من هنا وهناك

مواجهة الدولة المصرية للتنظيمات الجهادية في سيناء – الدكتور عادل عامر

 

خرجت الجماعات المسلحة في سيناء إلى الواجهة من جديد ، حيث ألقت العملية العسكرية التي يقوم بها الجيش المصري الضوء على تلك الجماعات بوصفها ” الخطر الأكبر ” الذي تواجهه الدولة المصرية وإسرائيل . ففي الوقت الذي تحرص الحكومة المصرية المؤقتة على الدفع بكل طاقتها لضمان ” أمن سيناء ” من الجماعات التي تصفها بـ ” الإرهابية “، فإنها تواجه قتالا من نوع مختلف وخاصة لما تتمتع به تلك الجماعات من مميزات تجعلها قادرة على مقاتلة الجيش المصري وتشكيل تحديا كبيرا له . ويبدو هنا تأثير المعاهدة المصرية – الإسرائيلية لعام 1979، إذ تضع قيوداً وترتيبات معينة على انتشار الجيش المصري في ما يعرف بالمنطقة ج القريبة من الحدود مع إسرائيل، وهي ترتيبات محل إجماع مصري باعتبارها سبباً جوهرياً وراء الانفلات الأمني السائد في سيناء، وأنها تقلل من سيادة مصر على أرضها، وأنه لولا هذه القيود لكان حال الأمن بالمعنى اليومي للمواطنين وبالمعنى الاستراتيجي لمصر كلها في حال أفضل كثيراً مما هو عليه. هذا التقييم يشكل قاعدة إجماع مصرية بضرورة تعديل هذه الترتيبات.

ولكن إسرائيل لها تقييمها الخاص”فمن ناحية رفضت مبدأ تعديل البنود الأمنية، ومن ناحية ثانية رفضت زيادة حجم القوات المصرية كأمر واقع، وإن عبرت عن قبولها زيادات في الحجم والتسليح من أجل مهمة السيطرة على الجماعات الجهادية التي استغلت الفراغ الأمني في المنطقة ج، على أن يكون الأمر محدداً بمدة زمنية. ولا يوجد ما يشير إلى وثائق أو اتفاق مكتوب حول هذا الأمر، والشائع أن ثمة تفاهماً حدث وبرعاية أميركية غير معلنة، وسمح بدخول قوات مصرية مدرعة وذات تسليح ثقيل لتنفيذ مهام العملية”نسر”ضد الجماعات التي يشتبه أنها كانت وراء مقتل الجنود المصريين السبعة عشر في 5 آب أغسطس الماضي. هذه الجماعات تشكل بدورها معضلة مزدوجة، فمن جانب هي غير معروفة بدقة من حيث التنظيم والانتشار والكثافة العددية، ولكنها معروفة من حيث الفكر الجهادي السلفي وثيق الصلة بالأيديولوجية القاعدية، ومن جانب آخر أن الكثير من أعضائها ينتمون لقبائل كبرى في سيناء. وتلعب التقاليد القبلية هنا دوراً كبيراً في توفير الحماية لهؤلاء، مما يجعل الأمر أقرب إلى مواجهة قبلية مع أجهزة الدولة المعنية. وإذا كان من الشائع أن تكون هناك مواجهات أو حساسيات بين بعض القبائل وأجهزة الشرطة، فالأمر مختلف حين تتعلق المواجهة مع الجيش وجنوده. فالجيش له وضعه المتصل بالأمن القومي وبالدفاع عن البلاد وردع العدوان وهي أمور لا يمكن إنجازها على الوجه الأكمل إن كانت البيئة التي يعمل فيها هذا الجيش بيئة عدائية تحمل البغض والكراهية لأبنائه الذين هم أبناء الشعب بالأساس. أما هؤلاء الذين يواجهون الجيش لأسباب خاصة بهم وحدهم فيعرفون أنهم محل كراهية الشعب نفسه، وربما تفسر هذه الحقيقة ذلك البيان الذي أصدرته الجماعة السلفية في سيناء 15 آب الماضي على خلفية تطورات العملية”نسر”، والذي أكدت فيه أنها لا صلة لها بحادثة قتل جنود الجيش في رفح، وأن دليلها في ذلك أن عامين من عمر الثورة لم يشهدا أية مواجهة بين عناصر الجماعة السلفية وعناصر القوات المسلحة.

