عربي وعالمي

حجر سويدي في بركة النفاق الأوروبي! – عبداللطيف مهنا

 

 

إنها لم تزد بعد على تصريح يعلن عن نيَّة ترتقي الى مستوى التعهُّد بالاعتراف ب”دولة فلسطين”، والأمر الذي، وفقما هو المعلن، لن يتم إلا بعد التشاور مع الشركاء الآخرين في الاتحاد الأوروبي. تلكم هى الخطوة السويدية الجديرة بالترحيب، لكنما مع مستوجب عدم النظر اليها بما يتعدى مالها من اهمية رمزية، واكثر من اعتبارها اضافة منشودة لصوت مؤثر في مواقف الاتحاد التي هى عادةً إما منحازة للصهاينة، أو تتسم بنفاق تليد، في كل ما هو المتعلق منها بالقضية الفلسطينية وسائر القضايا العربية اجمالاً.

سبق السويد الى الاعتراف ب”دولة فلسطين” ثلاث دول اوروبية، لكنما ذلك كان قبل انضمامهن للاتحاد لا بعده، وهن، المجر وبولندة وسلوفاكيا، بيد أن السويد، وربما هنا تكمن اهمية خطوتها، اقدمت على ما اقدمت عليه وهى العضوة المهمة والمؤثرة فيه، والتي قد تشكِّل أسوة لسواها، أو من شأنها أن تستتبع من سيلحق بها من اعضائه. وهي خطوة في مجملها تأتي في سياقها السويدي المحض، باعتبار أن رئيس الوزراء الجديد في حكومتها، التي اعقبت الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والذي اعلن عن الإزماع على القيام بها، يمثِّل إئتلافاً ليسار فائز في هذه الانتخابات شكَّل هذه الحكومة، مكوَّن من الاشتراكيين الديموقراطيين والخضر، ويجيىء بعد خسارة يمين تمثَّل في حزب المسيحيين الديموقراطيين المحافظ وخروجه من السلطة، والذي تقدمت برلمانية تنتسب اليه ببلاغ ضد رئيس الوزراء الجديد لأقدامه على اعلان ماهو مزمع عليه. وما اعلنه رئيس الوزراء الجديد ينسجم تماماً مع مواقف حزبه المعلنة طيلة ما زاد على العقدين السابقين ولا يخرج عنها، وعلينا أن لاننسى أيضا أنها تأتي بعد محرقة غزة وملحمة مقاومتها وتصاعد التعاطف الشعبي الأوروبي اثرها مع الحقوق الفلسطينية…هذه المواقف القديمة التي شددت وزيرة الخارجية السويدية الجديدة على توضيحها، محددة سقفا لها قالت أنه “دعم عملية تفاوضية” يحكمها ذات السياق في ذات المسار التسووي إياه، أو ماعرف ب”المسيرة السلمية”، وذلك، ووفق تعبيرها، “بتقوية الفلسطينيين، عبر جعلهم شركاء على قدم المساواة” في هذه المفاوضات، وجل هدفها، كما قالت، هو “دعم القيادة المعتدلة المهتمة بالتفاوض”…كما حرصت الوزيرة على أن تؤكد أن تنفيذ مثل هذه الخطوة سوف يتم بعد التشاور مع الشركاء الأوروبيين في الاتحاد، وعلى إنه “لن يؤثر على علاقاتنا الممتازة بالولايات المتحدة واسرائيل”…

