الأخبارالأرشيف

هذه لحظة تاريخية للفرز – رشاد أبوشاور

من أسباب ضياع وتيه الفلسطينيين – تحديدا القيادات- على امتداد عقود: الاختلاط، أحيانا عن جهل، وأحيانا عن انتهازية واسترضاء لأنظمة حكم عربيّة متواطئة على القضية الفلسطينية.

لو دققنا في المواقف الرسمية للحكام العرب، فلن نبدد وقتا وجهدا كبيرا لاكتشاف أن أولئك الحكّام و( دولهم)، لم يكونوا جديا مع كفاح ومقاومة شعب فلسطين، بل كانوا عليه عبئا، وتعمية، وتضليلاً، وكذبا بالكلام ( الأخوي) غير الجاد، وقد تجلّى هذا بشكل مفضوح في النداء الذي وجهه أولئك الحكام( لعرب فلسطين) لينهوا ( ثورتهم) الكبرى ثقة بنوايا ( الحليفة والصديقة) بريطانيا..التي كانت مأزومة آنذاك وهي تخوض الحرب العالمية الثانية، وكانت أحوج ما تكون ( للتهدئة) ثورة فلسطين الكبرى 1936-1939.

النظام العربي الرسمي، المستتبع أمريكيا، في المشرق العربي – بعد أفول هيمنة بريطانيا- والذي نُصّب بريطانيا بداية، ورعي أمريكيا، سيما في حقبة النفط، وتكوّن من ( حمائل..وعشائر)، والذي لا يعنيه، لا في الماضي، ولا راهنا، سوى ديمومة الحكم وتوريثه، ما كان له أن ينحاز لفلسطين، والانخراط في الصراع مع الصهيونية، لا في الحقبة البريطانية، ولا وهو مرتهن مصلحيا لأمريكا، وما دموعه على فلسطين سوى دموع تماسيح، في حين عمل دائما على ( ذبح) ثورات وانتفاضات فلسطين قبل النكبة وبعدها،إدراكا منه لخطورة تفشي الوعي انطلاقا من عناصر وتصاعد الصراع على أرض فلسطين، وهو صراع يهدف في جوهره لإعاقة نهوض الأمة العربية.

دائما نظر حكام الرجعيات التابعين لفلسطين القضية كموّلد للفعل الثوري فلسطينيا وعربيا، ولذا انخرطوا علنا وسرّا في التآمر على فلسطين، وعملوا على إنهاء الصراع والقبول بالوجود الصهيوني في دولة على ارض فلسطين، والقبول بها في ( المنطقة)..أي خنجرا في قلب الوطن العربي الكبير.

) في مؤتمر قمة فاس عام 81 ، وهو ما تسببت بإخراج الثورة الفلسطينية من لبنان بعد التصدي لتلك المبادرة التصفوية…

لكن حكّام السعودية لم يكفوا عن مطاردة ثورة عرب فلسطين لتصفيتها تماما وإنهاء القضية التي بقيت دائما مفاعلاً ثوريا جاذبا لجماهير الأمة العربية مشرقا ومغربا، وكاشفا وفاضحا لنظم الرجعية العربية التابعة أمريكيا، والمهيأة للتصالح علنا مع الكيان الصهيوني..بل والتحالف معه في ( الشرق الأوسط الجديد)، وهو شرق لا حضور، ولا دور فيه، لأمة عربية واحدة ذات قوة وفاعلية أسوة بالأمم المجاورة ، وبخاصة الأمتين: الفارسية ( إيران) والتركية.

لا بد من الإشارة للدور الإفسادي السعودي في الثورة الفلسطينية ، وهذا حديث يطول، ولكن لا بد من فضحه بالتوثيق والبراهين.

الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي لم يكن خطابا ثوريا حاسما يفرز العدو من الصديق، لا على المستوى العربي، ولا على المستوى العالمي، وبهذه الرخاوة خسرت القضية الفلسطينية، وضُلّل الشعب العربي الفلسطيني، بل وملايين العرب، وغُسلت أيدي حكّام باعوا وخانوا، وكان لهم دور خطير في استدراج ( القيادات) الفلسطينية إلى ( أوسلو)، والثقة بالإدارات الأمريكية المتلاحقة ثابتة الانحياز للكيان الصهيوني..والمعادية للشعب الفلسطيني، والمتآمرة على القضية الفلسطينية. ( إقرأوا كتاب الدكتور رشيد الخالدي الهام جدا: وسطاء الخداع) لتعرفوا الكثير عن دور الإدارات الأمريكية المتلاحقة في تضليل القيادات الفلسطينية ( الساذجة) والسطحية – نقول هذا ببراءة !- واستدراجها، ومنح الوقت لقادة الكيان الصهيوني لتهويد الضفة والقدس..وفرض الأمر الواقع، وهذا ما حصل ونراه بعيوننا المجرّدة!