التنظيمات الجهادية في سيناء

 ( 15 ) تنظيماً من “الجهاد العالمي”، بينها ( 4 ) تنظيمات هي الأبرز وتتركز في نشاطها على تنفيذ هجمات ضد الجيش الإسرائيلي عند الحدود وإطلاق صواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية، كما أنها نفذت هجمات ضد قوات الأمن المصرية في سيناء ، وهذه التنظيمات الأربعة هي :-

• أنصار بيت المقدس • مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس • التكفير والهجرة

• جيش الإسلام

يمكن رصد 5 مجموعات من التنظيمات السلفية الجهادية تحارب الجيش والشرطة في سيناء

• الرايات السود • بقايا تنظيم الجهاد • التوحيد وتنظيم السلفية الجهادية • منظمة أنصار الجهاد • جيش الجلجلة

وهذه التنظيمات التي تشير إليها أصابع الاتهام في عمليات اختطاف وقتل عناصر الجي“>• الجماعات السلفية :-  وهى جماعات منتشرة بطول سيناء وعرضها، وينتهج أعضاؤها منهجا سلميا لا يميل إلى العنف، بالإضافة إلى الجماعات الجهادية التي ترفع راية الجهاد في وجه الكيان الصهيوني، ومعظم هذه الجماعات مرتبط فكريا أو تنظيميا بجماعات جهادية فلسطينية، .

• الجماعات التكفيرية :-

وهى جماعات تنتهج فكرا متشددا، وتتركز بالمنطقة الحدودية، خاصة مركزي رفح والشيخ زويد، بالإضافة إلى منطقة الوسط، ويقوم فكر هذه الجماعات على مبدأ الجهاد ضد الكفار، وتصنيفهم للكفار يشمل كل من لا يقيم شرع الله .

• الخلايا النائمة :-

حيث إنها جماعات إسلامية غير محددة الفكر بشكل واضح، إذ تنتهج خليطا من الأفكار السلفية والجهادية والتكفيرية، لكن معظمها لا يعمل بشكل تنظيمي حتى الآن، ولا يوجد بينها رابط فكرى أو تنظيمي، وإن كان من السهل تنشيطها ودفعها للعمل المنظم بمجرد وجود من ينظم أفكارها أو يوفر لها الدعم، سواء من ناحية التمويل أو التدريب، وهى حسب وصف أعضاء فى جماعات سلفية أخطر أنواع التنظيمات إذ يمكن استغلال أعضائها بسهولة في تنفيذ عمليات ضد أي أهداف داخل سيناء أو خارجها، وترصد ” خريطة هذه الجماعات بمختلف أنواعها في منطقة شبه جزيرة سيناء من خلال التحقيق التالي:

• جماعة ” أهل السنة والجماعة”

ظهر تنظيم “السنة والجماعة” في سيناء عام 1979 علي يد “ف. ح. إ” الملقب بـ – أبو إسلام – وكان اسمها في البداية “الجماعة السلفية في سيناء” إلي أن تغير اسمها الآن إلي “أهل السنة والجماعة” وذلك علي يد الشيخ” أسعد البيك “أحد مؤسسي السلفية في سيناء، وقد بدأت جماعة “أهل السنة والجماعة” في مسجد عمر بن عبد العزيز بالعريش حيث تكونت من الشباب الذين يترددون علي المسجد للصلاة ثم انتقل نشاطهم واجتماعاتهم بعد أن ضيق عليهم الأمن إلي مسجد النور، ثم ضيقت عليهم بعد ذلك مباحث أمن الدولة حثي توقف نشاطهم بعض الشيء بسبب الضغط الأمني والاعتقالات والتعذيب لهم ،وكان ل”جماعة أهل السنة والجماعة” اتجاه عدائي في العهود السابقة قبل ثورة 25 يناير تجاه الجهات الأمنية في سيناء بسبب ما كان يحدث لهم قبل الثورة ولكنهم أعلنوا الهدنة والمصالحة مع المسئولين بعد أن جاء الرئيس “محمد مرسي” اقتناعا منهم بأنهم سيستطيعون الحصول علي حقوقهم في الفترة القادمة بأي وسيلة ولكنهم سيبدءون بالطريقة السلمية وقد سعوا لإقامة الشريعة من خلال تكوين “لجان شرعية” لفض المنازعات بين الناس بسيناء ،في ظل عدم اعترافها بقانون البادية الذي تحتكم له قبائل سيناء والمعروف باسم “القضاء العرفي” وهو ما تسبب في نزاع بينهم وبين قضاة العرف ما زال مستمرا حتى اليوم.

