّة الفعليين (روسيا وإيران وحزب الله) من هذا التحالف والتشكك في بنائه وأفعاله وأهدافه، وبين موقف التحالف من “النظام” السوريّ والتأكيد على عدم شرعيّته والحاجة “المازالت” ضروريّة إلى تغييره بتدريب مقاتلين معارضين “معتدلين” سورييّن لهذا الهدف كجزء من استراتيجيّة هذا التحالف، وبين حماية إسرائيل لجبهة النصرة وحلفائها في الجولان؟!

داعش ليس جحافل جرّارة لا أول ولا آخر لها سيطرت فجأة وما بين ليلة وضحاها على ما يقرب من ثلث مساحة العراق، وإنما “حاضنة” داعش في هذه المناطق ( وكذلك في سوريّة) هي التي مهدّت لها وكثيرا قبل انقضاضها لأسباب كثيرة لا مجال للدخول فيها الآن وفي هذا السياق، ولكنها حقيقة يجب أن لا تغيب عن ذهن المتتبع الذي يريد أن يعرف بعض ما يعرف “اللاعبون” في المشهد ويخفونه عن عمد وسبق ترصّد، هذا لا يعني صكّ غفران لمنابع الدعم الخارجيّة صنعا ودعما ولكننا نسيء للحقيقة إن اختزلنا الأمر في هذه المنابع.

ومن نافل القول أن نعود إلى اسطوانة المصالح وأساليب ضمانها المختلفة وأوفر هذه الأساليب إبقاء “ناب الكلب في جسد الخنزير” قدر المستطاع وكلّما أتيحت الفرصة وياما أسهلها، وليعذرني القاريء أني استعملت هذا القول الدارج في أوساطنا لأني لم أجد أبلغ منه تعبيرا عن نظرة الغرب وإسرائيل لنا، ولعلنا فقط نرعو.

وبعد هذا وقبل أن نحاول الدخول في معمعان الإجابة على السؤال المركب أعلاه، لا بدّ من طرح بعض الأسئلة الاستنكاريّة أو “الريطوريّة” في لغات “الأصدقاء- الحلفاء” الغربيين على ضوء هذا المشهد السوريالي:

هل بطُّل اعتبار الهلال الخصيب بدء بإيران شرقا وانتهاء في حزب الله غربا وفي القلب سوريّة، محور شرّ؟! وهل بطُلت إيران الخطر الاستراتيجيّ على بعض العرب الذي بُدّل بإسرائيل راحة لهم من وزر القضيّة الفلسطينيّة؟! وهل صارت الدول “القابلة المزغردة- المزلغطة” للإرهاب فعلا “الوائدة” له إذ تمرّد؟! وهل تنازل الغرب عن قاعدته الأماميّة في كردستان؟! وهل كمُل الحزام المعمول على بنائه حول حدود روسيا الجنوبيّة الغربيّة وهل أصلا انتهى كفرها وإلحادها؟!

إذا كانت الإجابات عن كلّ هذه الأسئلة الاستنكاريّة ب-لا، وهي كذلك، نستطيع أن نضع إجابة أقرب إلى المنطق على سؤالنا المركّب، اللهم إلا إذا كان وراء الأكمة ما وراءها، وبعد لا نملك وكالات استخبارات عابرة للدول والقارات اليابسة منها والمائيّة !

المعضلة الأساس في الإجابة على كل تلك الأسئلة أو التساؤلات إن شئت، هو سوريّة، فشعبها بغالبيته العظمى فوّت على “الاصدقاء” ضرب وحدته، وجيشها فوّت عليهم الانشقاق المرجو، وقيادتها فوتت عليهم الانهيار لا بل اثبتت بعد نظر استراتيجيّ على الأقل في قولها ومنذ اللحظات الأولى، ستأكلون حتى البطر وتشربون حتى الثمالة مما صنعت أيديكم تجاه سوريّة.

ولذا فالخلاصة الأقرب إلى المنطق أن هذا التحالف وفيما يخصّ سوريّة، لا يمكن أن يقضي على داعش والنصرة على أراضيها ليحلّ محلّها الجيش العربيّ السوريّ، ولذا فالحاجة في هذا الجزء في استراتيجيّة التحالف هي تأهيل أو إعادة تأهيل “دُويْعش” سوريّي تحت مسمّى “المعتدل” ليحل محلّ داعش والنصرة في الشمال، وأما في الجنوب الغربيّ فإسرائيل تتكفل بشكم “الثوار” هنالك وتنظيفهم لاحقا من “داعش” وضمان “دُويْعشيتهم” ليحافظوا على الحزام القائم اليوم في الجولان على طول خط وقف إطلاق النار محرّرا من “جيش الأسد- الاصطلاح في الإعلام الإسرائيلي الناطق بالعربيّة”.

القول المتداول اليوم والمتفق عليه، أن الغارات وحدها لن تضمن هزيمة داعش (اللهم إلا أنها ستضمن تحريك عجلات صناعة الأسلحة للغرب بدخل إضافيّ ونحن نعلم أن دول الخليج تكفلّت بالنفقات) والهزيمة بحاجة للقوة على الأرض وبالأساس كي تحل محل داعش المهزومة، المشكلة في العراق محلولة، فالقوة الأرضيّة قائمة، البشماركة البرزانيّة في الشمال والجيش العراقي في الجنوب والغرب والشرق، أما في سوريّة فغير وارد بالحسبان أن يحلّ الجيش السوري محلّ داعش المهزومة بضرباتنا، “أونهزم داعشا ونستبدله بجيش النظام؟!”، إذا فالحل ب-“دُويعش” سوريّ.

هذا الحل يريح العراق بكردستانها من دواعشهما، ولكن ليس قبل أن تتحول مياه الرافدين حمراء بعصير قلوب العراقيين كما حولها هولاكو سوداء بعصير أدمغة العراقيين، ألم يقل أوباما أن الحرب على داعش طويلة؟! ويُبقي هذا الحلّ سوريّة في أزمتها وقد بقيت أقسام من أراضيها مقتطعة فتقسيم ميدانيّ حاصل اليوم وما على التحالف وربيبتيه العثمانيّة في الشمال والصهيونية في الجنوب، إلا أن يرسخوه ب-“دُويعش” سوريّ وعلى الأرض السوريّة، ولا ضير أن يلتم في أحضانه دواعش العراق، إلى أن يفعل الله أمرا كان مقضيّا!

لكن “العتمة لم تأت على قدر يد الحرامي”، وكثيرا قبل أن يخرج إلى النور مصطلح “تغيير قواعد الاشتباك” كان  “الدواعشيّون” بدأوا يئنوا تحت ضربات الجيش العربيّ السوريّ وحلفائه في الكثير من المواقع في دير العرب والقامشلي ودير الزور وليس بفضل غارات التحالف، فما بالك ب-“الدُّويْعشيّين” إذ انهاروا عند أول إطلالة لنوره في الجنوب السوريّ كما بيوت الرمال على الشواطيء.

أونسأل بعد هذا كيف صار الأسد في نظر مبعوث الأمم المتحدة جزءا من الحل ؟!

سعيد نفاع

Sa.naffaa@gmail.com

أواسط شباط 2015

اترك تعليقاً