كنعان النشرة الإلكترونية- السنة الخامسة عشر – العدد 3736 – مجموعة مقالات

في هذا العدد:

في عيونهم قبل عين الصهيوني، عادل سمارة

شتاء العرب، الطاهر المعز

«مين جاب الدب لكرمو»؟ ثريا عاصي
جاء رد المقاومة  …فصرخت إسرائيل ألما و صمتت، أمين محمد حطيط

مؤتمر موسكو: انتهاء صلاحية “الائتلاف السوري”، ليلى نقولا الرحباني

● ● ●

في عيونهم قبل عين الصهيوني

عادل سمارة

نعم بمساحة أضرحة الشهداء، وباتساع جراح الجرحى، وبمدى حزن الأرامل والأيتام في عتيمات الليالي وبرد غزة ودماء حمص  وكل العطشى لطلقة عز.

طلقة في عيونهم قبل عيون الصهيوني الغادر المرتاع رغم الحديد والصياصي التي يتحصن بها، في عيون ملوك النفط وفائض نفطهم الذي يحرق كبدنا في سوريا وليبيا واليمن،في عيون الملك الذي رحل والملك الذي أتوا به، وفي عيون فائضهم من الإرهابيين الذين يساقون إلى المسالخ حتى لحمهم لا ينفع لسماد الأرض.وفي عيون فيالق التطبيع التي تختفي في أعماق الجحور.

طلقة واحدة في لحظة واحدة وتذوب  عقودا من التفاوض.

واصلوا القصف إذن حتى تنهار الجحور على الصهيونية العربية  وحينها سيقف العدو ليستجدي هو التفاوض حين لا تفاوض ينفع.

منذ السِفَاح الذي أتى بهذا الكيان وفيالق استدخال الهزيمة تقوي من ساعده وتشد من عضده وليس عام 2006 ببعيد، وتقول له اصبر قليلا وسينهار كل شيء.

لكن العدو ابعد من غباء هؤلاء، فمن لم يفكر من بيت العدو قبل اليوم بان لا مقام له في ديارنا، لا شك يفكر اليوم، يسحب رصيده من المصارف، ويبيع ما يملك بأبخس  الأثمان ويخرج من البيت الذي استوطن فيه بعد رحيلنا، ويعدو بين مكتب رحيل وآخر، جسده هنا وحلمه هناك. وهكذا كيف رحلت حيفا 1948، سيرحلوا من حيفا.

يراجع العدو اليوم أساطيره، ويعيد كتابة وترجمة ما قاله هرقل: “سلام عليك يا سوريا ، سلام لا لقاء بعده”.

 وفي عيون المبادرة العربية التي ألفها الصهيوني وبصمها الملك الراحل، في عيون جامعة الدول العربية التي ترى ارتعاد العدو وتحلم رغم ذلك بالفتك بسوريا.

وفي عيون قوائم مرشحي الكنيست التي لم تردعها عنصرية الكيان الاستيطاني، بل التي تنضوي تحت راية الصهيونية باسم العروبة!! المقاومة تصعد وهم يهبطون على مقاعد ذل طوعي.

في عيون الطابور السادس الثقافي بشقه الموسادي  وشقه الوهابي، وشقه ما بعد الحداثي، وشقه العثماني وشقه الفرانكفوني …وما أكثرها.

 في عيون حكام خمسين دولة هرعوا يندبون شارلي أيبدو، وأكثر من خمسين ينوحون ملك المحارق والدماء.

في عيون مثقفي وساسة التكسب والتلوُّن .

بل في عيون ما تسمى الأمم المتحدة، مؤسسة تغطية المذابح بل تحفيز المذابح لأجل راس المال.

غبار يزيل غباراً، غبار الاشتباك يزيل عن القلب غبار القلق والحزن.

إلى كل الذين في عيونهم نقول: ودَّع هُريرة إن الركب مرتحلُ.

ولا سلام إلا على الزناد. فانتبهوا ولا تناموا فالعدو الممتد من واشنطن إلى تل أبيب إلى مهاد مكة ، هذا عدو لا ينام.