• تنظيم “التوحيد والجهاد”

حسب احد أعضاءه فان أول ظهور لجماعة “التوحيد والجهاد” كان في العراق و فلسطين ثم اعتنق عقيدتهم البعض من الجهاديين في سيناء نظرا لوجود هذا التيار في فلسطين وقطاع غزة بسبب وجود علاقات قوية بين قطاع غزة وبعض القبائل في سيناء ويعتنق أعضاء جماعة “التوحيد والجهاد “عقيدة أهل السنة والجماعة، وأصول السنة والعقيدة ويقسمون الإسلام إلي أمرين علي حسب قولهم أولهما الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض علي ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه وثانيهما النهي عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه وتكفير من فعله وبالتالي هم يميلون ناحية الأمور التكفيرية في الدين وقد بدأ التنظيم نشاطه بـمنطقة “وسط سيناء” وقرى “الشريط الحدودي” وأعلن التنظيم عن نفسه في مدينة “العريش ” و يتبنى أعضاءه أفكاراً قائمة على تكفير الحاكم الذي لا يطبق شرع الله، وتنسحب على من دونه من أركان نظام حكمه، وصولا إلى قاعدة المجتمع البعيدة عن شرع الله، ونشطت هذه الجماعات في عقد التسعينيات.

القاعدة تحصل على حماية القبائل

القاعدة تستغل فراغ السلطة وتستغل القبائل والبدو في المناطق التي تتواجد فيها للحصول على الحماية . أحد أساليب عمل مقاتلي ألقاعدة أيضا هي التزاوج من القبائل وسكان المنطقة لتعزيز الحماية والحصول على مناصرين جدد .

“الدعوة السلفية” الأكثر انتشاراً ومركزها مدينة العريش

هي أقدم الجماعات الإسلامية وأوسعها انتشارا بمختلف مناطق سيناء، وتنتهج الجماعات السلفية الفكر السلفي السلمي المعروف فى أنحاء الجمهورية، ويحظى هذا التيار بشعبية كبيرة بين بدو سيناء نظرا لاقترابه من الطبيعة البدوية التي تميل إلى التدين والزهد والتقشف، وتتدرج أفكار هذه الجماعات من الوسطية إلى التشدد، لكنها لا تقبل حمل السلاح والقتال، لكنهم يدعمون القضية الفلسطينية بصور أخرى مثل جمع التبرعات، ونقل البضائع والمواد الغذائية عبر الأنفاق، وصولا إلى نقل السلاح.

جماعات ” السلفية الجهادية “

وتنتشر جماعة ” السلفية الجهادية” فى نطاق مدينتي رفح والشيخ زويد وتتلقى تدريبات عسكرية شبه منتظمة وتنقل السلاح للجهاديين الفلسطينيين وتضم جماعات تتبنى أفكار تنظيم القاعدة، لكنها لا تتصل بها تنظيميا، وتقترب أفكار هذه الجماعات من فكر الجماعة الإسلامية فيما يخص الجهاد باعتباره الفريضة الغائبة عن حياة المسلمين، “والهدف من الجهاد إقامة الدولة الإسلامية، وإعادة الإسلام إلى المسلمين،

النمو السريع والواسع للجماعات الإسلامية الجهادية في مصر :- جاء هذا النمو في شكل ثلاث تنظيمات رئيسية هي : –

• الجماعة الإسلامية • وتنظيم الجهاد • وجماعة التكفير والهجرة

كانت الجماعة الإسلامية أكثرها نفوذاً وأوسعها انتشاراً، حتى قدر البعض عدد أعضائها نهاية التسعينيات بما يقرب من 40 ألف عضو، عددها الان 74 الف في حين يأتي في المرتبة الثانية تنظيم الجهاد الذي بلغ عدد أعضائه في نفس الفترة ما يقرب من 6 آلاف عضو، عددة الآن 9 ألاف وأخيراً تنظيم التكفير والهجرة الذى يعتبر الأصغر بالمقارنة مع الجماعتين السابقتين حيث بلغ عدد أعضائه ما يقرب من ألفي عضو و الان وصل الى 6 الاف.

