الأرشيفبساط الريح

بوصلة الأكراد، والفخ التركي (1) – مي أحمد شهابي

 

شهد شمال وشرق سوريا تطورات كبيرة ادت إلى تغيرات وتعديل كبير في ميزان القوى على الارض وفي التحالفات القائمة. فبعد اعلان الرئيس ترامب عزمه على الانسحاب من هذه المناطق والاتفاق الامريكي التركي لاقامة ــ منطقة امنة ــ أدى بنتائجه المباشرة لاعطاء الضوء الأخضر لتركيا للتقدم باتجاه مناطق ــ الادارة الذاتية الكردية ــ ووضعهم في مواجهة مباشرة مع القوات التركية وحلفائها من بقايا قوى المعارضة المسلحة الموالية لتركيا, وحرمهم من الدعم العسكري الجوي والبري, وهكذا دفعت القيادات الكردية ثمن رهانها على الأجنبي ولم تتعظ بما جرى قبل ذلك في إقليم كردستان العراق أيضاً من تتخلى الولايات المتحدة عن دعمهم رغم الوضعية الخاصة لكردستان العراق مقارنة بوضع الأكراد في سوريا. وبعد انكشاف وضعهم العسكري والسياسي وجدت قيادة /قسد/ نفسها قد فقدت السيطرة على الأرض، وغابت عن مجريات وأعمال اللجنة السورية للدستور والتي بدأت أعمالها في جنيف وبما تمثله من بدء العد النهائي لوضع حد للأزمة في سوريا من خلال عملية سياسية عنوانها الأبرز وحدة الأراضي السورية ومد سيطرة الجيش العربي على معظم المناطق والبلدات التي كانت في قبضة داعش ومن بعده قسد والقوات الامريكية.

ورغم كل سياسات قيادة /قسد/ على مدى السنوات الماضية ونزعاتها الانفصالية, إلا أن حكمة القيادة السورية ورؤيتها الاستراتيجية جعلتها تمد اليد بمبادرة إلى قسد تدعوها لمواجهة الخطر التركي المشترك والعودة إلى حضن الوطن، واندماجها في قوات الجيش العربي السوري. وأنجزت اتفاقات أولية لتسليم مواقع قسد للجيش العربي السوري. ولهذا أنجزت مرحلة أساسية في نزع الذرائع من أيدي الحكومة التركية التي تتذرع بدوافع أمنية لتبرير تدخلها العسكري. وجاء الاتفاق الروسي التركي ليعزز هذا الاتجاه. وبما يجعل الوجود التركي وجوداً مؤقتاً وغير شرعي، يفضي في مرحلة لاحقة لتسليم كل المواقع التي احتلتها القوات التركية إلى القوات السورية. وعودة إلى /اتفاق أضنة/ الذي ينظم العلاقات السورية التركية في المجال أمن الحدود. آخذين بعين الاعتبار محاولات الجانب التركي من محاولات التنصل من هذه الاتفاقات بذرائع شتى. من هنا أهمية ترتيب وضبط العلاقة مع قسد بهدف زيادة الضغط على الجانب التركي والاهم الجاهزية العالية للجيش العربي السوري واستكمال انتشاره على أي منطقة تنسب منها قسد وقوات الاحتلال الأمريكي.

لقد ادت هذه التحولات والتطورات السياسية والميدانية التي طرأت على الساحة السورية في الفترة الأخيرة لصالح الدولة السورية، إلى تعزيز مواقع الجيش السوري وقدرته على توسيع مساحة الأراضي التي يسيطر عليها، وفي هذا الاطار تأتي المبادرة السورية في 30 تشرين أول لدعوة ميليشيا /قوات سوريا الديمقراطية (قسد)/ للانضمام إليه من أجل مواجهة التدخل العسكري التركي، وذلك بعد أن انتشرت قوات الجيش العربي السوري في مناطق حدودية بشمال سوريا وباتت وجها لوجه مع قوات الاحتلال التركي.

ولكن اللافت هو أن هذه الخطوة الأخيرة التي جاءت وفق تفاهمات توصلت إليها الميليشيا الكردية مع الجيش العربي السوري، لم تمنع بعض فصائل تلك المليشيات من رفض دعوة الانخراط في صفوف قوات الجيش السوري، وعلى نحو يوحي بأنها ترى أن ذلك يتعارض مع حساباتها ورؤيتها للمعطيات الجديدة التي تفرضها مجمل تلك التطورات على الأرض.واستمرار رهانها على العوامل الخارجية.
ومن ناحية ثانية:

فقد توازت الدعوة الأخيرة التي وجهها الجيش العربي السوري للأكراد مع تطورين مهمين وهما:

الأول، هو انعقاد أولى جلسات اللجنة الدستورية في جنيف برعاية الأمم المتحدة، في اليوم نفسه، والتي تضم 150 شخصاً. بغياب قسد وما تمثل بسبب إصرار قسد من البداية على استبعاد مشاركة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ومجلس سوريا الديمقراطية، في هذه اللجنة بناءً على ضغوط مارستها تركيا في إطار التفاهمات التي توصلت إليها مع الأطراف المعنية بالأزمة السورية، لاسيما روسيا وإيران عبر مسار الأستانة.