● ● ●

شتاء العرب

الطاهر المعز

كانت جدتي تكره فصل الشتاء، لأنه عدو الفقراء، حسب ادعائها، ويفرض عليهم أن يتناولوا غذاء دسما ويلبسوا رداء دافئا وأن يتدثروا جيدا أثناء النوم، ومن أين لهم بذلك؟ وورثت أمي عنها عداوة نحو هذا الفصل، وتوفيت الإثنتان في فصل الشتاء…

تذكرت جدتي عندما اشتد البرد أثناء الأسابيع الأخيرة، في الوطن العربي، وبالأخص في مشرقه، وأرقني وضع اللاجئين الفلسطينيين، خصوصا في غزة، حيث بقي الحديث عن “إعادة الإعمار” مجرد هذيان، وبقي أكثر من 100 ألف منهم في العراء، وكذلك وضع اللاجئين السوريين الذين استغلهم النظام الأردني لاستجداء الأموال، واستغلهم النظام الطائفي اللبناني ليصبحوا “سبب كل مشاكل لبنان” (بعد الفلسطينيين طبعا)، واستغلهم النظام التركي ليقوي مركزه كقوة اقليمية في المنطقة…

لم يقتصر حالنا (نحن العرب) على مجابهة الظروف المناخية في هذا الفصل، بل اكتملت الردة في تونس ومصر، وتهاطلت المشاريع الإمبريالية لاعادة احتلال المنطقة، بمساعدة نشيطة من عرب النفط الذي وهبوا المال والعتاد والأرض (لإقامة القواعد) لإعادة احتلالنا بتعلة “محاربة الإرهاب”، بعد أن تعذر العثور على “أسلحة الدمار الشامل”…

في العقود القليلة الماضية، شهد شهر كانون الثاني/يناير انتفاضة في مصر سنة 1977 ضد غلاء الأسعار ورفع الدعم عن رغيف الخبز، تطبيقا لشروط صندوق النقد الدولي، وأعلن السادات أنها مؤامرة دبرها بعض الشيوعيين وقطاع الطرق، وامتلأت السجون بالمعتقلين، والمقابر بالمقتولين عمدا وبإضمار مسبق… أما انتفاضة 25 كانون الثاني 2011 فقد عصفت برأس نظام حسني مبارك (مؤقتا)، من أجل مطالب “الخبز والحرية والكرامة” لكن للأسف فقد برأ القضاء رموز النظام السابق وأطلق سراح من كان منهم معتقلا ودخل مكانهم من ثاروا ضده وتسببوا في إسقاطه، بل قتلت قوات القمع “شيماء الصباغ” وما لا يقل عن عشرين آخرين في الذكرى الرابعة للإنتفاضة، بعد أن استتبت الأمور للكمبرادور والجيش (مؤقتا؟) بالحديد والنار والقوانين الجائرة والقضاء المنحاز… أظهر ممثل المؤسسة العسكرية المصرية (التي تتحكم بها الآلة العسكرية المريكية) انه أشد عداء للفلسطينيين من حسني مبارك، فأحكم حصار غزة وهدم جزء من رفح المصرية بهدف إحكام الرقابة على الجزء الفلسطيني من المدينة، وعزز التحالف مع أكثر الأنظمة العربية رجعية، مقابل حفنة من البترودولارات (في شكل قروض) وكان من أول القرارات التي اتخذها الجيش، تجريم التظاهر والإضراب وأشكال الإحتجاج الأخرى، وعادت وسائل الإعلام تسبح بحمد الحاكم ليلا نهارا، دون أي “صوت نشاز”

في تونس نفذ العمال إضرابا عاما، هو الأول في تاريخ البلاد، يوم 26 كانون الثاني 1978 من أجل زيادة الرواتب ووضع حد لتدهور وضع العمال، فأخرج نظام بورقيبة الجيش من الثكنات، لمساعدة قوات الشرطة على قتل المئات واعتقال النقابيين، وبعد سنتين، احتل رجال مسلحون ثكنة عسكرية في مدينة “قفصة”، فتدخل الجيش الفرنسي (الطيران) وانتهت العملية بعدد لم يعلن ابدا من القتلى والمعتقلين وصدر عدة أحكام إعدام، نفذ معظمها…

في أواخر كانون الأول 1983 وبداية كانون الثاني 1984 عمت البلاد احتجاجات ضد رفع الدعم عن المواد الغذائية، ومضاعفة أسعار الخبز والعجين، تطبيقا لتعليمات صندوق النقد الدولي، وأسفر تدخل الجيش عن حوالي 600 قتيل إضافة إلى آلاف المجروحين والمعتقلين من الشباب، وتراجعت الحكومة مؤقتا عن زيادة الأسعار…