عوامل أدت إلى قوة الجهاديين فى سيناء وظهور تهديدهم :

• التدريب على الأعمال القتالية من خلال خبرات مروا بها في أفغانستان والشيشان .

• يمتلكون سلاح بنوعيات كبيرة ومتطورة للغاية . • طبيعة تضاريس سيناء القاسية تعلي من روحهم القتالية .

• الحالة الاقتصادية لبعض العناصر الشاردة من القبائل وهى ليست أصيلة فى سيناء .

• إهمال الدولة للتنمية فى سيناء . • الأحداث الجارية التى تمر بها مصر من عدم استقرار .

• انزلاق جيل كامل من المصريين إلى حالة من اليأس والإحباط والغضب، مع انهيار المشروع القومي عقب هزيمة السادس من يونيو عام 1967 ،ناهيك عن فجاجة التحولات التي شهدتها البلاد وموجات الهجرة إلى دول الخليج ، بالإضافة إلى القبضة الحديدية التي أدت إلى قمع وتهميش المعارضة السياسية ابان حكم السادات ومبارك .

المنطقة الشمالية : الأخطر في سيناء

أن قوة الجماعات الجهادية الإسلامية تقوم على قبائل سيناء التى تخفيهم وتمدهم بالسلاح والذخيرة وبناء عليه فالجيش لا يستطيع مهاجمة القبائل ولذلك عملية المهاجمة تطول وهذا هو مصدر القوة التي تعتمد عليه تلك الجماعات.

دور جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” في سيناء

شكل ” الشاباك ” لواء كوماندوس استخباري مهمته الأساسية إحباط هجمات تنفذها “منظمات جهادية” ضد إسرائيل وتخصص لها موارد كبيرة تفوق حتى المخصصة لوحدات “الشاباك” التي تعمل في الضفة الغربية، وذلك كجزء من العمل للتصدي للهجمات من سيناء على إسرائيل. تم تكليف الشاباك بمهمة قيادة المجهود الأمني من أجل إحباط عمليات على طول الحدود الإسرائيلية – المصرية، فيما تم تكليف شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) بجمع المعلومات الاستخباراتية في سيناء “بواسطة المراقبة من بالونات وكاميرات تم نصبها على طول الحدود وترصد ما يحدث داخل سيناء ومن خلال صور تلتقطها الأقمار الاصطناعية” بالإضافة الى بناء سور ارتفاعة 10 متر وطولة 266 كم وتكلفتة 6 مليار دولار ويفرض منطقة عازلة بالنار مسافتها في داخل مصر 5كم ملحق بة طائرات بدون طيار .

نقاط القوة والضعف لدى جماعات سيناء :

هؤلاء الجهاديين ليس لهم قوة عددية على أرض الواقع وإنما هم مجموعات مختلفة ، وآخرون يرون أن خطورة هؤلاء تكمن فى نوعيات الأسلحة التى يرفعونها فى وجه الجيش المصري واجهزتة الامنية.

الجهاديين فى سيناء لديهم وهن فى القوة من الناحية العددية بينما القوة لديهم تكمن فى التسليح والتنظيم القبلي وهذا ليس وهما فهؤلاء جاءوا من أفغانستان وتدربوا على الأعمال القتالية التي كانت تمارس ضد الاتحاد السوفيتي .

كيف تخطط اسرائيل لمواجهة ” جهاديي سيناء ” :

الخبراء العسكريون الاسرائيليون يرون أن خير وسيلة للدفاع أمنيا هو التعامل بتكتيك أمني عالي حتى لا تقع خسائر كبيرة, من خلال الأجهزة المخابراتية أو ما يسمى بالعيون التى تجمع معلومات عنهم ومن ثم يتم اقتناصهم, فضلا عن طرق أخرى لمداهمة جهادي سيناء .

تأثيرات تنظيم القاعدة في سيناء:

1) العداء الشديد للقاعدة تجاه الإخوان المسلمين :- الأمر الذى ينذر بمواجهة من نوع فريد بين الإخوان المسلمين، القوة السياسية الكبرى في البلاد ، وبين تنظيم القاعدة ، الذي دائما ما كان يحاربه النظام السابق بقوة وضراوة، فى الوقت نفسه الذى كان يضيق فيه على جماعة الإخوان المسلمين، والآن ربما يتحول الصراع إلى مواجهة بين ما يسمى ” الإسلام الوسطي والإسلام الجهادي ” في مصر.

