خطاب ولا فعل…وتلويح ولا اقدام ؟! – عبداللطيف مهنا

 

رغم اسطورية صمود غزة ومقاومتها البطولية، زادت حرب الأميركان الداعشية من تنحية القضية الفلسطينية جانباً اكثر مما كانت عليه، اقليمياً ودولياً، واعطت الصهاينة وقتاً تهويدياً اضافياً وفرصاً تصفويةً لن يتوانوا عن انتهازها. واذا كان الموقف العربي الرسمي المشين ابان الحرب على غزة قد اتاح لهم الحديث عن تحالفات واصطفافات باتوا ينسجونها مع بعض الأنظمة العربية، فإن الحرب التي تشن الآن على العراق وسوريا، وبالعودة الى تصريحات نتنياهو المتكررة، قد ترجِّح تمكنهم فعلاً من انجاز ما هم يتحدثون عنه… في مثل هذا الواقع المستجد المتكيف مع ايقاعات فوضى حرب الإرهاب الأميركي على الإرهاب في المنطقة، وراهن عربي بالغ السوء متدني الردائة، وحالة انقسام فلسطيني مقيمة لم تفلح مآثر غزة النضالية في طمسها وتأجيل سرعة عودة  تجلياتها، كان قد اتى ترويج رام الله لما دعته مبادرة رئيس سلطتها لحل القضية الفلسطينية عبر طرحها على الأمم المتحدة. وقبل ان تطرح وتتضح معالمها، أو ينكشف الغموض الذي اثارته التسريبات والتكهنات حولها، حملها كبير مفاوضي السلطة الأوسلوية ومدير استخباراتها إلى واشنطن لعرضها على راعي المفاوضات المنهارة جون كيري، الذي لم يتردد في رفضها، الأمر الذي عني من حينه أن الفيتو الأميركي هو في انتظارها إن هى قيض لها أن تعرض على مجلس الأمن ولم يتراجع صاحبها عن عرضها. بعدها تحدثت رام الله عن “خطة عملية” ينتوي رئيس السلطة السير بمقتضاها مؤكدةً أنه لن يحيد عنها، بل وهناك من وعدنا بقنبلة سوف يفجِّرها من على المنبر الأممي لها مابعدها، بل وذهب البعض الى حد التكهن باحتمال اقدامه على حل السلطة الأوسلوية في حال فشل مبادرته. وجاء الموعد المنتظر، والقى رئيس السلطة كلمته من على المنبر الأممي، واستحقت ثناء الكثيرين على بلاغتها، كما لم يختلف كثر مع مضامينها، بيد ان كل ما جاء فيها يمكن اختصارها في ثلاث:

اولاها، رفضه العودة للمفاوضات وفقما كانت تجري عليه سابقاً، بمعنى عدم قطعه لشعرة معاويه التفاوضية، وأن لا ما يمنعه من العودة اليها إن جرى تحسين سياقاتها…رغم ثبوت عبثيتها، وانسدادها افقها، وما اهدرته من زمن كان بركة تهويدية خالصة على المحتلين، الى جانب ما عمَّقته من انقسام في الساحة الوطنية أُسُّه الرئيس السياق الأوسلوي التنازلي المدمِّر للقضيه، والذي، ومن عجب، أنه رغم انهيارها، وما جرى في غزة ويجري يومياً في الضفة، قد أبقى على التنسيق الأمني “المقدَّس” مع المحتلين قائماً، بمعنى تحوّل افراز هذا السياق، أي السلطة، الى مجرَّد اداة أمنية في خدمة أمن المحتلين…للعلم فقط، اعتقل في الضفة خلال الشهر المنصرم وحده 560 مواطناً أما عن التهويد فحدِّث ولاحرج، وآخره سطو المستعمرين واستيلائهم على 25 بيتاً مقدسياً في حي سلوان…

وثانيها، مطالبته للأمم المتحدة بجدول زمني لانهاء الاحتلال، والجميع يعلم وصاحب المطالبة أولهم أن هذه التي يطالبها، واضافة الى كونها من شرَّعت اصلاً اغتصاب فلسطين عبر قرار التقسيم وقبول الكيان الصهيوني الغاصب عضواً مدللاً فيها، لم تنفِّذ قرارا واحداً صادراً عنها يتعلق بالقضية ويرفضه هذا الكيان، اي أن ما لايجهضه الفيتو الأميركي من قراراتها لاينفِّذه الصهاينة، وتاريخ مجلس الأمن بالذات حافل بمثل هذه الفيتوات الحامية لهم.

وثالثها، تحدث بجرأة لم تعهد عنه من ذي قبل عن حرب الإبادة الصهيونية على غزة متوعداً مرتكبيها بعدم افلاتهم من العقاب . هذا جيد، بيد أنه لم يقرن هذا الوعيد باعلان عن التوجه للإنضمام الفوري لإعلان روما والذهاب مباشرةً للمحكمة الدولية، أو الإشارة الواضحة إلى ما يضحد التلكوء في الإقدام على أمر لطالما جرى التلويح، بل والتهديد، به، وقيل أنه واحدً من مرتكزات خطته التي تم التبشير بها قبل ذهابه للأمم المتحدة، الأمر الذي استغربته منظمة العفو الدولية وانتقده بيان لها معتبراً اياه “مساومة على حق”، وذكَّرنا باحباط السلطة المعروف لتمرير تقرير غولد ستون في مجلس الأمن…لاحقاً ربط الذهاب للمحكمة بفشل مبادرته في الأمم المتحدة!!!

كان اول رد فعل اميركي مباشر على خطاب رئيس السلطة هو وصف المتحدثة باسم وزارة الخارجية له ب”تصريحات استفزازية”، وأن ما جاء فيه يحتوي على سمات “مهينة ومخيِّبة”! الأمر الذي يقرر سلفاً مصير المبادرة وخطتها العملية في هذا المحفل الدولي الذي لازال موضوعياً في حكم الملحق بوزارة الخارجية الأميركية، لاسيما وأن مسارها محكوم بذات التوجه التسووي ولايخرج اصلاً عن تليد المراهنة المزمنة على راعيه الأميركي…

خلاصة القول أننا ازاء تلويح ينقصه الإقدام هدفه الضغط لاستدرار سبل افضل للعودة للمفاوضات، أو تحسين شروطها لتسهيل العودة للانخراط فيها…وحركة هى بمجملها قد نجمت عن ارتطام نهج تسووي بانسداد كامل لمسار عبثي، كل ما اسفر عنه هوسلطة بلاسلطة وتحت احتلال، أوشاهدة زور على تهويد وطن، ارادها المحتلون اداةً لتصفية القضية الفلسطينية، ولم ولن يسمحوا لها بتجاوز دورها الوظيفي الأمني القائم ولن يبقوا عليها إلا لإلتزامها به… اذن، وبعد خطاب المبادرة، مالعمل؟!

إنه ما من خيار أمام الأوسلويين سوى دفن اوسلوستانهم والانكفاء عن مسارهم الذي اوصلهم واوصل الساحة والقضية معهم الى راهنها الأسوأ، والكف عن المراهنة على اريحية الصهاينة واستجداء عدالة الأميركان…ولا خيار أمام الفلسطينيين سوى ما اثبتت غزة أنه ما من خيار لهم سواه…المقاومة…

خطاب ولا فعل…وتلويح ولا اقدام ؟! – عبداللطيف مهنا

اترك تعليقاً