في كانون الثاني 2008، انتفضت منطقة “الحوض المنجمي” في الجنوب الغربي من تونس (منطقة قفصة وما حولها، حيث مناجم الفوسفات) من أجل توفير الوظائف والتخفيف من حدة البطالة، ودامت الإنتفاضة أكثر من ستة أشهر، لكن النظام تمكن من محاصرتها، ومن عزل المنطقة وتطويقها بالجيش والدرك، فلم يتجاوز صداها هذه المنطقة الفقيرة، وأسفرت عن اعتقال عدد من أهالي المنطقة، ولكن بعد سنتين ونيف، وبداية من 17 كانون الأول 2010 انطلقت المظاهرات في المناطق المحرومة، وسط وجنوب البلاد، ثم انتشرت في مختلف المناطق الأخرى، من أجل الشغل والحرية والكرامة، إلى أن هرب رأس النظام، وكما في مصر فقد سقط الرأس وطلعت رؤوس أخرى، جاء بعضها من سلة مهملات التاريخ، ليحكموا “باسم الثورة” ويأتمروا بأوامر ممثلي الإمبريالية الأمريكية والإتحاد الأوروبي، فأنكروا وجود قناصة النظام الذي قتل العديد من المواطنين ونددوا بالإضرابات والإحتجاجات، “لأنها تخيف السائحين والمستثمرين” (الأجانب طبعا)، وأدمجوا في أحزابهم وقوائمهم الإنتخابية رموز الفساد والرشوة والقمع والتزلف الخ

في تونس كما في مصر، أطلق القضاء العسكري والمدني سراح من اعتبروا مسؤولين عن الإغتيال والقمع، واعتقلت الشرطة، بنفس الحماسة “المشاغبين والمصطادين في الماء العكر” وزج بهم القضاء المنحاز في نفس السجون ليستقبلهم نفس السجانين بنفس عقلية 2010 أو ما قبلها، وفي كلا البلدين تدهور وضع العمال وارتفعت نسبة البطالة ونسبة الفقر، وتواصلت خصخصة القطاع العام بوتيرة أقوى من عهد حسني مبارك أو زين العابدين بن علي، وحكم الإخوان المسلمون في كلا البلدين وأظهروا ولاء غير مشروط للإمبريالية وشاركوا في العدوان على ليبيا وسوريا (كل حسب جهده) وأغرقوا البلدين بالديون الخارجية التي ستتحمل الأجيال القادمة تبعتها، وطبقوا شروط صندوق النقد الدولي بحماس منقطع النظير، “وآخر الطب الكي”، عاد من ثار ضدهم الشعب، من صناديق الإقتراع، وتميزت الإنتخابات بضعف المشاركة وتغييب من أشعلوا نار الثورة، إذ لا تفوز بالإنتخابات سوى القوى المنظمة والتي تمتلك الأموال الكافية لضرورات الدعاية الإنتخابية والتنقل وكراء المحلات ورشوة الناخبين

خلال هذا الشتاء (2014-2015)، تميز الطقس ببرودة استثنائية، وتميز الوضع العربي بردة منقطعة النظير، بعدما سرى الأمل في صفوف الفقراء والعمال والعاطلين وغيرهم من الكادحين، ويتوجب البحث في أسباب فشل انتفاضتي مصر وتونس، وضعف الرد الشعبي على العدوان الأمريكي والأطلسي المستمر في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وليبيا وغيرها من بلاد العرب

كانت الإنتفاضتان عفويتين، بدون برنامج أو قيادة أو ترتيب للأهداف الآنية والبعيدة، وبدون بديل للأنظمة القائمة، لذلك كانت قوى الإسلام السياسي (التي لم تشارك، بل عارضت الإنتفاضتين) جاهزة وحازت على رضا من يتحكم في اقتصاد البلدين، أي الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، ولم تجف بعد دماء الشهداء حتى عاد رجال (ونساء) النظامين إلى البروز، لأنهم لم يفقدوا شيئا من مصالحهم ونفوذهم وشبكاتهم، بل استطاعوا استمالة اليسار المائع إلى صفوفهم، فدعت بعض قوى اليسار إلى مساندة عبد الفتاح السيسي في مصر والباجي قائد السبسي في تونس، بحجة “قطع الطريق أمام الظلاميين”