2) وجود تنظيم القاعدة في أي دولة يمثل تحدياً واضحاً لأي حكومة :- لكون التنظيم دائما ما يستهدف المواطنين الغربيين (الهدف المفضّل للقاعدة)، وهو أمر يؤدي إلى الإضرار بقطاع السياحة الذي يقوم عليه الاقتصاد المصري، بما في ذلك اقتصاد سيناء حيث تقع أبرز المنتجعات السياحية المصرية.

3) موقف تنظيم “أنصار الجهاد” من الأمور الداخلية المصرية، :- يشكّل تحدياً كبيرا، ربما لا يقل خطورة عن تحدي الارتباط الخارجي “بالقاعدة”، كونه يمسّ النسيج الوطني المصري، وتحديداً العلاقة بين المسلمين والأقباط ، حيث أوردت الجماعة على موقعها الإلكتروني مواقف واضحة في شأن العلاقة مع الأقباط، وهي مواقف تختلف إلى حد كبير مع مواقف الإخوان وحتى السلفيين، حيث أعلن التنظيم “أنه يجب على الأقباط أن يدفعوا الجزية للحكام المسلمين، في ظل الدولة الإسلامية في مصر “.

4) التنظيم من الناحية الفكرية لا يقبل بأي فكر غير جهادي :- حتى ولو كان إسلاميا، كالإخوان والسلفية، فكيف بالتيارات الفكرية غير الإسلامية، كالليبرالية والاشتراكية والقومية، فلا شك في أنه لن يقبل بفكرة وجود هذه التيارات أصلا.

5) وجود تنظيم “أنصار الجهاد” :- أحد نماذح القاعدة – فى سيناء هو أن التنظيم سوف يجعل من سيناء قاعدة ينطلق منها لشن هجماته على إسرائيل، الأمر الذى قد يؤدي إلى أن تتخذ إسرائيل هذا الأمر ذريعة للدخول إلى عمق سيناء بحجة القضاء على هذا التنظيم، وحماية حدودها، فى وقت يعد فيه الأمن المصرى فى سيناء” متراجعا” ، إضافة الى المشاكل الداخلية، والاضطرابات السياسية، التي لم تشهدها البلاد من قبل، الأمر الذي يمكن أن يضع مصر في مواجهة مع إسرائيل، في ظل ظروف صعبة جدا تمر بها البلاد.

تداعيات محتملة على مصر وأمنها القومي بسبب الجماعات المسلحة

أ .  إن انتشار هذه الجماعات الجهادية في سيناء يؤكد المقولة التي تقول: إن هذه المنطقة خارج نطاق السيطرة الأمنية، وبالتالي فهي أصبحت تمثل تهديدًا للأمن المصري، وأمن دول الجوار، وعلى رأسها إسرائيل.

ب .  إن عدم القضاء على مثل هذه التنظيمات المسلحة قد يفتح الباب لعودة التيارات الجهادية من جديد في مصر.

ج .  ثمة مخاوف من أن يكون هنالك تنسيق بين التنظيمات الجهادية في سيناء، ومثيلاتها الأخرى في المنطقة مثل “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” من أجل الإطاحة بالأنظمة الموجودة في المنطقة، وخاصة الأنظمة الإسلامية التي قامت عقب الثورات العربية في كل من مصر وليبيا وتونس؛ لأنها من وجهة نظرهم “أنظمة تقدم صورة مضللة للإسلام، وهي أخطر على الإسلام من الأنظمة العلمانية” كما تقول هذه التنظيمات.

التأثيرات المحتملة لظهور تنظيم “أنصار الجهاد” في سيناء

في ظل الربيع العربي، ظن الكثيرون أن الثورات العربية قد كتبت بداية النهاية للقاعدة، وأن القاعدة فى طريقها إلى الزوال والاختفاء، لأن الثورات السلمية العربية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك فشل الفكر الجهادي والقاعدي، حيث استطاعت هذه الثورات السلمية أن تحقق في وقت وجيز ما فشلت فيه التيارات الجهادية والقاعدة على مدى ثلاثين عاما، من تغير لبعض الأنظمة العربية، والتي استعصت على كل التيارات الجهادية في المنطقة العربية.

