في أول الفجر.. أسمع صوتك كضباب في حلمي..- ماهر رجا الى بسام رجا

في أول الفجر.. أسمع صوتك كضباب في حلمي..
– ماهر.. أنا هنا !
أراك تظهر في درب تنبع من سديم.. ثم نمشي معاً صامتين على حافة مجرّة مكسورة.. أقول لك وأنا أنظر في الفراغ:
– أنا وحيد بعدك..
تبتسم وتنظر إلي بعيني طفل، وتأخذني من يدي إلى حافة شاهقة لنرى فوضى الكواكب المتساقطة..
ثم تترك لي مفاتيح الضباب كي أعود .. تتركني نائماً وتتلاشى.
…..
أستيقظ هذا الصباح على ألم في كتفي وذراعي .. نمتُ أمس شبه جالس وأنا ألاحق أخبار ليالي النيازك من غزة وعليها وحولها وحيالها..
الصور التي تمنحنا كل ذلك الإدهاش، تدفع بي إلى شعور بالعجز أيضا.. أنا الذي لا أملك سوى اللغة، أهمس لنفسي: أأنا جدير بفلسطين ككل أولئك الذين يقاتلون من أجلها أو تنهال عليهم حمم الطائرات؟!..
لو كنتُ هناك ربما كنت أفكر الآن بجهة الانفجار القادم، وأرمي بقلبي إلى مكان المبنى الذي سيقصف بعد قليل ويهوي على أجساد ساكنيه، وأركض في الطرقات تحت هدير الطائرات مع الرجل الذي فقد كل أبنائه.. وللمفارقة سأكون فقط محظوظأ لأنه لا أبناء لي!.. لكن في كل الأحوال هنا أو هناك، كنت سأتذكرك بسام.. هذه الحرب تذكرني بك أيضاً..كل شيء يذكرني بك.
أقف قبالة النافذة .. أتذكر اتصالاتك المتكررة بي ليلاً ونهاراً في سنوات الحرب السابقة على غزة كلما سمعتَ أنَّة حجر في انفجار أو رأيتَ جرح شهيد في جنازة، وكنت تأتي إلي لتقاسمني العجز والغضب، وربما الفرح الصغير كلما فتحت فلسطين بئراً من آبار الشهب.. نلتقي.. نبقى صامتين أحياناً، وأحياناً أخرى نحكي دون توقف كأن الحديث سيمكننا في لحظة ما من اكتشاف الباب المسحور حيث يختفي قدر اللحظة القادمة من عمر فلسطين، أو لعلنا كنا نحاول فقط أن نهدئ طيور روحينا التي تصطدم بجدران الاتجاهات كالرفيف القلق لسنونو الغروب.
ذات ليلة في الحرب السابقة على غزة..هل تذكر؟.. قدت سيارتك إلي دون اتصال.. في الثالثة صباحاً كنت تقف على بابي:
– لم أستطع النوم. كنت أهيم في الطرقات..
وأخبرتني أن الشهاء الأطفال يهيمون في ردهات نومك ..
قلت لك: حسناً .. ادخل.. ذهب النوم اصلاً,, سيطلع الصباح بعد قليل.
مع ذلك وجدتك نائماً بعد دقائق على مسند الأريكة، فبقيت ساهراً وشربت القهوة وحدي..
..
بعدك استوطنتي وحشة أحس أنها لن تغادرني طوال حياتي .. وبعدك أفعل وحدي كل الأشياء التي كنا نفعلها معاً.. أحادثك وأتوقع ما كنت ستقول، أقترب من فكرة وأتوقع كيف ستراها، أرى مشهد الحرائق في فلسطين وأتخيل عينيك وهما تشقيان أمام صورة الأجساد الصغيرة الشهيدة أو تفرحان لمرآى هذه الأيام الفلسطينية العالية، أو تغضبان من عجز اليدين وفيضان الأسى والسخط في القلب ..
غزة.. الشهداء الذين صعدوا إلى لقاء نجومهم باسمين، الأحياء الذين يؤجلون مواسم أعمارهم بانتظار حرب قادمة، العشاق الذين يتخلفون عن مواعيد الزهور لأن حرباً قادمة ، المقاومون الذين لا ينامون إلا وقوفاً كما تنام الأحصنة.
ووسط كل هذا يهاجمني غيابك.. يهوي على روحي منذ الصباح كضربة فأس.. لو كنتَ هنا الآن كنتَ ستقول ما أقول : ما أقرب فلسطين اليوم!.. ما أقرب الحلم الذي ظنناه أحياناً عصياً..
أقول لو كنتَ هنا الآن، لكنني اكتفي في هذه الوحدة العارية بأن أتقاسم مع نفسي الحوار والهواجس والصورة البهية والقاسية القادمة من فلسطين..
إرثُ قلبك معي يا حبيبي.. ولذلك أنا مازلت أقوم بأفعالنا اليومية حين كنا نلتقي في أيام كهذه؛ أحزن وأغضب وأفرح وأشعر بالعجز وأشتم.. أفعل كل ذلك مرتين؛ واحدة لي وأخرى لك.. ثم فجأة أصمت، أرفع هامتي عالياً وأتنسم الهواء كخارج من سجن.. كما كنت تفعل ايضاً.. كما كنا نفعل معاً.
ماهر رجا