من هنا وهناك

هُناك ثَلاثة أسباب وَراء “خُطبَة الوَداع الصَّادِمة” للرئيس عباس

هُناك ثَلاثة أسباب وَراء “خُطبَة الوَداع الصَّادِمة” للرئيس عباس أمام المَجلس الثَّوري لحَركة “فتح”.. والقَرار النِّهائي بِيَد الله.. والمَجلس الوطني المُقبِل.. وانْتظروا مُفاجآتٍ وَشيكة
 
بعد قراءَةٍ مُتعمِّقة للخِطاب الذي ألقاه الرئيس الفِلسطيني محمود عباس قَبل ثلاثة أيّام في افْتتاح دَورة انْعقاد المَجلس الثوريّ لحَركة فتح  في رام الله باتَ ينتابنا، وربّما الكَثيرون غَيرنا، انطباعًا بأنّه قد يكون فِعلاً الخِطاب قبل الأخير، لأن الخِطاب الأخير قد يَأتي في افتتاح اجتماع المَجلس الوطني الفِلسطيني الذي يُريد عَقده مَطلع شهر أيّار (مايو) المُقبِل، وقبل حُلول شهر رمضان.

لا نَعتقد أن “خُطبة وَداع” الرئيس عباس في المَجلس الثّوري لحِزبه “الحاكِم” جاءت زلّة لِسان، فالرَّجل، وإن كان خَرج عن النّص الرَّسميّ المَكتوب في جميع خِطاباته السَّابِقة، خاصّةً تِلك التي ألقاها من على مِنبر الجمعيٍة العامّة للأُمم المتحدة، أو في المَجلس المركزي، إلا أن خُروجه عن النَّص هذهِ المرّة، وعلى هذهِ الدَّرجة من الصَّراحة والشفافيّة، كان مُتعمّدًا وربّما يَعود إلى ثلاثة أُمورٍ رئيسيّة:

الأول: شُعور الرئيس عباس بأنّ ظُروفه الصحيّة ليست على ما يُرام، خاصّةً أنه أجرى فُحوصات طبيٍة دقيقة في أحد مُستشفيات واشنطن المُتخصّصة أثناء زيارة الأخيرة للولايات المتحدة لإلقاء كلمة أمام مجلس الأمن الدَّولي في نيويورك، وهُناك تقارير تُؤكِّد مُعاناته من سَرطان البروستاتا، مِثلما أجرى فُحوصات للقَلب أكثر من مرّة في عمّان ورام الله.

الثاني: ربّما يكون الرئيس عباس قرّر الاستقالة، وحَلْ السُّلطة، لإدراكه بأن “صَفقة القرن” الأمريكيّة لا تتلائم مع المَشروع الوطني، والثَّوابِت الفِلسطينيّة، ويَستحيل عليه قُبولها لأنّها لا تُحقِّق قِيام الدَّولة الفِلسطينيّة المُستقلّة التي تُفاوِض من أجل الوصول إليها في صَقيع أوسلو.

الثالث: أن تكون وَصلته مَعلومات “مُؤكّدة” بأنّ هُناك خُطّة إسرائيليّة أمريكيّة لاغْتياله، لرَفضه اللقاءات الأمريكيّة، و”صَفقة القرن”، ومُعارضته الشديدة للدَّور الأمريكي بنَقل السَّفارة إلى القُدس المُحتلّة.

لا نَستطيع في هذهِ العُجالة أن نُرجِّح تفسيرًا على الآخر، فالرئيس عباس لَمّح إلى وَضعِه الصحّي “غير المُطمئِن” عندما قال “قد تَكون هذهِ آخر جَلسة لي معكم، وما في حَدا ضامِن عمره”، مثلما استخدم تعبيرات تَعكِس يأسه من الظَّرف السِّياسي الرَّاهن، و”المُؤامرة” الأمريكيّة الإسرائيليّة على القضيّة الفِلسطينيّة المُتمثّلة في “صفقة القرن” عندما قال “يُعلنوا عن الصَّفقة وقتما شاءوا وكيفما شاءوا لكن غير اللي بِدنا إيّاه مش رح يصير”، وأضاف قُلتها بعد هيك وبعيدها.. لن أُنهي حياتي بخِيانة”، وأكّد “غير دولة فلسطينيّة عاصِمتها القُدس الشرقيّة على حُدود الرَّابِع من حزيران عام 1967 مِش راح نقبل وما حدا بيموت من الجُوع”.

نغمة الخِطاب، بالنِّسبة إلينا نحن الذين تابَعنا كل خِطابات الرئيس عباس السَّابِقة، تُوحي بأنّ “أمرًا ما” وعلى دَرجةٍ كبيرةٍ من الخُطورة بصَدد الحُدوث، وفي وقتٍ قريب، فالمَسألة ليست مَسألة مُناورة أو كَسب وقت، بِقَدر ما هي مَسألة مُواجهة الواقِع الخَطير الذي يَجِد الرئيس عباس وسُلطته فيه بعد انْهيار آماله ورِهاناته على السَّلام، وخُذلانِه أمريكيًّا وعربيًّا وإسرائيليًّا، وتَخلٍي الجميع عنه وقَضيّته.

حالة الاستعجال في عَقد المَجلس الوطني الفِلسطيني، وبَعد ثلاثة أشهر من انْعقاد المَجلس المركزي، تُوحي بأن الرئيس عباس يُريد أن يُفجِّر “”قُنبلةٍ ما” في خِطابه القادِم الذي سيكون الأخير فِعلاً.

قد يُجادِل البعض، مُحقًّا، بأنّ الرئيس عباس كرّر كلامًا مُشابهًا في خِطابات سابِقة مثل القَول بأنّنا سُلطة بلا سُلطة، ولم نَعُد نَملُك أي قُدرة على التحمّل، ولكن الوَضع مُختلِف جِدًّا الآن، ولا نَستبعد أن يكون الدكتور صائب عريقات، كبير المُفاوضين الفِلسطينيين قد مَهّد لهذا الحَدث الكبير، وربّما الصَّادِم أيضًا، عندما قال في مُقابلة مع القناة الإسرائيليّة العاشِرة أن إفيغدور ليبرمان، وزير الحَرب الإسرائيلي، هو الرئيس الحقيقي للسُّلطة الفِلسطينيّة، وبولي موردخاي، مُنسّق الشُّؤون الإسرائيليّة في المَناطق المُحتلّة، هو رئيس وزرائِها.

لا نُريد الإغراق في التّفاؤل أو التشاؤم، وإطلاق أحكام مُسبَقة، لكن ما نَحن مُتأكّدون مِنه أن الأيّام القادِمة قد تكون صَعبةً، وحافِلةً بالمُفاجآت.. وعبّاس أعلم.

“رأي اليوم”