وزاد من صحة هذا الظن الضربات الفكرية القوية التي وجهت إلى تنظيم القاعدة قبل قيام الثورات العربية، والمتمثلة فى المراجعات الفكرية، التي قام بها العديد من التيارات الجهادية في المنطقة العربية، والتي بدأت من مصر على يد الجماعة الإسلامية، ثم تبعتها مراجعات تنظيم الجهاد المصري، ثم انتقلت إلى العديد من الدول.

عقب الثورات العربية، تواجد النشاط الكبير لتنظيم القاعدة فى شمال إفريقيا حيث نشط تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، ثم تبعه ظهور جديد للقاعدة فى سيناء، تحت مسمى “أنصار الجهاد في سيناء”، حيث أثار ظهور هذا التنظيم الكثير من المخاوف، منها على سبيل المثال، عودة العنف الدينى المسلح من جديد، وكذلك عودة العمليات الإرهابية التى عانتها مصر فترة طويلة من الزمن، بعد أن تم القضاء عليها. وقد تمثل الظهور الإعلامي الرسمي للقاعدة فى مصر، من خلال بيان صدر عن جماعة أطلقت على نفسها ” جماعة أنصار الجهاد فى سيناء”، وهو بيان مبايعة لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري.

نماذج تنظيم القاعدة

تنظيم “أنصار الجهاد فى سيناء” هو أحد نماذج القاعدة ، وتنظيم القاعدة في الآونة الأخيرة لم يعد هو تنظيم القاعدة وقت تأسيسه، حيث إن مسمى القاعدة المنتشر في عدد من دول العالم ليس تنظيماً واحداً وتحت قيادة واحدة، وإنما هناك ثلاث صور أو أشكال للقاعدة هي:

1. القاعدة الأم (المركزية) : – وهى التنظيم الأصلي الذي أسس تحت مسمى “الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين” الذي كان يقوده أسامة بن لادن، ومن بعده أيمن الظواهري.

2. فروع القاعدة :- وهى التي صدر أمر بإنشائها بأمر مباشر من أسامة بن لادن، والمثال الوحيد لها هو “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب”، حيث يعد امتداداً فكرياً وأيديولوجياً لتنظيم القاعدة المركزي.

3. نماذج القاعدة :- وهى الصورة الثالثة من صور القاعدة، والتى يندرج تحتها تنظيم “أنصار الجهاد فى سيناء”، وهى تلك التيارات المنتشرة فى عدد من الدول الإسلامية، وتنتهج نهج القاعدة وتعد أسامة بن لادن زعيماً روحياً لها، ولكنها لم تنشأ بأمر من بن لادن، وليست لها أي علاقة بالقاعدة الأم، وأشهر الصور على هذه النماذج هي “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” .

هكذا أصبحت سيناء تمثل بؤرة للسلفية الجهادية، ولخلايا المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة، وحدث تزاوج بينها وبين قيادات إخوانية كبيرة، وضغطت قيادات سلفية علي عدم ملاحقتها، وذلك بدعوي إجراء حوارات معها، وهو ما حال دون تنفيذ الجيش المصري لخطط أعدها بهذا الخصوص طوال العام الذي حكم فيه الرئيس السابق محمد مرسي. هذا هو المناخ الأمني الذي ساد سيناء في العام الأخير بعد تصالح النظام مع ما يمكن تسميته بشظايا تنظيم القاعدة ومجموعات التطرف والتكفير، ولم تكتف واشنطن، التي أعلنت الحرب العالمية علي الإرهاب بغض الطرف، بل وجدت مصلحة لها في استمرار هذا النشاط، وقد استفادت هذه التنظيمات من انهيار الجيش الليبي، وتسرب أسلحة متطورة إلي مصر، سعت حركتا حماس والجهاد للحصول عليها، وكانت الجماعات التكفيرية في سيناء هي الناقل لها. هكذا أصبحت سيناء معبرا للأسلحة، وأصبحت أيضا مكانا لتخزين السلاح، حيث حددت إسرائيل سقفا للأسلحة التي تدخل لقطاع غزة، وعندما تتجاوز الكميات القادمة هذا السقف يتم توجيه ضربة لاستخدام هذه الأسلحة، وهو ما دفع المقاومة لتخزين السلاح في سيناء، وهكذا وجدت منظمات التطرف المصرية وظائف أخري لتهريب وتخزين السلاح، الأمر الذي دفع المخابرات الإسرائيلية لتجنيد عناصر فلسطينية لمراقبة عمليات تخزين السلاح التي تملكه المنظمات المتطرفة سواء التي تمر عبر الأنفاق، أو التي يتم تخزينها في سيناء. جاء سقوط النظام المصري في 30 يونيو، وتبلور تحالف العنف الذي ضم الروافد والتنظيمات المتطرفة تحت عباءة واحدة، وبدأت هذه الكتلة بممارسات غلفها العنف وتجاوز عداؤها للنظام السياسي الجديد إلي العداء مع الدولة المصرية ذاتها، وأصبح خيارها أن تكون الغلبة لهذا التحالف أو تنهار الدولة بأسرها، وهو ما وفر غطاء لجماعات العنف.