لكي لا نكرر نفس الأخطاء، وجب البحث في برنامج وأهداف وطرق إنجاز الإنتفاضة المقبلة، وعدم الإكتفاء بالمطالب ذات الصبغة الديمقراطية، بل إعداد برنامج سياسي واقتصادي ثوري، قابل للتطبيق والتمويل وحل مشاكل البطالة والفقر وإنتاج ما نحتاجه من مواد أساسية، وافتكاك السلطة والمحافظة عليها، من أجل تحقيق الأهداف التي قتل من أجلها الشهداء، في حين أصيب الآلاف بإعاقات مختلفة الخطورة، وعند ذلك فقط يمكن أن نسمي ما حدث ربيعا، فالشتاء يسبق دائما الربيع، ولا يوجد استثناء لهذه القاعدة

● ● ●

«مين جاب الدب لكرمو»؟

ثريا عاصي

المستعمرون الإسرائيليون يتسلمون « مخطوطة التوراة العراقية « من الولايات المتحدة الأميركية. أُفرِغت متاحف العراق أثناء الغزو. دخلها «الحرامية» الأميركيون أولا. حطّم الإسلاميون تمثال أبي العلاء المعري، ثم تمثال المتني. نسفوا دور العبادة وأضرحة الأولياء. قالوا الإسلام هو نحن ومن لا يبايع نقتله برصاصة في الرأس . فككوا المصانع في سوريا. أحرقوا محطات توليد الطاقة ومحطات تكرير المياه. قطعوا مياه الشفة عن مدينة حلب. تعرضت المدارس لهجمات إنتحارية. توضأ الإنتحاري وقتل في مدرسة عكرمة المخزومي أزيد من أربعين طفلا. قضى في ملجأ العامرية في بغداد أضعاف هذا العدد!..
مجمل القول أن ما يجري في سوريا سبق أن أصاب العراق. السيناريو واحد. تغير الممثلون والمخرج. أدى الإسلاميون من جبهة النصرة وداعش نفس الدور الذي قامت به في العراق قوات الغزو الأميركي وجيوش الوكالات الأمنية الخاصة على شاكلة بلاك ووتر، التي جندت عشرات الآلاف من المرتزقة.
ماذا يجري في بلادنا ؟!
أليس غريبا أن تفتح «الثورة» مغاليق المجتمعات من تونس إلى اليمن إلى سوريا، أمام الإخوان المسلمين وأمام الذين يلبون نداءاتهم إلى الجهاد؟ هكذا فعلوا في أفغانستان حيث حاربوا السوفيات لحساب الولايات المتحدة الأميركية. ثم وقعت فاجعة مماثلة في العراق.
لم أسمع عن ندوات عقدت بقصد استخلاص العبر من هاتين الفاجعتين. المصيبة من وجهة نظري هي في أن الناس في أكثريتهم، صاروا لا يعتبرون ولا يسمعون ولا يبصرون. هكذا تكررت الفاجعة منذ كانون الثاني 2011 خمس مرات. قلما تطرح الأسئلة الصحيحة؟
الإشكال هو في أن يتوكل المستعمرون بأمر إرساء الديمقراطية ومحاربة الفساد في بلاد كمثل سوريا. إلى متى نرجئ مراجعة ضمائرنا ومناهج عملنا وطرق بحثنا وفكرنا. كيف تحولت جمهورية أفغانستان الديموقراطية (1978 ـ 1992) بقيادة الحزب الديمقراطي الأفغاني (الحزب الشيوعي) إلى دولة طالبان «الإسلامية»؟ من هي الأطراف التي ساهمت في هذا التحول؟؟ ما هي العوامل التي جعلت ميراث حزب البعث في العراق، العلماني (1968 ـ 2003) يقتصر على ديموقراطية مذهبية وعلم وطني يتوسطه شعار ديني فوق ركام وطن؟
يحق لنا في هذا السياق أيضا أن نسأل الثورة المزورة في سوريا التي أسلمت أمرها إلى السيناتور الأميركي ماكين والوزير الفرنسي فابيوس والرئيس التركي أردوغان والشيخ القطري القرضاوي وعضو الكنيست الاسرائيلي عن محصلة «أعمالها». كم من السنوات سوف تلزم السوريين حتى يصعدوا من الهوة التي هم فيها، إلى سطح الأرض ليس في تركيا أو في معسكر في بلد أوروبي ولكن في بلادهم؟ لماذا أرجعت هذه الثورة المزورة سوريا إلى عصر الحجر؟ هل أدرجت هذه الثورة في حساباتها الوسائل التربوية والإمكانيات النفسية والمادية التي يتطلبها رأب تصدّع الجماعة الوطنية السورية فضلا عن إعادة إعمار ما تهدم؟!
خلاصة القول أن الدولة السورية وحلفاءها يدافعون عن سوريا سياسيا وعسكريا، على ثلاث جبهات : جبهةإسلاميي داعش والنصرة عربا وغرباء والذين يدعمونهم بأموالهم ويؤيدونهم بصمتهم، جبهة المستعمرين الغربيين والإسرائيليين، وجبهة الثورة المزورة التابعة للدول النفطية الخليجية ولتركيا!

