قِيَم مجتمعية تنقلب عكسها … ذهول … وصدمة !؟ – د. فايز رشيد

 من بين عشرات الآلاف من العناوين التي قرأتها , والتي تدور ولو قليلا  حول الموضوع المطروح, استوقفني عنوانان : الأول , عنوان مجموعة قصصية للراحل الشهيد , المبدع غسان كنفاني : ” عالم ليس لنا ” , الثاني , ” لن يفهمني أحد غير الزيتون ” وهو عنوان قصيدة للشاعر عزالدين المناصرة . العنوانان ( برغم أن الكاتب والشاعر ارادا من إيحاءاتهما ربما : أشياء وقضايا أخرى ) ينطقان بنوع من الغربة  عن القيم المجتمعية السائدة حاليا! في أحيان كثيرة : ومن قبل كثيرين, يجري وصف من قام بالنصب ب ” الفهلوي ” !, ووصف الانسان “الأمين ” الذي لا يستثمر منصبه بنهب المال العام بالاغتناء , والذي قد يستدين من أجل قضاء حوائجه الحياتية العائلية ب ” الهبَل ” ! . ” المنافق ” أصبح ” ذكيا ” يعرف كيف يغتنم الفرصة ! , والذي يقول الحق ولو على قطع رأسه  , “غير تكتيكي ” و ” عدواني”. يجري تقييم الإنسان  حاليا من قبل الكثيرين , وفق ما يملك من أموال , وليس لأخلاقه ! وكذلك من حيث مدى احترامه من قبل عديدين في مجتمعه .  في محاولة لتمرير القيم الجديدة يجري التمسك بأقوال وأمثال من نمط : “بقدَر ما تملك , بتسوى ” , ” بوس إيده وادعي عليها بالكسر ” , ” اللي بوخذ إمي بقولوه: يا عمي ” وغير ذلك من المصطلحات الشبيهة .

نرى اضمحلالا  متدرجا لقيَم مثل : الأصالة , المبدئية , الأخلاق العالية , الشهامة , النبل وغيرها من الصفات التي مثلت عناوين رئيسية للوجود الإنساني في عالمنا العربي لصالح ما يوحي بعكسها …. هذا على صعيد الإجتماع .

أما على الصعيد السياسي : فمن يؤمن بتحرير كل أرض فلسطين من النهر إلى البحر يبدو في نظر كثيرين : ” مغامرا ” , لغته خشبية , مثاليا غير واقعي ,  حالما يسبح في الخيال …. كذلك من يؤمن بالوحدة العربية على المدى الاستراتيجي,  وقس على ذلك ! . في كل حقل من مجالات الحياة تجد القيم الأصيلة , والقيم المكتسبة , الطارئة على مجتمعاتنا . في الثقافة هناك مروجو ثقافات النخب الحاكمة وسياساتها وتبراراتها وعجزها . تجد مثل هذه المظاهر أيضا في المجال الإقتصادي وغيره .  في محاولة تفسير هذه الظواهر( أو التي في طريقها إلى التشكل) يتوجب التطرق ولو بشكل مكثف ومختصرإلى بعض المصطلحات التي هي بمثابة القوانين في المجالات المطروحة , وعلى هذا الصعيد نقول :

بداية , فإن الوعي هو انعكاس للواقع . الأخير يتشكل بشكل رئيسي من المعرفة بما يدور في المجتمع من ظواهر : اقتصادية , اجتماعية , سياسية , ثقافية وغيرها . كل هذه الظواهر / المجالات لها نظرياتها المبنية على تعريفات تحاول أن تكون محددة , فالاختلاف حولها كبير وواسع ,لكن هناك سماتا مشتركة لكل واحدة منها  وقاسما مشتركا أعظم فيما بينها. هذه الظواهر ليست منفصلة بعضها عن بعض , فهي مرتبطة بشكل جدلي: تؤثر كل منها في الأخرى وتستقبل تأثيرها , لذا فلا فصل بين الثقافي والسياسي .هذا على سبيل المثال وليس الحصر, وإذا كانت مهمة المثقف أن يحلم , فالسياسي   هو الذي يقوم بتحقيق الحلم ! هذا ما هو متعارف عليه , لكنه يفتقد إلى الصحة التامة , فمن حق المثقف أن يعمل على تغيير الواقع ولا يقتصر دوره على الحلم فقط .  الأمر الأخير يستند  مدارس متعددة , منها : الواقعية ( والواقعية الاشتراكية من ضمن الأخيرة! والأدب والفن  باعتبارهما شكلين ثقافيين لا بد وأن يخدما القضايا المجتمعية – وفقا لبلزاك وفلوبير ) الواقعية الاشتراكية تربط ما بين المجال الحياتي والالتزام بقضايا العموم وعلى رأسها : الوطنية .