نقل ترامب سفارة أمريكا إلى القدس، وإعلانه أن القدس عاصمة ( لإسرائيل)، وتبشيره بصفقة العصر، التي هي تصفية القضية الفلسطينية تماما،

وتكريس استتباع أنظمة خليجية في مقدمتها السعودية للكيان الصهيوني، ونقل العداء من معركة مصير في مواجهة الكيان الصهيوني إلى حرب مع إيران..والهدف تدمير العرب وإيران بالإنهاك في حرب تستنزف اقتصادهم، ومشاعرهم، ووعيهم، ووجودهم.

بمناسبة ( ورشة البحرين) التي تنعقد يومي 25-26 حزيران..نلحظ حاليا بدء تباشير حالة وعي ثوري تتجلّى في شوراع مدن عربية، وبروز خطاب ثوري واحد يجمع عرب كثيرين يحسم الموقف في وجه حكام التطبيع والتبعية والعمالة، ويحدد معسكر الأعداء بعد خيبة مسيرة السلام( أوسلو):

أمريكا، والكيان الصهيوني، وحكام الرجعية العربية التابعين، والذين انتقلوا في تآمرهم من السر إلى العلن، تطبيعا، وزيارات متبادلة، ولقاءات في ( مؤتمرات) مع قادة صهاينة، وإعلاميين، ورجال مخابرات، ووفود سياحية دينية وغير دينية…

هؤلاء الحكام وأتباعهم، وما يمثلونه، ليسوا أبدا معنيين بتحرير فلسطين، فهمومهم هي: البقاء في الحكم، وتوريثه، والتمتع بالثروات، ويزعجهم أن يتردد اسم فلسطين..والأمة العربية ووحدتها على مسامعهم!

إنهم منبتون كاذبون وظفوا الخطاب الإسلاموي في مواجهة جمال عبد الناصر ومشروعه القومي، وهم حاليا يوظفون خطابا قوميا ملفقا في وجه إيران،

متساوقين مع هجمة أمريكية صهيونية على إيران لحرمانها من التقدم والتطوّر وتحقيق استقلالها كأمة تطمح للنهوض والاستقلال عن التبعية للهيمنة الأمريكية.

ماذا بقي مستورا بحيث لا نحدد مواقفنا من خطاب آل سعود، والأنظمة الرجعية، المُضللة، البائعة للقضية الفلسطينية؟!

كل شيء بات مكشوفا، ففلسطين هي التي تفرز المنحاز لها..والبائع المتآمر عليها، وهي تجدد الوعي، وتنهي حقبة التدليس والكذب والتيه.

المرحلة الملتبسة، وشعارات ( خيار السلام) و( سلام الشجعان) أنهتها مسيرة ( أوسلو) التي ضيّعت الأرض في الضفة والقدس، ومكنت مئات ألوف المستوطنين الغزاة من نهب الأرض، وخسّرت الفلسطينيين – والعرب المؤمنين بتحرير فلسطين- خمسة وعشرين عاما منحتها للكيان الصهيوني..بتضليل أمريكي مستمر، خدع فيه الوسيط الأمريكي غير النزيه والمخادع قيادات فلسطينية رعناء وساذجة وفاقدة للوعي ومنعزلة عن شعبها الفلسطيني، ولم تتعلّم من مسيرة شعبنا الطويلة المريرة سواء في حقبة بريطانيا المجرمة: وعد بلفور، والإنتداب، وتسليم فلسطين للصهاينة، أو في حقبة التضليل الأمريكي المتماهي استراتيجيا مع الصهيونية والكيان الصهيوني.

هذه لحظة مفصلية للفرز، واستعادة الوعي الثوري، ونبذ شعارات السلام الكاذبة، ووضع ( معسكر ) الأعداء معا: أمريكا، الكيان الصهيوني، الرجعية العربية بأنظمتها التابعة العميلة..وتوحيد كل قدرات الثوريين العرب المقاومين لتحرير فلسطين، والنهوض بأمتنا العربية، واستعادة خيراتها المنهوبة،

وكنس الاحتلال الأمريكي وقواعده من أرضنا..فالمعركة واحدة، وهي معركة وجود لا معركة حدود.

 

هذه لحظة تاريخية للفرز
رشاد أبوشاور