الأرشيفعربي وعالمي

للأجيال القادمة لكي لا تنسى – 3 حلقات عن مجزرة صبرا وشاتيلا 1982

  د. غازي حسين :

ردود الفعل العربية والعالمية على مجازر صبرا وشاتيلا 1-3

ـ العالم حمّل (إسرائيل) المسؤولية عن المجازر

ـ حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني لا تقابل بتلبية شروط (إسرائيل) والموافقة على مخططاتها والاعتراف بها والتعايش معها.

في الرابع من حزيران لعام 1982 بدأت مئات الآلاف من القذائف (الإسرائيلية) تتساقط من الجو والبحر والبر على العاصمة اللبنانية بيروت والعديد من القرى والمدن اللبنانية والمخيمات الفلسطينية. وأخذت قوات مجرم الحرب شارون تشدد الحصار على بيروت الغربية. وقطعت عنها الماء والكهرباء، ومنعت الغذاء والدواء والغاز والوقود.

وكانت الضحايا العرب من النساء والأطفال والرجال تتساقط بالمئات، والمعاناة والآلام تتزايد، والظلم والقهر والعدوان يشتد، ولبنان يستغيث، والمخيمات الفلسطينية تستغيث، ولا من مجيب لا من الدول العربية أو من الأمم المتحدة. فزاد شارون من الإبادة الجماعية ومن الدمار والتدمير وسياسة الأرض المحروقة كي يحقق الأهداف التي من أجلها أشعلت (إسرائيل) الحرب العدوانية، وهو إضعاف المقاومة الفلسطينية وإخراجها من لبنان، وتشتيت المقاتلين الفلسطينيين في تسعة أقطار بعيدة عن فلسطين، وكسر إرادة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

أرسلت الولايات المتحدة على الفور فيليب حبيب، مبعوث الرئيس الأميركي ريغان لتحقيق الشق السياسي من أهداف الحرب، بينما كان شارون يدمر ويحرق ويبيد لإنجاح المهمة التي جاء من أجلها مبعوث الرئيس الأمريكي ريغان، وهو تنفيذ المخطّط (الإسرائيلي) بإخراج منظمة التحرير ومقاتليها من لبنان وفرض المخططات (الإسرائيلية) عليها.

سقطت صور، وصيدا، وجزين، والدامور، والشوف، ومنطقة عالية حتى وصلت القوات (الإسرائيلية) المعتدية إلى المتن ومنطقة جبيل لتُحكم الحصار على منطقة بيروت الغربية.

بدأت المباحثات والوساطات لتحقيق أهداف السفاح شارون، لإخراج المقاومة الفلسطينية والقوات السورية من بيروت. ووصلت القوات المتعددة الجنسيات الأميركية والإيطالية والفرنسية للإشراف على خروج الفدائيين. وخرجت القوات الفلسطينية والسورية. وفاز بشير الجميل بالرئاسة وانسحبت القوات المتعددة الجنسيات في 13 أيلول 1982م، بعد أن أزالت الحواجز والألغام من المعابر في العاصمة اللبنانية، تمهيداً لدخول القوات (الإسرائيلية) للعاصمة اللبنانية.

واغتيل الرئيس بشير الجميل بعد ظهر 14 أيلول عام 1982.

واقتحم جيش العدو (الإسرائيلي) بيروت الغربية بقرار من الإرهابي بيغن وبقيادة السفاح شارون في 15 أيلول وبعد أن رفعت القوات المتعددة الجنسيات الحواجز والمترايس والستائر الترابية والألغام مسجلاً احتلال أول عاصمة عربية من قبل (إسرائيل) وذلك بعد مضي 14 يوماً على رحيل جميع الفدائيين عنها، ومرور يومين على انسحاب القوات المتعددة الجنسيات من لبنان، والتي انسحبت قبل انتهاء مدتها بأسبوع.

