ذكريات الزمن الجميل – هيفاء حيدر

 

ما بين اكتشاف الذات، والحنين إلى الماضي، ولدت فكرة هذه الكتابة، إنها نوع من تجميع الذكريات، وإنزالها من علو الذاكرة الى أرض الواقع من جديد، بعد أن كانت واقعاً جبل كما الإنسان في تكوينته الأولى، هو صنعه الخالق من طين وماء وذكرياتي صنعت من لحم ودم وبارود وجعبة  مليئة بالمخازن أنهكت الصدر بثقلها.

في أولى كلماتي مع الرفيق نضال عبر هذا الفضاء المسمى الفيس بوك، ومع ذكره لأسماء الأماكن التي جابت فيها قدماي، قبل أكثر من ثلاثين عام، إنهمر شلال من الكلمات، كان يسألني ويتسائل معي عن ذكريات بيروت ومخيماتها، وكنت أنا أحاول جاهدة أن ألملم كل الأحرف وبسرعة كبيرة ما بين الرسالة التي يكتبها ومحاولة إجابتي، كانت ذاكرتي قد بدأت تنهمر كالمطر الغزير، ليس حروفاً فقط ،بل أصبحت الحروف تتجمع وتشكل كلمات وجمل وتصطحب معها صوراً حفرت كما الماء  وهو يرسم أخدوداً أثناء المسير.

عند إستحضار أسماء الأماكن ،لا تحضر صورتها فقط أمامك ،بل تكاد تقف أنت أمامها وكأنها تتحول بقدرة قادر الى شخص حي يرزق، صبرا،شاتيلا،برج البراجنة،الدامور..وقس على ذلك من أماكن حمل ذكر إسمها ، رائحة المكان كذلك ، أزقته، أبواب البيوت الخشبية، وألوان الدهانات الخضراء والزرقاء التي زينت شبابيكها ، بعض أبواب البيوت الحديدية، لأسر لديها أحدهم في الغربة أرسل لهم بعض من تعبه وشقائه لتحسين وضع العائلة، تستحضر الذكريات كذلك كل تعرجات الدروب الموصلة من أول المخيم الى آخره، وما بينها من قواعد ومكاتب وحواجز للثورة وتنظيماتها، صوت جارتنا أم محمد من صفورية عند آذان الفجر وهي توقظ أطفالها  بعضهم للذهاب الى المدرسة وأخرون للعمل وأصغرهم لشراء الحمص والفول لأخوته، بدقائق كنت تستطيع أن تتواصل مع نصف ساكني الزقاق، من اطلالتك عبر شباك صغير دمرته القذائف في حرب بيروت لاحقاً، رائحة القهوة، طرطقة كاسات الشاي، صحون الزيت والزعتر، مسبات على العيشة وأهلها… إنه بعض الوقت من نهار لم يبدأ بعد في مخيم شاتيلا حيث كنت أسكن برغد جميل من العيش آخر ستة أشهر من سنوات كنت قد أمضيتها ما بين الدلهمية والدامور وبرج البراجنة

إنها حياة الثورة التي أه لو تعاد….

فكيف كانت أيام المخيم..والعلاقة مع الجيران

وكيف عشنا حياة قواعد الفدائيين، سوريين وفلسطينيين وعمانيين ويمنيين ومغاربة وتوانسة ولبنانيين وأكراد وأجانب.

من كان يقف مع من، من أين كان لفلسطين أن تكون كالطوق في أعناقنا ،تركنا بلاداً،وأهلاً،ومدارس وجامعات، خلفنا ورائنا عادات وتقاليد، أدرنا الظهر لإنتماءات طائفية ودينية ومذهبية، لم نأبه كثيراُ لجنة الآخرة، كنا نعمل ليومنا وكأننا نعيش أبداً طالما فلسطين تلك التي جمعتنا جميعاً هنا، أتينا لها صاغرين، منحازين، وكأن حبل السرة إنقطع مع أمهاتنا ليوصل معها .

ماذا عن رشاش ال23 ملم  الذي يصل مداه الى 5 كلم وطائرات العدو تقصفنا من علو شاهق أكثر من 10 كلم، وجيراننا من سكان عرمون وإبريق الشاي و رائحة الصنوبر المشوي، رفيقات الدرب كيف كان للنساء صبايا بعمر الورد أن تثبت على كتفها قاذفة B7  ،ورفاقنا العرب في قواعد الثورة  الى أن  كانت الحرب تلو الأخرى من الجنوب الى الفاكهاني الى الحصار وما أدراك ما الحصار، غادرنا بيروت بعد 82 يوم عبر البحر والبر الى عالم نعرف مسبقاً أنه عالم ليس لنا…..

كل أمنيتي اليوم يا نضال أن يبقى حبل الذكريات موصول وأن أستطيع أن أسترجع أدق التفاصيل التي عشناها في تلك الحقبة الجميلة من الزمان العربي المقاوم…

وللحديث بقية …..

هيفاء حيدر

9-10-2014

اترك تعليقاً