:::::

“الديار”

● ● ●

 

جاء رد المقاومة  …فصرخت إسرائيل ألما و صمتت

العميد د. أمين محمد حطيط

تميزت المقاومة الإسلامية خلال تاريخها الحافل بالإنجازات، تميزت بحرفيتها وارتقائها التصاعدي في مسار اكتساب الخبرات وتراكمها، وامتلاك القدرات وتطويرها، الأمر الذي مكنها من تحقيق إنجاز التحرير في العام 2000، ومنع عدوان إسرائيل في العام 2006 من تحقيق أهدافه، لكن رغم كل ما قامت به وكتبته من صفحات ناصعة في سفر الكرامة والقوة، فان عمليتها في مزارع شبعا بتاريخ الأمس 28\1\2015 جاءت في طبيعة وأسلوب وظروف تختلف عن كل ما سبق، وأحدثت أو فرضت من النتائج والتداعيات ما سيرخي بأثره على مجمل المشهد في المنطقة.

فمن حيث التوصيف، نفذت العملية على ارض لبنانية محتلة، هي مزارع شبعا ونقول لبنانية محتلة خلافا لما يحاول البعض إثارته من شكوك حول هذا الأمر ويصفها بانها متنازع عليها، وهي لم تكن يوما محل نزاع مع أحد فلا إسرائيل ذاتها ادعت أنها ارض فلسطينية، ولا سورية قالت يوما إلا بلبنانيتها ـ وبطبيعة الحال فان لبنان في العام 2006 اثبت ذلك وبتأييد ودعم كاملين من الحكومة السورية، وهو دعم لم يتغير يوما.

عملية تمت ضد هدف عسكري إسرائيلي يمارس العدوان في مزارع شبعا عبر تكريس الاحتلال، وبالتالي تكون العملية ممارسة لحق مشروع من قبل المقاومة الإسلامية التي ينظمها حزب الله وهو حق المقاومة من اجل التحرير.

أما من حيث الطبيعة فالعملية تعتبر عملا عسكريا نوعيا معقدا عالي المستوى ،  نفذ في ظل استنفار إسرائيلي شامل و تأهب و حشد للقوى و تهيئتها للدخول في حرب على كامل الجبهة الشمالية للعدو ، و مع ربط  العمل بجريمة إسرائيل في القنيطرة التي ارتفع فيها شهداء سبعة للمقاومة فيكون من المذهل في الأمر قصر المدة  التي استغرقها التحضير و التنفيذ، إذ في أسبوع واحد تم كل شيء شاملا أعمال الاستعلام و الجهد الاستخباري ثم عمليات الاستطلاع و ما يعقبها من جزئيات التنفيذ و الانتقال ثم الانقضاض و التفجير ، كل هذه الأمور نفذت في منطقة ذات جغرافية غير عادية لا بل تعتبر صعبة في ذاتها منطقة جبلية تكسوها الثلوج  يركز العدو جهده الاستخباري المتعدد الجوانب عليها بحيث انه كان يفاخر بانه يحصي الأنفاس لكل من يتحرك فيها … و رغم كل ذلك نجح المقاومون في تنفيذ  العملية و في هذه المدة القصيرة و لم يستطع العدو اكتشافها حتى اندلعت النيران بقافلته  .