 وكان ضروريا للجيش المصري القيام بدوره لاستعادة سيناء، وتجاوز المعوقات التي حالت دون تنفيذ العملية نسر التي سبق الإعلان عنها، وبدأت عملية اجتثاث الإرهاب، وتدمير الأنفاق. ولا شك في أن ما نجحت فيه القوات المسلحة من غلق وتدمير نسبة كبيرة من أنفاق التهريب وممرات وطرق الإرهاب والإرهابيين من وإلي غزة، وكذلك تصفية عناصر جهادية. قد دفع مجموعات منها لنقل عملياتها إلي الداخل لتشتيت الجهد، وتخفيف الضغط علي كوادرها في سيناء. ولقد حققت العمليات العسكرية الأمنية في الفترة الأخيرة انتصارات كبيرة، بددت الخوف من استيطان القاعدة في سيناء ومصر، وتفويت الفرصة علي إسرائيل وحلفائها للإيحاء بعدم قدرة مصر علي تحقيق الأمن في سيناء، وتدويل قضيتها وإخراجها عن سيطرة مصر. وكما كان أداء المؤسسات العسكرية المصرية قد أجهض ذلك بصورة كبيرة، فإن مواجهة العنف العشوائي تتطلب تدمير أنفاق غزة، وإبعاد السكان عن خط الحدود، بالإضافة إلي اتخاذ الإجراءات السياسية اللازمة لضبط الحدود الغربية – الجنوبية التي تمثل وسيلة تهريب السلاح وتسرب العناصر الإرهابية. يعود تاريخ الجماعات الإسلامية في سيناء إلى بداية الثمانينات، مع انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من آخر مدن المحافظة الحدودية، لتعود سيناء إلى السيادة المصرية بالكامل.

 وفقا لبنود معاهدة السلام. و«السلفية الجهادية مصطلح أطلق على بعض الجماعات الإسلامية التي تتبنى الجهاد منهجا للتغيير، وبروزها كتيار «فكري» في عهد السادات. يعلن هذا التيار أنه «يتبع منهج سلف المسلمين وأن الجهاد أحد أركانه وجوبا عينيا على المسلمين يتم تطبيقه ضد الخصوم وضد النظام الحاكم المبدل للشريعة الإسلامية». فهذه الجماعات حملت فكرة الجهاد المسلح ضد الحكومات القائمة في بلاد العالم الإسلامي أو الغرب وحملوا «فكرا» محددا يقوم على مبادئ الحاكمية وقواعد الولاء والبراء وأساسيات الفكر الجهادي السياسي الشرعي المعاصر كما هو مفصل ومعروف في أديباتهم. وظهر التيار الجهادي للمرة الأولى في مصر وانبثق من رحم الإخوان. تنتشر أغلب التنظيمات الجهادية على امتداد منطقة الشريط الحدودي خاصة مدينتي رفح والشيخ زويد، الأقرب للحدود مع إسرائيل ووسط سيناء، وبعض المناطق بمدينة العريش. تأخذ الجماعات الجهادية في سيناء أشكالا تنظيمية متقاربة تعمل أغلبها تحت مظلة القاعدة أكبرها «الجهاد والتوحيد» و»أنصار الجهاد»، وأحدثها تنظيم «مجلس شورى المجاهدين- أكناف بيت المقدس وأنصار أكناف بيت المقدس».وتتشابه أفكار الجماعات التكفيرية المختلفة، دون أن يجمعها إطار تنظيمي واحد. ويحمل أعضاء هذه الجماعات السلاح ويتلقون تدريبات عسكرية شبه منتظمة على يد بعض أعضاء الجماعات الجهادية وشهدت سيناء في الأشهر الأخيرة إعلان عدد من التنظيمات الجهادية المرتبطة بتنظيمات جهادية في قطاع غزة وحماس وكشفت صواريخ (غراد) في سيناء تلك العلاقة. يتخذ العديد من التنظيمات أو الجماعات السلفية الجهادية من السلفية الدعوية غطاء له، رغم أن الفاصل بين الاثنين قليل، فهي تتخذ من الدعوة غطاء لنشاطها المسلح في كسب المقاتلين الجدد وخاصة في شبه جزيرة سيناء لخلق الفوضى وإضعاف قبضة الحكومة.