وعلى الفور أحكمت القوات (الإسرائيلية) الطوق على مخيمي صبرا وشاتيلا، ومنعت الدخول إليهما والخروج منهما، ولم تسمح حتى للصحفيين والمراسلين بدخول المخيمين، وذلك لمدة ثلاثة أيام وهي الفترة التي نفذت فيها (إسرائيل) مجازر صبرا وشاتيلا. وأقام الجنود (الإسرائيليون) الحواجز حولهما والتي سمحت لهم بمراقبة مداخل ومخارج المخيمين. وقطع الجيش (الإسرائيلي) الماء والكهرباء عن بيروت تمهيداً لارتكاب المجازر. ووصل شارون إلى مفرق السفارة الكويتية في التاسعة صباحاً في 16 أيلول ليشرف بنفسه على أكبر مجزرة جماعية حدثت في القرن العشرين. وكان الفدائيون قد تركوا نساءهم وأطفالهم بدون حماية. ورحلوا عن بيروت تنفيذاً للاتفاقات التي وقعتها حكومة الولايات المتحدة الأميركية مع ياسر عرفات.

اتخذ مجرم الحرب شارون قرار غزو لبنان واجتياح العاصمة بيروت وخطط للمجازر واختار الزمان والمكان والأداة العمياء لتنفيذها وهي القوات اللبنانية وبقية المليشيات الانعزالية وأشرف عليها لإنجاحها وإخفاء معالمها.

أمر شارون برفع الحصار وفك الطوق عن المخيمين بعد أن تمت عملية إبادة جميع الأحياء فيهما حتى الحيوانات. وبلغ مجموع الضحايا ستة آلاف من الأطفال والنساء والشيوخ سقطوا جميعهم في مذابح وحشية تقشعر لها الأبدان، وتظهر مدى وحشية وهمجية وبربرية قادة (إسرائيل) وعملائها من القوات اللبنانية (الكتائب).

وتكشف الوجه القبيح للصهيونية والصهاينة والكيان الصهيوني والسفاح شارون للفاشيين اللبنانيين.

وكان شارون قد سمح للوحوش القتلة من الانعزاليين إدخال الجرافات لتدمير المنازل على من فيها، ولإخفاء ما أمكن من معالم الهولوكوست (الإسرائيلي) على اللاجئين الفلسطينيين في المخيمين. وأسهمت الجرافات في حفر قبور جماعية احتوت على المئات من الجثث واستوعبت الآلاف من القتلى المدنيين. ودفن العشرات منهم وهم أحياء وسط تعتيم إعلامي شامل فرضته (إسرائيل) على المجازر والتزمت به فضائيات الخليج.

وأذهلت مجازر شارون البشعة العالم بأسره الذي عبّر عن استنكاره واشمئزازه الشديدين لفظاعتها ووحشيتها، حيث كان مخطط شارون يتضمن إبادة جميع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمين لإجبار بقية اللاجئين على الرحيل من لبنان تماماً كما رحل الفدائيون الفلسطينيون.

ردود الفعل على مجازر صبرا وشاتيلا:

بدأت أنباء المجازر تتسرب منذ الساعات الأولى لارتكابها، حيث كانت النساء والشيوخ والوجهاء يتوجهون إلى الحواجز (الإسرائيلية) ويخبروهم بما يحدث في المخيمين. وازداد تسرب الأنباء عن فظائعها في اليوم التالي الموافق في 17 أيلول، حيث أجمعت الأنباء حتى ذلك اليوم على أن عدد الضحايا من المدنيين يزيد عن (1400). وكانت إبادتهم تتم بالخناجر والبلطات والسواطير وإطلاق الرصاص والنسف بالقنابل اليدوية وتدمير المنازل بالجرافات على من فيها من اللاجئين الفلسطينيين.

بدأت المجزرة يوم الخميس واستمرت حتى ظهر السبت، أي أكثر من ستين ساعة.