و على صعيد التصنيف العام فان العملية جمعت في ذاتها بين امرين ، العمل المقاوم و  العمل الانتقامي الردعي،  في الصفة الأولى أكدت  المقاومة حقيقة حاول البعض غرس عكسها في الأذهان حقيقة بانها لن تنسى أرضا لبنانية محتلة ، و أن ظن البعض و قولهم بان المقاومة تخلت عن وظيفتها في العمل المقاوم عندما انصرفت للدفاع عن محور المقاومة في سورية ، أن هذا الظن هراء و ادعاء أو تلفيق لا صلة له بالحقيقة و الواقع ، أما بالنسبة للثاني فقد أكدت المقاومة أن دماء شهدائها لا يمكن أن تذهب هدارا و أن الجريمة الإسرائيلية في القنيطرة لن تمر من غير عقاب ، و العقاب يكون من نوع الجريمة مع ضوابط أخلاقية و قانونية و شرعية يتقيد بها حزب الله خلافا لما تقوم به إسرائيل من انتهاك لقواعد الأخلاق و القانون . وفي هذا الأمر تكون المقاومة قد ثبتت معادلة توازن الردع التي أرادت إسرائيل أطاحتها في القنيطرة.

و يجب التوقف عند الحرب النفسية التي شكلت علامة فارقة في سلوك المقاومة بعد جريمة القنيطرة ، حيث نسجل أن حزب الله التزم الصمت المطبق حتى انه تنصل من أي قول أو تصريح  نسب لمصدر وصف أو ادعى انه من مصادره  ، ثم كانت العبارات الملفتة التي جاءت على لسان المسؤولين الذي يلون السيد حسن نصرالله في التراتبية التنظيمية ، حيث قالوا إننا “اتفقنا بان يعلن السيد حسن نصرالله الأمين العام للحزب موقف الحزب يوم الجمعة ” و هو ما أوحى للعدو بان الرد لن يكون قبل يوم الجمعة ، ثم جاء التنفيذ قبل يومين من التاريخ المحدد للخطاب فشكل صاعقة مفاجئة للعدو ، و أخيرا ذاك الذكاء في اعتبار البيان الذي أصدره الحزب عن العملية تحت الرقم واحد ما شكل للعدو رسالة تذكره بما كان السيد حسن نصرالله قاله في العام 2006 ” اذا أردتموها حربا مفتوحة فلتكن حربا مفتوحة ” و الأن الترقيم يعني جهوزية المقاومة لكل طارئ بما في ذلك الحرب و هذا بحد ذاته عامل رادع لإسرائيل عن الانزلاق إلى أي حماقة .

و يبقى أن نسجل ما  تم تأكيد ه في العملية  لجهة وحدة الجبهة بين الجنوب و الجولان وحدة باتت  امرأ واقعا لا رجعة عنه ، فعمل إسرائيل في الجولان ضد المقاومة ترد عليه المقاومة في لبنان و في ارض محتلة ، تأكيدا  لوحدة الجبهة .و على مقلب آخر تؤكد العملية سقوط الظنون بان  المقاومة تراجعت في قدراتها بسبب انشغالها في سورية و أثبتت العملية عكس ذلك مؤكدة بانها ارتقت في القدرات و الخبرات  و من لديه شك عليه أن يقرأ جيدا ما حصل في موارع شبعا و كيفية  التنفيذ .فالمقاومة لن تتخلى عن أي ارض لبنانية محتلة ، و أنها لن تفوت فرصة مهما كانت من اجل التأكيد على قرارها بالتحرير .

أما عن ردة الفعل الإسرائيلي وما يخشاه البعض من تداعيات على لبنان، هنا نؤكد بان العملية جمعت في ذاتها بين عناصر ثلاثة، الرد الموجع، ومنع تشكيل الذريعة للاعتداء على لبنان، وعدم منح نتنياهو فرصة الاستفادة من عدوان القنيطرة، لا بل أن الحصيلة النهائية سترتد عليه سلبا في صندوق الاقتراع ما قد يذكر بما حل بسلفيه بيرس وأولمرت بعد حربي 1996 و2006، وبهذا وضع نتنياهو بين خيارين خيار التصعيد والذهاب إلى الحرب أو خيار الانحناء والقبول بمنطق ضربة بضربة.