هذه الخطوة السويدية، التي لم تتعدَ تصريحاً وتعهُّداً لم ينفَّذ بعد، وعلى رمزيتها أولاً، ثم عدم ابتعادها عن ذات المسار التسووي، وبلغة أدق التصفوي للقضية الفلسطينية، الذي يرعاه الغرب وتشرف عليه الولايات المتحدة ثانياً، والتي ستتم بعد التشاور مع الأوروبيين الآخرين ثالثاً، جلبت ردة فعل اميركية وازت، بل كادت تسبق، ردة الفعل الصهيونية. الولايات المتحدة سارعت لانتقادها وعدتها “سابقة لآوانها”، أما الكيان الصهيوني فاستدعى السفير السويدي لديه محتجاً، وبدى في ردة فعله وكأنما هو المطعون في ظهره، أما الاتحاد الأوروبي فاتسمت ردة فعله بالحذر المترافق مع تسليط الضوء على ما يقال أنه جدل يثار الآن في كل من بريطانيا وفرنسا حول ذات الأمر الذي سيقدم السويديون عليه…وإذ يُلمس من توضيحات وزيرة الخارجية السويدية أنه ما من نية للعودة عنها، فلسوف تجلب ولاشك لإستكهولم وابلاً من الضغوط الأميركية والصهيونية وبعض الأوروبية لثنيها عنها، لكنما نعتقد انه ليس من المتوقع ولا من السهل على دولة بحجم ومكانة ورصانة السويد الخضوع لمثل هذه الضغوط والعودة عن تعهد اعلنته.

…وفي كل الحالات، فإن أهم ما في هذه الخطوة هو فضحها للصهينة الكاملة لردود الفعل الأميركية  الفورية والمباشرة على أي مقاربة دولية صغرت أم كبرت قد توحي بما قد يصب في صالح الاعتراف ببعض الحقوق الفلسطينية المنتهكة، أو من شأنها أن تمس من قريب أوبعيد بالكيان الصهيوني، الى جانب أن هذه الخطوة قد القت حجراً في بركة تليد النفاق الأوروبي، هذا الذي لاينفك يلوك شعار ما يدعى ب”حل الدولتين”، ولا يتوقف عن الإدانة الكلامية ل”الإستيطان”، والحديث عن “الحل القابل للحياة”، أو “الدولة القابلة للحياة”، وكل ما سمعناه منهم من المصطلحات التصفوية التي روجت خلال ماتدعى ب”المسيرة التسووية”، والآن ما يسوُّق من جدل بريطاني وفرنسي حول الاعتراف ب”دولة فلسطين” لكن مع ربطه ب”الوقت المناسب”…وفي نفس الوقت يعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر للكيان الصهيوني، ومنتوجات المستعمرات التي يدين قيامها تسرح وتمرح في اسواقه، الى جانب كافة الوان واشكال اوجه التعاون البيني الأخرى وعلى رأسها التقني والعسكري والإستخباراتي، ودون ان ننسى تليد الدعم ودائم التأييد لكيان استعماري هو منتج أوروبي اصلاً، ومن ذلك متواصل الحماية المعروفة الثابتة للعدوانية الصهيونية في المحافل الدولية. إذ رغم رفعه لكافة الشعارات المشار اليها، فهو لم يتخذ خطوة ضغط واحدة مما يتوفر لديه، وهى كثيرة، باتجاه تنفيذها، وحتى ولو جاءت وفق السياق التصفوي إياه. ومقارنة بمواقفه من روسيا فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية يتبين لنا مدى هذا النفاق، بل إن جوهر المواقف الأوروبية التي يعبِّر عنها الاتحاد هي ذات المواقف الصهيونية مموهةً، إذا ما دققنا، مثلاً، في خلاصتها الداعية إلى “حل على طاولة المفاوضات وبموافقة الطرفين”!!!

…قبل كارثة اوسلو كانت الدول المعترفة بمنظمة التحرير أكثر من تلك المعترفة بالكيان الصهيوني، والاعتراف الرمزي بالدولة لايعني عودة الوطن، وما نخشاه هو أن لايرى الأوسلويون الفلسطينيون في الخطوة السويدية الا محركاً لراكد المجرى التسووي المتعفن…   

حجر سويدي في بركة النفاق الأوروبي! – عبداللطيف مهنا

اترك تعليقاً