في الذكرى “45″ لحرق المسجد الأقصى.. الجريمة مستمرة – المستشار رشيد موعد

حينما سمعت غولدا مائير، رئيسة الحكومة الصهيونية -آنذاك- بحرق المسجد الأقصى الذي تم يوم  21/8/1969 لم تنم ليلتها، كما نقل عنها، حيث قالت: «لقد حزنت وفرحت.. حزنت لأنني توقعت أن إسرائيل ستزول من الوجود وتحرق، أي أن العرب والمسلمين سينتقمون لمقدساتهم ويحرقوننا.. وفرحت لأن ذلك لم يحدث، بل الذي جرى هو الشجب والإدانة والاستنكار من العرب والمسلمين، ومن العالم أيضاً، وأولئك عهدي بهم.. وهذا لايخيفنا.. فعرفت  أن إسرائيل باقية، وهذا سر فرحي».

كان المجرم مايكل دينيس روهان استرالي الجنسية، قد قام بحرق المسجد الأقصى، وأتت النار على موجوداته وعلى منبره الخشبي القديم المتميز الذي صنع في مدينة حلب السورية، وأهداه القائد صلاح الدين الأيوبي إلى القدس.
وصف الكيان ذلك الشخص بالمعتوه تهرباً من المسؤولية الدولية، وهكذا كان يفعل كلما أتى على عمل جرمي بحق أهلنا العرب في فلسطين، وما أكثرها تلك الأفعال التي مازالت مستمرة.

لقد بقيت إسرائيل والقتلة والمجرمون فيها بعيدين عن العدالة الدولية بفعل حماية قوى الغرب لها، واستمرت في أفعالها الإرهابية التي تستمد من عنصرية إرهابية نظّر لها إرهابيون مثل زئيف جابونتسكي، صاحب نظرية القوة، صاحب المقولة الشهيرة «هناك ضفتان لنهر الأردن.. هذه لنا.. وتلك أيضاً».

بعد صدور القرار رقم 273 تاريخ 11/5/1949 الذي قُبل بموجبه الكيان الصهيوني عضواً في الأمم المتحدة.. وقف دافيد بن غوريون أول رئيس للكيان الذي أنشئ من عصابات الهاغانا والآرغون وشتيرن والتي تكون منها- فيما بعد-الجيش الصهيوني، وقف مخاطباً « أهنئكم بقيام إسرائيل لكن أحب أن أقول لكم.. إن انتصاركم هذا لم يأت من قوتكم.. إنما جاء من ضعف عدوكم».

آنذاك سبعة جيوش عربية دخلت الحرب عام 1948 تحت قيادة كلوب باشا البريطاني الجنسية .

أما الأوربيون فكان لهم رأي آخر في هذا الموضوع..

فلنتخلص من اليهود بتوطينهم بين العرب، وفي مناسبة أخرى قال أحد القادة الصهاينة: «إننا لم نهزم العرب في جميع حروبنا.. إنما هزمنا جيوشهم التي انسحبت من الحرب بقرار ».

وكان مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل قد أكد في أول مؤتمر صهيوني في سويسرا عام 1897 استهداف الصهيونية للقدس بقوله:”إذا قدر لنا وأخذنا القدس.. فسوف أمحو وأزيل كل شيء لايمت لليهود بصلة”.

كلام قيل منذ أكثر من قرن ونيف.. ونرى ترجمته الآن على أرض الواقع، تهويداً للقدس.. وتغييراً لمعالمها، وبناء للمستوطنات فيها، وسعياً لطرد أهلها.

ما يحدث في فلسطين والقدس منذ ستة وستين عاماً برهان قاطع على أن البشرية كلها تغوص في مستنقع اللاشرعية التي تهدد الوجود البشري برمته.

فالقانون الدولي يغيب حينما تحضر القضية الفلسطينية.. ويحضر حين تغيب تلك القضية، ويعود ذلك في قسم منه إلى عدم نجاح العرب في تأكيد قوتهم وحضورهم في الدفاع عن القدس وفلسطين.

يقول الأديب الراحل غسان كنفاني «إذا فشل المدافعون عن القضية.. يجب أن نغير المدافعين لا أن نغير القضية» الأمر الذي أشار إليه جورج مونتارون، الأديب والمفكر الفرنسي بقوله: «أنتم العرب أسوأ مدافعين عن أقدس قضية» القدس فلسطين.. وفلسطين الشام.. والشام هي العروبة وإذا لم نضع هذا التسلسل في اعتبارنا فقدنا أشياء كثيرة في الرأي والرؤية.

القدس حاضرة العرب ثقافياً.. وحضارياً.. ودينياً, لم يغادرها العرب على مدى التاريخ في حين لم يدخلها يهودي واحد طيلة 1050 عاماً تنفيذاً للعهدة العمرية سنة 15 هجري 636 ميلادي.

القدس رمز للهوية العربية, الإسلامية المسيحية، الأمر الذي جسدته العهدة العمرية الموقعة بين كل من الخليفة عمر بن الخطاب والبطريرك صفرونيوس مطران القدس، العربي الدمشقي الأصل، وهو الذي اشترط في العهدة باسم المسيحيين ألا يسكن القدس يهود.. وكان له ذلك.

تعتبر العهدة العمرية أساساً استراتيجياً للتسامح الديني في القدس التي هي امتداد تاريخي للثقافة والتراث العربي، ولكل الثقافات الأخرى العريقة التي تجلت في هذه المدينة المقدسة، والتي تم اختيارها عاصمة للثقافة العربية لعام 2009.

يقول الدكتور محمد عمارة المفكر والمؤرخ المصري: «مدينة القدس بناها الكنعانيون.. وهم عرب أجداد الشعب العربي الفلسطيني في الألف الرابعة قبل الميلاد.. أي قبل ظهور الديانة اليهودية بنحو ثلاثة قرون.. فأين هي علاقة القدس بالديانة اليهودية التي لم تكن قد وجدت بعد».

القدس اليوم.. بعد أن احتلها الصهاينة نتيجة تواطؤ استعماري غربي وضعف وتمزق عربي لا مثيل له في تاريخ هذه الأمة، تواجه واقع القوة الذي يراد له أن يغير هويتها وأن يلغي تاريخاً وحضارة للعرب والمسلمين فيها، بخنقها بالاستيطان والتهويد.

لقد راهن الكيان الصهيوني على أن من ولد في فلسطين وخرج منها عام 1948 وهو الذي كان مشدوداً لأرضه وذكرياته فيها.. يراهن عليه بأن هذا الجيل إذا انتهى تنتهي معه القضية، ولا مشكلة في هذا الموضوع.

وقد ثبت العكس فمن ولد في الشتات خارج أرضه هو أقوى عزيمة وشكيمة وارتباطاً وانتماءً لوطنه وأرضه، وإيمانه بالعودة أكثر من غيره.. ما يؤكد أن إسرائيل جسم غريب وكيان شاذ في هذه المنطقة، وحتمية التاريخ تقضي بزواله.

المستشار رشيد موعد
قاضي محكمة الجنايات السورية سابقاً

اترك تعليقاً