من صبرا وشاتيلا حتى غزة جرائم مستمرة

 نضال حمد

في مثل هذا اليوم من أيلول/ سبتمبر 1982 بدأت القوات الصهيونية اجتياحها لبيروت الغربية بعدما كان الشطر الغربي من العاصمة أخلي تماماً من قادة ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، الذين غادروا العاصمة بحراً الى الدول العربية تاركين خلفهم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عرضة لكل شيء. إذ أن قيادة المنظمة لم تحصل على ضمانات قوية وحقيقية من الدول الراعية لعملية جلاءها عن المدينة… ضمانات تقضي بحماية حقيقية للمخيمات وأهلها. خاصة أن الحاقدين عليهم في لبنان كانوا منتشرين في كل مكان وينتظرون اللحظة التي تمكنهم من ذلك.

يبدو أن المخطط الصهيوني “الشاروني” كان يستهدف دخول المخميات الفلسطينية من أجل ارتكاب مذابح فيها. فتاريخ شارون وبيغن وكل قادة الكيان الصهيوني مشهود له في الفظائع والمجازر والمذابح والارهاب بكل أشكاله، من دير ياسين وكفر قاسم وقبية والسموع وبحر البقر ورفح وخان يونس والعزازمة والطنطورة والصفصاف الى يومنا هذا …

إختار شارون لهذه العملية قادة وعناصر القوات الفاشية اللبنانية الذين تدربوا في فلسطين المحتلة وتتلمذوا على أيدي قادة الارهاب العالمي في كيان الاحتلال ” اسرائيل” … فكانت المجموعة بقيادة أيلي حبيقة وسمير جعجع ( خرج قبل سنوات من السجن الى القصر فالبرلمان، ليصبح قائدا وطنيا وبرلمانيا من رؤساء الكتل البرلمانية اللبنانية… وهو الآن حليف للحريري وجنبلاط وكثيرين ممن كانوا يساريين وقوميين في زمن جمهورية الفاكهاني وفتح ثورة حتى النصر في بيروت) …

أما شريكه في المذبحة ايلي حبيقة ( تحول إلى حليف لسوريا حتى إغتياله في بيروت مطلع سنة 2002) …

ساهم كذلك في المذبحة بعض أركان حزب آل الجميل – الكتائب اللبنانية… وكذلك حزب حراس الأرز العنصري الدموي الفاشي، الذي احتفل قبل عدة سنوات في لبنان الجديد بمشاركته في ارتكاب تلك المجزرة البشعة … أيضاً كان لعناصر جيش العميل سعد حداد (في ما بعد جيش العميل أنطوان لحد )  دوراً اساسياً في عمليات القتل والإعدام والذبح والتنكيل ودفن الضحايا وهم أحياء في حفر ترابية تم تجهيزها برعاية (إسرائيلية ) شارونية، بالمدينة الرياضية وفي أمكان أخرى مجهولة. مع العلم أنه لازال مصير أعداد كبيرة من سكان المخيمين المفقودين مجهولاً …

كما وشاركت في الجريمة التي هزت العالم عناصر حاقدة على الفلسطينيين ومعادية لهم ، متعطشة للإنتقام منهم ولأخذ ثأر بشير الجميل الذي إغتيل في انفجار كبير هز بيروت الشرقية ودمر مقر المجلس الحربي للقوات اللبنانية الانعزالية يوم 14 أيلول – سبتمبر 1982 … وحصل الإنفجار قبل أيام من تنصيب أسوأ لبناني على الإطلاق بشير الجميل “اسرائيلياً ” رئيساً للبنان المحتل، تماماً كما هو اليوم حال رؤساء العراق وأفغانستان وسلطة الحكم الذاتي المحدود على جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967 .

كانت مهمة القوات الصهيونية بقيادة الجنرال المجرم أرييل شارون وزير الدفاع الصهيوني (فيما بعد رئيس الوزراء ) التغطية على المهاجمين وتسهيل دخولهم الى المخيمات ومساعدتهم لوجستياً وميدانياً وعسكرياً، حيث أشرفوا على العمليات وعلى القتل والخطف والترويع. فيما كانت دباباتهم تقصف المخيمين بالمدافع والرشاشات الثقلية، وتنير بالقنابل المضيئة سماء المنطقة.

استمرت أعمال القتل لمدة 48 ساعة تقريباً من مساء الخميس حتى ظهر السبت 18 ايلول – سبتمبر 1982 . دخلت العناصر الإرهابية المخيمين من معظم النواحي، ووصلت فجر السبت الى مستشفى غزة في صبرا حيث كان يرقد الجرحى والمرضى، وقاموا بقتل الجميع بمن فيهم الطواقم الطبية الفلسطينية. وكانوا فعلوا نفس الشيء في مستشفى عكا بمخيم شاتيلا. أودت المجزرة البشعة بحياة الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين وبعض السوريين والمصريين الذي كانوا يقطنون المخيمين.