وكثيرا ما تستخدم التنظيمات الجهادية، وآخرها أنصار أكناف بيت المقدس القبائل واجهة لعملياتها وتتعمد ذكر أسماء مقاتلي قبيلة ما أو ضحاياها لكسب وحشد تأييد القبائل السيناوية. واستفادت هذه التنظيمات من القبائل لتكون في الواجهة للتفاوض مع الحكومة من أجل عدم كشف قياداتها. بعض التحليلات ذكرت أن حكومة مرسي كانت تدير اتفاقات سرية مع تلك التنظيمات، لذلك لم يتم إعطاء بيانات أو حقائق في أعقاب أي مفاوضات بين جماعات الخطف والحكومة ولم تنشر أي نتائج عن محاضر التحقيق. ما يحدث في سيناء من عمليات جهادية جاء بالتزامن مع ما يحدث في ميادين مصر وحشود الإخوان في القاهرة والمحافظات الأخرى. لا يوجد خيار في مصر إلا فرض السلطة والقانون ومواجهة التنظيمات «الجهادية».وفض اعتصامي النهضة ورابعة العدوية يعتبر حدثا هاما ونقطة تحول اتخذتها الحكومة الانتقالية باتجاه إعادة الحياة الطبيعية لمصر.

على الرغم من أن تسليح الجماعات الإرهابية لا يضاهى تسليح القوات المسلحة في سيناء، إلا أنها استعاضت عنه بالتخطيط والتحرك، الذي أكسبها مساحة من التفوق في عدة مواجهات، فالضربات الاستباقية التي كانت توجهها للقوات في نقاط تمركزها، وأثناء الحملات التي كانت تقوم بها في مدن العريش والشيخ زويد ورفح، كانت تحسب للجماعات، حيث يتوافر فيها عنصر المفاجأة، ودقة التخطيط الذى يتشابه بقدر كبير مع العمليات التي تقوم بها منظمة “داعش” في سوريا والعراق، وخفة التحرك وسرعته التي تفوق تحرك الآلات العسكرية، حيث تستخدم العناصر المتطرفة سيارت ملاكي “فيرنا” ونصف نقل دفع رباعي “تويوتا”، مقابل المدرعات والآلات الثقيلة، وهذا سبَب جوهري في فشل أغلب المطاردات التي تمت بين القوات والعناصر المتطرفة قبل أن تدخل “الأباتشي” ساحة المعركة.

على المستوى الاستخباري نجد أن الجماعات تمتلك عناصر مراقبة ومتابعة ورصد، وهو ما توصلت له الأجهزة الأمنية بواسطة تحليل عمليات الاغتيال التي تعرض لها الجنود، والحملات الأمنية والعسكرية، كما حدث في واقعة استهداف 25 جنديًا، والذين رصدتهم عناصر الجماعات، منذ تواجدهم في موقف سيارات الأجرة، وحتى تسليمهم لمجموعة “حبارة” على الطريق الدولي “الشيخ زويد – رفح”، كما يؤكد أحد المصادر القبلية، أن اغتيال أحد مشايخ  قبيلة السواركة، تم بعد إبلاغه معلومة بوجود أربعة عناصر من أنصار بيت المقدس، في منزل بقرية المهدية، يستعدون لإطلاق صواريخ على الأراضي المحتلة، فقامت القوات المسلحة باستهدافهم في المنزل بطائرة أباتشى، وهو ما يشير الى أن هناك من يبلغ عن العناصر المتعاونة مع الدولة.

كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام

ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية

 عضو والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية

اترك تعليقاً