من هنا وهناك

الضم وما وراء اللغة – عادل سماره

” الأسرى في سجن النقب يواجهون الحر بإغراق ملابسهم بالماء”

“رأسماليون فلسطينيون يستثمرون بالمليارات في الكيان”

“أوسلو…ضم تدريجي لكامل فلسطين عبوراً إلى الأردن”

” دولة مع المستوطنين برنامج ورائه مضاجعي اللغة”

“وادي عربة نسخة ب من أوسلو”

“مجاملة قيادات فلسطينية لجنرالات العدو تقول لكم: أنتم لم تفهموا أوسلو”

” تلطي عرب التسوية وراء التطبيع الفلسطيني خداع على مستوى الأمة”

“كل من لا يعلن أن مشروعه يبدأ بالتحرير فهو مخادع”

وبعد:

ذات زمن عربي عادي قال أحد الشعراء:

 “وماذا تدَّري الشعراء مني…وقد جاوزت حدَّ الأربعينِ”

أما وقد قارب كاتب هذه السطور على الثمانين، فما الذي يغريه بالكذب؟ 

أبلغ الصمت هو الصمت السياسي حين القمع وحين العجز عن التصدي أو الجاهزية لدفع الثمن حينها يكون الصمت قولا رائعاً مع أنه اضعف القول.

وأكذب النطق هو في السياسي ايضاً. وأوضح القول قول عدوٍ يقف على كل الأرض ويعلن أن اغتصاب فلسطين مقدمة أولى لاغتصاب وأوليّة لاغتصاب يمتد إلى بغداد والدار البيضاء ليكون كل هذا ولاية في حكومة عالمية. كل من يزعم عدم فهم، أو رفض، هذا البيان ذي السطرين فهو بين مُستدخل الهزيمة وبين متواطىء مع هؤلاء.

حقيقة الصراع اليوم تنطق بها قيادة الكيان بأن كل فلسطين لها، والأردن مجرد رجحة يؤجل اغتصابها بعض الوقت وليس بعض الزمن. وإعلان ضم أجزاء من الضفة المحتلة لا يعني أنها لم تُضمُّ بعد، وإلا ما معنى وجود جيش العدو في كل شبر، وبضائعه في كل فم، والتنسيق معه في فوهة كل بندقية!

هل يُعقل أن تجد من لا يفهم هذا!

كل ذي عقل سليم وقلب نقي قرأ أوسلو، وقرأ المبادرة العربية يتأكد بأن هذا العدو المعولم يريد كل فلسطين وكل الوطن العربي وكل العالم، هذه العولمة /عولمة الثورة المضادة مقابل الأممية عدوها، لا رتوش ولا مجاملات. وعليه، كل من حضر يوم هذه المبادرة هو معها ولو بدرجات أما جوهرها فهو استجداء حق العودة والهروب من واجب التحرير. ولو صدق من كتب حروفها لكتب:”الاستسلام خيار استراتيجي” ومن يزعم أن هذه “المبادرة” سلام، هو كمن يخلط الأديان/الدين السياسي بالإيمان.

لذا، يكون أول القول أن لا تكذب. قد لا تقاتل، قد تتلطى، لا باس ، ولكن لا تُخادع بالكذب.
هنا، تضيق المساحة على التلطي، وهذا ينسحب على كل فلسطيني أو عربي أو مطلق شخص.
إقرأ اتفاقات أوسلو Oslo Accords ، فهي تعني:

إن من صاغها هي امريكا والكيان الصهيوني
وهي تعني أن السلطة المركزية في تل ابيب تمنح حزبا سياسيا هو م.ت.ف العمل الإداري في منطقة أو إقليم من الدولة الصهيونية.
وأن فلسطين منذ 5 حزيران أصبحت دولة لكل مستوطنيها.

هذا يعني ان الضم الفعلي حصل ولم يبق سوى تجريع البسطاء حقيقة الضم تدريجياَ
أي تفسير غير هذا هو فقط لتحطيم البعد العقيدي والنفسي للعروبة تحديداً.