على الصعيد الاقتصادي : في مجتمعاتنا نعيش نمط الإنتاج  والعلاقات الرأسمالية واقتصاديات السوق, القائمة بهدف : تحقيق أقصى الأرباح على طريق مراكمة رأس المال للأفراد والشركات  ولفئة طبقية معينة, بغض النظر عن مدى استغلالها للبشر.بالتالي : فإن العامل الاقتصادي له الدور الرئيسي في توجيه الحس المجتمعي  ومن ضمنه الثقافي , سلبا أو إيجابا, وفي انتاج الأفكار والوعي المجتمعي ,لأنه ووفقا لهيغيل : فإن  النشاط الاقتصادي  هو أصل الحركة الاجتماعية والثقافة . النشاط الإقتصادي وعلاقات الإنتاج ونمطيتها لا بد بالتالي وأن تفرض قيمها , مفاهيمها الجديدة , التي تأخذ طريقها للنمو التدريجي في المجتمع, رغم تضادها مع القيم والمفاهيم التاريخية السائدة , لتشكل نمطية سلوكية جديدة.

على الصعيد السياسي :  برغم أن السياسة هي ” دراسة السلطة ” وفقا “لهارولد لازول “,  أو أنها “دراسة تقسيم الموارد في المجتمع ” وفقا ” لديفيد استون ” , لكن لها تطبيقاتها المختلفة وفهمها المختلف , فمثلا : فإن أرسطو يرجعها تصنيفا إلى العلوم التطبيقية  , نظرا لارتباطها بالممارسة العملية. بدورها فإن الماركسية تعتبرها ” دراسة للعلاقة بين الطبقات ” , وما يسمى بالواقعية يعتبرها ” فن الممكن “, من هؤلاء : غورباتشوف الذي جاء بشعاري : البيريسترويكا والغلاسنوست ( إعادة البناء والعلنية ) اللذن دمرا الاتحاد السوفياتي وفككاه , كما دول المنظومة الأشتراكية . لذا , فإن للسياسة دور في صياغة المفاهيم والقيم المجتمعية .

المقصود القول : أن القيم المجتمعية المتراكمة تدريجيا عبر عملية تاريخية طويلة , وعبر خصوصية ثقافية وبالتبادل مع الثقافات الأخرى( الأوروبية مثلا : كانط ومن سبقوه ) , وعبر علم الاجتماع ( وفقا لابن خلدون , وأرسطو ومن سبقاه : سقراط وأفلاطون)  , وعبر السياسة  ,والاقتصاد وعلاقاته : هي حصيلة  معرفية قادرة على التشكل وفقا لنمطية العلاقات بين كافة المجالات المختلفة .

ليس كل ما يلمع , ذهبا  , وليس كل جديد يعتبر مفيدا ! المهم هو معرفة الموائمة بين القديم والجديد ومفاهيم المجتمعات الأخرى في قالب يهدف إلى تعميق القيم المجتمعية الأصيلة , وبالشكل الذي تخدم فيه هذه القيم والمفاهيم كل قضايا المجتمع ومنها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وعلى رأسها الوطنية بالطبع , فما يجري من تحريف مقصود لهذه القيم الجميلة يهدف إلى : تسييد ثقافة معينة , على رأس جدول أعمالها : تخريب النسيج الاجتماعي لمجتمعاتنا ولأمتنا العربية وتفكيكها أيضا .

ما يجري يدعو بالفعل إلى الإنذهال ويشكل صدمة حقيقية لعديدين تربوا على القيم الأصيلة والجميلة وما زالوا يتمسكون بها رغم كل المعيقات والتقييمات والاتهامات , يخفف من وقع ذلك : إدراك أبعاد وأسباب هذه المتغيرات القيمية بأشكالها السلبية للأسف وليس الإيجابية . رغم كل ذلك وكما يقول المثل ” ما زالت – وأضيف : ستظل – الدنيا بخير” , والبقاء للظواهر والقيم الجميلة وليس لمحاولات تحريفها .

قِيَم مجتمعية تنقلب عكسها … ذهول … وصدمة !؟ – د. فايز رشيد

اترك تعليقاً