ومن هنا، اعتبرت /قسد/ أنها غير معنية بالاستحقاقات السياسية التي يمكن أن تفرضها النتائج التي ربما تتوصل إليه اللجنة في النهاية، باعتبار أنه تم استبعادها من البداية، رغم أنها تمثل رقماً مهماً في ظل الدور الذي قامت به في إطار الحرب ضد تنظيم «داعش»، والذي أشار إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنفسه خلال إعلانه عن مقتل زعيم التنظيم أبوبكر البغدادي في 27 تشرين أول.

والثاني، هو انسحاب الأكراد من المناطق المتاخمة للحدود مع تركيا، وفقاً لما يقتضيه اتفاق سوتشي الذي توصلت إليه كل من روسيا وتركيا في 22 أكتوبر الحالي، على نحو أشارت اتجاهات عديدة إلى أنه يمثل هزيمة للأكراد في مواجهة الضغوط التي تفرضها التفاهمات التي تتوصل إليها تركيا مع كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

وهكذا، ومن دون شك، فإن الجيش العربي السوري يسعى عبر ضم تلك الفصائل الكردية إلى تحقيق أهداف عديدة تصب جميعها في وحدة التراب السوري ويتمثل كما يلي:

أولها، في دعم موقع الجيش العربي السوري السياسي والتفاوضي في مواجهة قوى المعارضة التي تدعمها تركيا، بالتوازي مع انعقاد أول جلسة للجنة الدستورية في جنيف.

كما أنه، ورغم أن انعقاد هذه الجلسة يعزز من مسار الحل السياسي، إلا أن ذلك لا ينفي أن اللجنة سوف تواجه عقبات لا تبدو هينة في ضوء اتساع نطاق الخلافات بين الأطراف المشاركة فيها، على نحو دفع اتجاهات عديدة إلى التحذير من رفع سقف التوقعات الخاصة بما يمكن أن تنتهي إليه من نتائج.

وهنا، فإن الجيش العربي السوري يرى أن الاحتمالات كلها ما زالت واردة، بما فيها العودة إلى التصعيد الميداني، وعلى نحو دفعه إلى الحفاظ على قنوات التواصل التي تم فتحها مع الأكراد في الفترة الماضي وتوسيع نطاق الخيارات المتاحة أمام الجيش العربي السوري حتى فيما يتعلق بالتعاطي مع التحركات العسكرية التركية في الشمال. إذ لا تستبعد اتجاهات عديدة أن يتجه الجيش العربي السوري إلى عدم إغلاق قنوات التواصل مع تركيا بعد أن وصلت قواته إلى مناطق كانت تسيطر عليها الميليشيا الكردية قبل ذلك، وعلى نحو يمكن أن يعزز من قدرته على ممارسة أكبر قدر من الضغوط على قوى المعارضة التي تدعمها أنقرة، وهو ما يمكن أن يسثتمره أيضاً في اجتماعات اللجنة الدستورية.

وقد كان لافتاً أن تركيا نفسها أشارت إلى أن «هناك اتصالات على مستويات المخابرات مع النظام، فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب»، وذلك حسب تصريحات وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو الذي اعتبر أن ذلك «طبيعي جدا بين الدول المتجاورة».

ورغم ماسبق ذكره فقد سارعت بعض قيادات الأكراد الانفصاليين، والمدعومين من امريكا، إلى رفض العرض السوري، وهو ما لا يمكن فصله عن المعطيات الجديدة التي فرضتها التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة. إذ أن انضمام الميليشيا الكردية إلى الجيش العربي السوري سوف يؤدي إلى تصعيد حدة التوتر في علاقاتها مع القوى الدولية المعنية بالأزمة السورية وهو ما لا تريده بعض القيادات الكردية الانفصالية وسيتسبب ذلك إلى إيقاف الدعم العسكري والمادي إذا ما اندمجت تلك الفصائل ضمن الجيش العربي السوري.

وعلاوة على ذلك، فإنه ورغم الانتقادات التي وجهها بعض القادة الأكراد للسياسة التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بسحب القوات الأمريكية الموجودة في شمال سوريا، في 7 تشرين الأول، إلا أن ذلك لن يدفعهم إلى اتخاذ تلك الخطوة التي يمكن أن تؤدي إلى إيقاف الدعم الدولي الذي يحصلون عليه بمقتضى الدور الذي قاموا به في إطار الحرب ضد «داعش».

ومن الملفت للنظر أن الكيان الصهيوني وبطلب من الولايات المتحدة تعهدت بدعم /قسد/ والأكراد بكل ما يحتاجونه وعلى مختلف الأصعدة.

وفضلاً عن أن هذه الخطوة في حالة اتخاذها , لن تضمن حصول أولئك الأكراد على أية مكاسب سياسية في المستقبل، خاصة أن معظم القوى التي تعبر عنهم مستبعدة من اللجنة الدستورية التي تمثل خطوة أولى تمهد لخطوات أخرى تهدف إلى الوصول لحل سياسي للأزمة، على نحو سيؤدي في النهاية إلى إقصاءهم من مجمل الترتيبات السياسية التي يجري العمل على صياغتها في الفترة الحالية.

ومن هنا، فإن الأكراد سوف يسعون إلى الحفاظ على مجمل القنوات مفتوحة للتعامل مع التطورات الجديدة، واستمرار التنسيق مع الجيش العربي السوري في الشمال، وذلك حتى تتبلور معطيات جديدة يمكن معها تحديد أنسب الخيارات التي يمكن أن يتجهون إلى تبنيها في المرحلة القادمة.

 

يتبع 1-4