و بالنسبة للحرب فأننا نستبعد إقدام إسرائيل على هذا الخيار لان الحرب بذاتها لا يمكن أن تكون قرارا إسرائيليا منفردا بل هو قرار أميركي قبل كل شيء و لا يمكن لإسرائيل أن تذهب إلى الحرب من غير قرار أميركي ، و أميركا اليوم ليست أميركا 2006 ، فهي في حالة انحسار عن المنطقة خلافا لما كانت عليه يومذاك ، و هي لا تحتمل حربا في منطقة باتت فيها الشعوب مسلحة إلى جانب الجيوش التقليدية حيث ترسخت ثنائية القوى المدافعة عن الأوطان ثنائية بين الجيش و الشعب بمقاومته أو دفاعه الوطني أو الحشد الشعبي أو التعبئة الشعبية . فالحرب إن وقعت في ظل هذا الواقع ستطيح بالمصالح الغربية ولن تستفيد منها إسرائيل لذلك نستبعدها. أما الخيار المتبقي أمام نتنياهو فهو الرد الموضعي المصحوب باستعراضات تهويلية تنفيسية مع تهديد بأمور يعلم نفسه أنها غير قابلة للتنفيذ وغير قادر على احتمال ردة الفعل عليها. نقول ذلك دون أن نتأثر بما صدر عن أميركا عن أن العملية لا تستوجب حربا أو ما صدر عن إسرائيل من تصريح بان الرد على العملية انتهى واقتصر على ما أطلقته من قذائف لان هذه المواقف قد تكون ضربا من الخداع بذاتها لكننا موضوعيا نعتقد بما ذكرنا.

لقد صمتت المقاومة عندما ارتكبت إسرائيل جريمتها ولم تئن، ثم فعلت المقاومة في المكان الصحيح وفي الوقت المناسب وضد الهدف المناسب فصرخ العدو واختل توازنه، وكان فعلها موجعا مثبتا لحقها في المقاومة، ومثبتا لمعادلة أراد العدو إجهاضها هي معادلة توزان الردع، ومطيحا بأهداف كان العدو يبتغي تحقيقها بجريمته فجاء الرد بليغا زاجرا رادعا مؤلما افهم إسرائيل أن المقاومة هي التي لا تقهر.

:::::

“البناء”، بيروت

● ● ●

مؤتمر موسكو: انتهاء صلاحية “الائتلاف السوري”

د. ليلى نقولا الرحباني

بانعقاد المؤتمر التشاوري بين وفود من المعارضة وممثلين عن النظام السوري، يكون الروس قد ساهموا مساهمة حقيقية في بدء مسيرة الألف ميل في الحل السياسي السوري الممهِّد لتسوية تُخرج سورية من محنتها، علّها تبدأ بلملمة الجراح وإعادة الإعمار.

 يدرك الروس تماماً أن مفاتيح الحل السوري ليست بيدهم وحدهم، ولا بيَد الولايات المتحدة الأميركية والغربيين بمفردهم، بل هي مجموعة من المفاتيح، يملك كل طرف من الأطراف الدولية والإقليمية، والمحلية السورية، بعضاً منها. وبغض النظر عن نتائج هذا المؤتمر، ومدى قدرة المعارضة والسلطة على الوصول إلى وثيقة ختامية تكون نواة حقيقية للانطلاق منها لإيجاد حل – تسوية للصراع الذي دخل عامه الرابع، فإنه بصدور وثيقة أساسية جامعة للمعارضة، يكون اللقاء قد حقق نجاحاً مقبولاً.

 بعكس المعلَن؛ قد يكون الهدف من اللقاء التشاوري ليس التشاور بين النظام والمعارضة والوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة، بل التشاور بين المعارضين أنفسهم، والتوصُّل إلى معارضة فاعلة بديلة لـ”الائتلاف” المتهالك، وهو ما جعل الأميركيين يدفعون “الائتلاف” إلى عدم المشاركة فيه، ليس لإفشاله، بل بسبب انتهاء صلاحيته.

 يقف الغربيون، والأميركيون بالتحديد، أمام معضلة “وجود معارضة سورية” مقبولة، ولها احترام لدى الشعب السوري، ويقبل النظام بمفاوضتها، وقادرة على فرض نفسها كندٍّ في المفاوضات.

 لقد ظهر جلياً أن الأميركيين سئموا خلافات وبطالة مجموعات “الائتلاف السوري”، لذلك باركوا قيام القاهرة بمحاولة تشكيل هيكلية معارضة جديدة، يكون “الائتلاف” ممثلاً فيها كطرف وليس كجزء أساسي، مع إعطاء زخم إضافي وسيطرة للمجموعات الداخلية وتلك المعروفة بمعارضتها للنظام ومعارضتها للتدخل العسكري وتقسيم سورية.