 شخصياً كنت محظوظاً على ما يبدو لأنه تم نقلي الى مستشفى آخر في قلب بيروت الغربية من قبل الصليب الأحمر الدولي حيث كنت أخطر حالة في المستشفى. طبعاً كنت فاقداً للوعي تماماً، عرفت ذلك من خلال مشاهدتي لنفسي في فيلم فيديو عند أحد الأصدقاء في مخيم شاتيلا وذلك بعد عودتي من العلاج، الفيلم يصور لحظات خلو المستشفى من البشر قبل المذبحة بدقائق . كما عرفت ذلك من قبل بعض الأصدقاء والصديقات والممرضات الذين حالفهم أيضاً الحظ ولم يذبحوا في مستشفى غزة كما الآخرين … في المستشفى وقبل أن أدخل غرفة العمليات أذكر حديثاً قصيراً جداً حصل بيني وبين الدكتورة “سوي شاي” البريطانية الماليزية الأصل التي شهدت على مجزرة صبرا وشاتيلا في لجنة كاهانا الصهيونية التي شكلت لهذا الغرض. كنت شديد الحماسة في حديثي مع أنني على حمالة الموت بلا ساق والأخرى كانت مصابة إصابات بليغة.

قبل أيام قليلة أهدى القائمون على مهرجان أفلام البندقية في ايطاليا الفيلم الصهيوني ” لبنان” جائزتهم الأولى كأفضل فيلم في المهرجان، مع أنه يتحدث عن جنود صهاينة خدموا في الجيش خلال غزو لبنان سنة 1982 وأثناء حدوث المذبحة في المخيمين.

يدعي هؤلاء الجنود أنهم لم يرتكبوا مخالفات ولا ساهموا في الاعتداء على السكان المدنيين، مع أنهم دخلوا لبنان بدبابتهم مع جيش أحتل بلداً آخراً. لا يمكن القول أنهم لم يشاركوا في ذبح وترويع وقتل الفلسطييين واللبنانيين ولا تصديق روايتهم.. إذ من الممكن أنهم شاركوا كذلك في مذبحة صبرا وشاتيلا. ما نريد قوله هو أن العجز العربي والاستسلام الرسمي، أديا الى تراجع التعامل مع العرب الى أخطر المستويات. وسوف يؤديا الى جوائز تقديرية جديدة للمجرمين. فجائزة نوبل التي نالها بيغن ورابين وبيرس قد تذهب مستقبلاً الى ليبرمان ونتنياهو… من يدري فهؤلاء بدمائنا يحصدون جوائزهم.

لو كان في الدنيا عدل لكانت الجائزة من حق الباحثة د. بيان نويهض الحوت، التي قضت سنوات طويلة في البحث لتقدم فيما بعد للقارئ العربي وللمكتبات العربية كتابها الشهير والهام والكبير ” صبرا وشاتيلا .. كي لا ننسى ” … كتاب مرجعي عن المجزرة تُرجم أيضاً في لندن للغة الانجليزية..

ختاماً نقول أن المخططين ومنفذي المذبحة في المخيمين مازالوا يعيشون بحرية ودون محاكمة ومحاسبة … حيث فشلت تجربة رفع دعوى قضائية ضدهم في بلجيكا. مع أن القانون البلجيكي كان يسمح بذلك قبل أن يلغوه ويغيروه تفادياً لمحاسبة قادة ” اسرائيل ” ومجرمي الحرب اليهود الصهاينة وأعوانهم من الفاشيين اللبنانيين. فيما هناك دولاً أخرى عديدة لا تقبل أن ترفع في محاكمها قضايا ضد الصهاينة وجرائمهم …

أنظروا ما الذي حدث مع القضية المرفوعة في اسبانيا مثلاً… وأنظروا لرفض الصهاينة الاعتراف بلا أخلاقيتهم وبما ارتكبوه من مذابح ومجازر وجرائم حرب وخروقات لكل المواثيق والأعراف الدولية في لبنان وفي فلسطين. وها هم اليوم يرفضون تقرير لجنة ريتشارد غودستون اليهودي الجنوب إفريقي، الذي يعمل كما قال من أجل مصلحة (اسرائيل) ولكي تستمر وتبقى. لم يستطع حتى هذا القاضي أن يغير من الحقيقة شيئاً…  فما سمعه وما رآه عن الجرائم التي أرتكبت في غزة في العدوان الأخير، فاق كل خيال. لذا حاول كما صرحت بذلك ابنته لراديو جيش الاحتلال الصهيوني، بكل مستطاعه تخفيف التقرير ورغم ذلك جاء التقرير قوياً يدين “اسرائيل” ويتهم جيشها بارتكاب جرائم حرب وتجاوزات خطيرة جداً في غزة.

 

 

* مدير موقع الصفصاف

www.safsaf.org

 

من صبرا وشاتيلا حتى غزة جرائم مستمرة

 بقلم : نضال حمد

16/09/2009