بعد إعلان الكيان “قانون القومية” لمئة قومية اي لمستوطنين من مئة قومية، أي لا توجد قومية للمستوطنين، وبعد إعلان مركز الراسمالية في مرحلة العولمة وليس فقط الإمبريالية لصفقة القرن، وبعد إعلان سلطة الكيان قرارها الشكلي بتكرار ضم أكثر من 30 بالمئة من الضفة المحتلة اي المضمومة حتى يصيبها الإغماء، كان:

قرار سلطة الحكم الذاتي أنها “في حل من الاتفاق مع امريكا واسرائيل وعلى الاحتلال تحمل المسؤولياتامام المجتمع الدولي”!وهذا ليس قراراً، فمن قال أن كل شبر ليس في قبضة العدو؟ 

وكان قرار أربع فصائل عدم حضور اجتماع م.ت.ف في رام الله . وهو خطوة على الطريق الصحيح وفقط خطوة لأن المطلوب خروج اللجنة التنفيذية ل م.ت.ف خارج الأرض المحتلة حتى ولو إلى كوبا.

وكان قرار الأنظمة العربية الصمت أو التنديد

.
وكان قرار الحليف الإيراني التنديد

وكان موقف الصديق الروسي الصمت لأنه زوج الإثنتين وهو أميّل إلى الكيان

وكان موقف حكام الخليج الابتهاج سواء بأمر من العدو/كل الثورة المضادة أو لقصور الرؤية عن أن الكيان باتجاه الاندماج المهيمن في كل الوطن العربي إن لم نقل بعد مستوى هائل من الإبادة البشرية.

وكان موقف “المجتمع الدولي: بين من اغتبطوبين من قال في سريرته: “من لا يحمي أرضه لا يستحقها”.

لا يروق هذا القول للكثيرين ونحن نعيش عصر التكاذب والكذب. وإلا، ما معنى سلام مع عدو يغتصب وطنك، بل مع عدو حتى لو يغتصب ارض غيرك؟ 

ما معنى راسمال “وطني” يستثمر في اقتصاد العدو ويبعثر بعض الفلوس في ما يسمى “وقفة عز”؟ ويُقيم مشاريعا مشتركة ويصرح بعض شخوصه بأن راس المال لن ينتظر اتفاق السياسيين! يا للهول! هل يُعقل أن راس المال لا يعرف ان السياسيين على غاية الاتفاق! وإلا، ما معنى وجود سلطة الحكم الذاتي، وزيارات قادة من السلطة لأفراح وأتراح جنرالات العدو! وما معنى التنسيق الأمني؟ 

لو رجعت إلى الفضائيات لسمعت بعض قادة السلطة يقدم تعريفات للتنسيق الأمني تقودكل للتقيؤ، وبعضهم حين يتحدث في لقاء مع محور المقاومة يأخذك باللغة الساخنة وكأنه وصل في التحرير شاطىء يافا. هذا غير أن ترى أحد الراسماليين الذي يستقبل المستوطنين في قرية “روابي” مغتبط وقد فض أزرار قميصه مع ابتسامة جنسية وفي حركة تذكرني بذات يوم حينما وقف الحريري الصغير يهاجم السيد نصر الله وخلع سترته “شمَّر” قميصه! وترى أحد قادة السلطة وهو يهزأ بالقوى الأخرى وكأنه سيطر على مفاعل ديمونا.

لم يكن اتفاق أوسلو سوى الضم التدريجي لكامل فلسطين عبوراً إلى الأردن. وكل من تعاطى مع مؤسسة اوسلو من فلسطيني إلى عربي إلى دولي هو شريك في التصفية مهما أعطى نفسه من تسميات أو سبغ على موقفه من شعارات.
وهذا يعني أن المقاطعة ورفض التطبيع يجب أن يكون ضد رباعي الثورة المضادة:

كل دولة عربية تعترف بالكيان
كل مؤسسة فلسطينية تعترف بالكيان
كل دولة في العالم تدعم الكيان.