 وبعدما فشلت كل من تركيا والسعودية في القيام بالمهمة الموكلة إليهم بالقضاء على النظام السوري، بات الجميع ينظر اليوم إلى مصر، باعتبارها دولة محورية في العالم العربي، ويمكن للحكم الجديد فيها أن يلعب دوراً في تقريب وجهات النظر بين المعارضة السورية والنظام السوري، الذي لن يقبل وساطة أي دولة عربية ساهمت في تقويض استقرار سورية وسفك دماء الشعب السوري.

 لذا، يعوّل الجميع في الشرق والغرب على نجاح المعارضة في موسكو والقاهرة في تأسيس نواة متماسكة، والاتفاق على برنامج واضح، للانطلاق منه إلى المفاوضات في المستقبل. إن هذا النجاح سيدفع الغرب إلى التعاون وبناء شراكة مع تيارات سورية معارضة تختلف عن تلك التي جنت الأموال الطائلة من خلال ابتزاز الغرب، ولم تستطع أن تضبط حياً أو شارعاً سيطرت عليه مجموعاتها المسلحة، أو تكسب ثقة المجتمع السوري.

 وقد قام الرئيس السوري بشار الأسد بالضرب على وتر هذه المعضلة الغربية بالذات، عندما قال في حواره مع مجلة “فورين افيرز” إنه “لن يحاور الدمى”، وهو يدرك أن الغرب محرَج بأمر المعارضة التي أسّسها وجعل منها “ممثلاً وحيداً للشعب السوري”، والتي لم تستطع الخروج من ذهنية “العاطل عن العمل”، والذي يمارس المعارضة كمهنة طال انتظارها، لا بل إن التجهيزات العسكرية والسلاح الذي تسلَّمه هؤلاء، بات إما بأيدي المجموعات الإرهابية، أو يباع في السوق السوداء لتجارة السلاح المنتشرة على الاراضي السورية والعراقية، وحتى اللبنانية. والمضحك المبكي أن مجموعات “الائتلاف السوري” ما انفكت تردد في الغرب أن الحل للتخلص من “داعش” لن يكون عسكرياً، وأن وجود “داعش” هو نتيجة للظلم التاريخي والتهميش، واستئصاله يكون فكرياً وإنمائياً، وبالتخلص من مسبباته، أي بتدخل “عسكري” يؤدي إلى احتلال سورية واقتلاع النظام.

 حسناً فعلت المعارضة السورية الموجودة في موسكو بالتوصُّل إلى مسودة اتفاق تقوم على تجزئة الحل السوري، بعدما تعذّر التقدُّم من خلال الشروط التعجيزية والأوهام التي أدخلها “الائتلافيون” برؤوس الغربيين أو العكس، ومن الآن فصاعداً سيتعامل الأميركيون مع هذه المعارضة (إن استطاعت ضمان وحدتها وفعاليتها) بصفتها جزءاً من الحلّ القادم، ولو بعد حين، وليس المطلوب منها أن تكون لها سيطرة على المجموعات المسلحة، وهي التي ما انفكت ترفض العسكرة، لأن أمر المجموعات المسلحة لم يكن يوماً بيَد سورية، بل كان دائماً مرهوناً بالخارج الذي يموّلها ويستفيد منها، مع العلم أن وجود معارضة وطنية موحَّدة ودعوتها الجميع إلى إلقاء السلاح وحصره بيد الجيش السوري قد يدفع العديد من المسلحين السوريين إلى إلقائه والدخول في تسوية مع السلطات السورية.

______

تابعوا مجلة “كنعان” الفصلية على الرابط التالي:

http://kanaanonline.org/quarterly

 

تابعوا “كنعان اون لاين” Kana’an Online على:

  • ·       “كنعان” بالعربية:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar

  • ·       “كنعان” بالانكليزية:

http://kanaanonline.org/ebulletin-en

  • ·       “فيس بوك” Facebook:

http://www.facebook.com/pages/Kanaan-Online/189869417733076?sk=wall

  • ·       “تويتر” Twitter:

http://twitter.com/#!/kanaanonline

 

  • ·       موقع “كنعان” من عام 2001 الى 2008:

http://www.kanaanonline.org/ebulletin.php

 

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها *

اترك تعليقاً