سيرك أمريكي

عبد اللطيف مهنا

هناك العديد من الأمم في عالمنا هذا ممن عُرفت بكرنفالاتها، أو احتفالاتها الشعبية ذوات الطابع المهرجاني الصاخب المنسجمة مع ثقافاتها وخواص مواريثها ومكوِّناتها التاريخية، بحيث تأخذ احياءاتها الدورية عادةً طوابع الاعياد الفلكلورية القومية المتعمِّدة التميُّز والإثارة، وتالياً استجلاب السياح والمتفرجين من اطراف المعمورة، ومعهم بالطبع عوائد السياحة المجزية. هذه تبدأ من الكرنفال الأشهر، كرنفال ريو دي جانيرو البرازيلي، الذي تأتي فيه راقصات السامبا عبر شاشات التلفزة العالمية وعلى الهواء مباشرةً لمن لايذهب لمشاهدتهن، أو مشاركتهن، على الطبيعة في عقر دارهن، وفي أي ركن اختلى فيه في هذا العالم…إلى كرنفال اطلاق الثيران الغضبى الهائجة في شوارع بعض المدن الاسبانية وركض المرعوبين أمامها تلاحقهم قرونها المشرعة، وهكذا…

الامريكان، مثلهم مثل سائر خلق الله، ولايختلفون عن سواهم، وإن حاولوا دائماً التميُّز عن غيرهم، لهم ايضاً كرنفالاتهم الخاصة بهم وحدهم، ونعني ما هو حق امتيازه يظل حصراً عائداً لهذه الشركة العظمى، بل الأعظم، المسماة بالولايات المتحدة الاميركية، والتي لا تفارق نكهتها الفلكلورية تلك اللمسات المميزة لمن يقيمها، أي المساهمون في رأسمالها من كارتيلات ولوبيات وقوى ضغط ومراكز ابحاث، بمعنى ما يمكن اختصاره في اصحاب القرار الحقيقيين والدائمين في مجلس ادارة هذه الشركة العابرة للسيادات فيما ملكت ايمانها من دول العالم، وتحاول، وقد بدت ارهاصات افول سطوتها، التشبث في امساكها بالقرار الكوني واطالة احتكارها له ما استطاعت…هذه الشركة التي عنوانها الظاهري لا الباطني اسمه البيت الأبيض.

سيد الكرنفالات الأميركية جميعاً هو ما يقام دورياً كل ثلاثة اعوام بالتمام ويستمر ضجيجه ورقصاته وسائر متعدد عجائبه لمدة عام بكامله. وقد يختلط عليك الأمر، أكرنفال هو أم سيرك أم كليهما معاً، وترجُّح كليما، عندما تعلم أننا نتحدث عن العام الأخير للمدة الرئاسية المنتهية، أي الرابع، بمعنى عام سيرك الانتخابات الرئاسية القادمة، بكل ما تحفل به أيامه من مبارزات بين فرسانه، والذي بانتهائه ينتهي  مراتون المتبارين هوليودي الماركة للفوز بقصب السبق إلى حيث المكتب البيضاوي، أو “شو” اختتام عملية صناعة الرئيس.

المختلف هنا أن السياسة هى البديل للسامبا، وراقصوها مرشحو محتكريها الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، مع بعض البهارات سريعة الذوبان من خارجهما، وبالتالي نحن هنا اقرب إلى المثال الكرنفالي الاسباني وليس البرازيلي، والأدهى أن مدة مطاردة الناخب ليست يوما أو حتى اسبوعاً، وإنما حولاً كاملاً، والمختلف هو أن لا من سياحة ولا من سائحون اجانب باستثناء نتنياهو، لكن العالم من ادناه إلى اقصاه معني، بل مجبر، وحتى مكره، على متابعة حتى سفاسف ومفارقات الحلبة الأميركية جداً، وأقله أنه تعوَّد على هذا تعوِّده على الببسي كولا وماكدونالد وافلام الكاوبوي إلى جانب الفانتوم والأباتشي والبدون طيار وأخواتهن.

كما هو الحال، هاهما كلا المخبوء والمكشوف الأميركيان يتبديان لمن يهمه متابعة عاصف هذه المطارحات الشعرية الرئاسية بين المتنافسين، ومنذ بدء السباق وحتى نهاية النزال في الثامن من نوفمبر من عامنا هذا سوف يفتح صندوق العجائب الأميركي على آخره. حتى يونيو القادم نحن ازاء زفة اختيار كل حزب لمرشحه للرئاسة لا أكثر، وبعدها تبدأ فصول جديدة من الملاكمة الانتخابية بين مرشَّحي الحزبين الديموقراطي والجمهوري…منذ بداية الشو، العرب في مقدمة متابعيه، ومن موقعين، لأنهم طرفان لاتجمعهما نظرة واحدة للعم سام. شعوب تراه عدواً ونقطة وأول السطر، والنخب المتوزعة ما بين من يراه حليفاً يجيز اتباعه، وعاجز يجتهد لمداراته، وواهم يراهن على تبدُّل قد يغشى عوائد القادم الذي تسمح له شركة الولايات المتحدة بالسكنى في بيتها الأبيض.

لا يمكننا، ولا يهمنا، تتبع كل ما حفلت به الوصلة الإنتخابية التمهيدية الجارية من مفارقات وصرعات، ضجرنا من التكهنات ثم التعقيبات حول عدد ما جمع هذا المرشَّح أو ذاك في هذه الولاية أو تلك، ولا يهمنا الأهاجي المتبادلة بينهما، والتي هبطت حد التشهير بالزوجات على تويتر بين الخصمين الجمهوريين كروز وترامب، ونشفق على المحللين العرب المنشغلين بالمفاضلة بين بيرني ساندرز وهيلاري كلنتون…يهمنا ما يهم أمتنا وننظر من زاويته، وهو، أن كل مرشحيهم للرئاسة، ديموقراطيين أو جمهوريين، قد حاولوا اظهار الاختلاف على كل شىء ماعدا اسرائيلهم…تصوروا، السيدة كلنتون تعير ترامب بأنه “محايد” وليس “منحاز” لهذه اللامختلف عليها، وتكفي الاشارة هنا إلى مشهد التزلُّف غير المتخيَّل للصهاينة من قبل كل المرشحين وهم يقفون في حضرة “ايباك” ويخطبون ودَّها من على منصتها…باستثناء ساندرز لأنه يهودي ولا يخشى اتهامه ب”الحياد” أو بمعاداة السامية، ثم أن الجميع وبلا استثناء يتفقون على أمر واحد، هو تليد اللازمة الأميركية، أي ضمان أمن الكيان الصهيوني، وأن لاحل للصراع العربي الصهيوني إلا وفق المثال الأوسلوي، أو ما يقولون إنه سلام بعد تفاوض ونتيجة له، أو مايعني عملياً سلام على طريقة نتنياهو إن شاء نتنياهو سلاماً…من ناحيتي أنا اعطي ترامب صوتي واتمنى له الفوز بالرئاسة الأميركية…لماذا؟ لأن ما بدى منه في حملته الانتخابية قد دل على أنه الرجل الذي تجتمع في شخصة الفريد من الميزات الأميركية كل ماهو كفيل بالكشف الصريح عما لم يُكشف لأمريكاننا العرب بعد من أوجه دمامة خفية في تليد الوجه القبيح للعم سام…مثله الأقدر على سرعة ازالة ما علق بهذ الوجه من زائف الماكياج الأوبامي…

اترك تعليقاً