وعليه، فإن مختلف تمفصلات أوسلو من: دولة لكل مستوطنيها، ودولة مع المستوطنين، ودولتين لشعبين ودولة ديمقراطية…الخ جميعها تماهي وتمفصلات مع يهودية الدولة سواء بمواربة أو بدون مواربة مهما كان ماهرا في مضاجعة الكلمات. فمن يقرأ اقوال الكيان وأمريكا لا يمكنه فهم الأمر إلا على هذا النحو.

وعليه، فإن الحق الحقيقي هو: أن هذا وطن الفلسطينيين والعرب، ولا مدخل إليه سوى التحرير وتكون العودة حينها تحصيل حاصل. وكل من لا يقف على هذه الأرضية هو جوهريا في خدمة الكيان.

ولو انتقلت إلى الأردن الشقيق، بل التعيس، لرايت التمسك باتفاقية وادي عربة وكأنها “العُهدة العمرية”. وفي حين أن الفلسطينيين منقسمين بين من هو مع أوسلو ومن هو ضدها، فكل الأردنيين ضد وادي عربة، ولكن لا حياة لمن تنادي بل ينتظر الأردن مسيل بقايا دم فلسطين ويمد عنقه للذبح ايضاً.
بعد أكثر من ثلاثة قرون على استهداف الوطن العربي من الغرب الراسمالي في تمظهراته الإستعمارية والإمبريالية والعولمية، وبعد تنصيب حكام على هذا الوطن لا يخفون دورهم الخدماتي للغرب الرأسمالي ويقومون بتفكيك الوطن العربي قطراً قطرا ويهدرون ثرواته ويكرسون تطوير اللاتكافؤ ويشجعون ويدعمون الاتجاهات الطائفية والإثنية المرتبطة بالعدو الغربي زاعمين أنهم ضدها بينما هم يريدونها كي يكون الاشتباك داخل كل قطر وكل الوطن وكي يبرروا بقائهم في السلطة.

بعد كل هذا وصلت الأنظمة العربية توليد ثلاثة موجات تطبيع:

الأولى انظمة مصر والأردن والحكم الذاتي
والثانية أنظمة الخليج
والثالثة التطبيع النصفي كما في المغرب وتونس ولبنان والجزائر والعراق وغيرها.

ومع ذلك، يقود حكام الخليج حملة إعلامية لتبرير دورهم المعادي للأمة العربية عبر بوابة فلسطين بزعمهم أنهم “أضطروا” إلى ذلك بسبب التطبيع الفلسطيني علماً بأن العدوان هو ضد كامل الأمة. وناقلات موقفهم من مثقفين مساكين يقولون: “فلسطين ليست قضيتي” وكأن لهؤلاء قضية غير خدمة حكام محكومين!

يبقى محور المقاومة، ولكي لا نقع في الكذب والتكاذب، فإن المطلوب من هذا المحور دولا وقوى أن تغادر اللغة الوسطية، وأن يصبح خطابها الواضح: لا اعترف بالكيان، ولا علاقة بالإمبريالية، والمدخل هو فقط تحرير فلسطين العربية المغتصبة. لا معنى للتلطي وراء أية مفردة مما كانت بليغة حيث يتم فيها تجنب القول: مشروعنا تحرير فلسطين.

لا بد من تحدي العدو الذي يعمل ويعلن أنه بصدد نهب كل شبر، فما معنى التلطي بالسلام أو حتى عدم الاعتراف بالكيان لأن الأمر هو التحرير لأن عدم الاعتراف هو اعتراف بما قد يبدو وجودا موضوعياً. وطالما كل هذه الحرب على محور المقاومة، فإن وضوح الموقف لن يزيد ضده رصاصة لأن الأعداء استخدموا كل شيء. وإن كان الزعم بأن المحور غير جاهز للتحرير، فإن المطلوب والمقدمة هي تحرير الخطاب والثقافة والموقف.

 

الضم وما وراء اللغة، عادل سماره