بعث رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية برسالة إلى الرئيس الفرنسي ميتران يتوسل إليه فيها باسم الدماء الفلسطينية البريئة التدخل فوراً لوقف الإبادة الجماعية والمذابح الوحشية التي ذهب ضحيتها حتى ذلك الوقت ما يزيد عن (3500) من المدنيين، ولكن السفاح شارون استمر بتطويق المخيمين وتابع المجرمون من القوات اللبنانية ارتكاب المجازر الوحشية.

وروى شهود عيان مشاهد الرعب وعمليات التعذيب والتنكيل والاغتصاب قبل القتل، والقتل الجماعي وقطع الرؤوس وتفجير الجثث..

وأدخل شارون الجرافات إلى المخيمين للمساعدة في تدمير المنازل على من في داخلها ولإخفاء معالم المجازر الرهيبة، التي أظهرت وحشية وهمجية «إسرائيل» وعملائها من الانعزاليين في لبنان.

وأكد ياسر عرفات في رسالته إلى الرئيس الفرنسي «أن الجيش (الإسرائيلي) يرتكب جرائم بشعة ضد السكان المدنيين الفلسطينيين داخل وخارج مخيمات اللاجئين في بيروت، وأن العالم أجمع يتحمل مسؤولية الجرائم التي يقترفها الجيش (الإسرائيلي) بالرغم من كل الوعود والضمانات وانتهاكاً لجميع الاتفاقات المبرمة مع المبعوث الخاص للرئيس الأميركي فيليب حبيب».

وطالبت منظمة التحرير الفلسطينية بطرد (إسرائيل) من الأمم المتحدة وبسحب قواتها فوراً ودعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة للانعقاد وعودة القوات المتعددة الجنسيات لضمان الانسحاب (الإسرائيلي).

واتهمت الولايات المتحدة الأميركية بتقديم غطاء كامل للمجازر التي ارتكبتها (إسرائيل) في المخيمات الفلسطينية.

وحمّل المجلس الوطني الفلسطيني القوة المتعددة الجنسيات مسؤولية المذابح لأنها انسحبت قبل الموعد المحدد لذلك ولم تلتزم بالضمانات التي تعهدت بها. وألقى المجلس بجانب كبير من المسؤولية على الإدارة الأميركية، لأن المجازر ارتكبت في ظل استمرار التأييد الأميركي (لإسرائيل) ولسياستها الإجرامية، كما فعلت (إسرائيل) في الضفة والقطاع بدعم أميركي مطلق من الرئيس بوش الذي برر الهولوكوست (الإسرائيلي) على الشعب الفلسطيني بالدفاع عن النفس.

وحمّل المواطنون في المخيمات الفلسطينية في بيروت «(إسرائيل) المسؤولية المباشرة عن المجازر، وجاء في بيان أصدروه أن هذه الجريمة البشعة هي جزء من تاريخ الثلاثي بيغن ـ شامير ـ شارون الإجرامي الدموي ضد الشعب الفلسطيني والأمة العربية.

لقد تحوّلت ليلة 16 أيلول في المخيمين إلى نهار جراء قنابل الضوء (الإسرائيلية) بالطائرات والمدفعية، واستباحت الكتائب والمليشيات اللبنانية الانعزالية الأخرى المنازل في الشوارع والأزقة، بالبلطات والسواطير والخناجر والأسلحة. وقد أحاط الجيش (الإسرائيلي) بالمخيمين ومنع الدخول والخروج منهما. وكان ضباط وجنود الجيش (الإسرائيلي) يعرفون جيّداً بما يحدث في المخيمين من إبادة جماعية، من قتل للعائلات من الرضع والأطفال والنساء والشيوخ، ومن دفن للجرحى والأحياء، وأرسل بعضهم تقارير إلى شارون ورفائيل إيتان ولكنها أخفيت، لأنهما خططا وأشرفا وجلبا العصابات اللبنانية الإرهابية والفاشية، وقدما لها الأسلحة والسيارات والبلدوزرات لتنفيذها وإخفاء معالمها».

أكد رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الرد على جرائم بيغن وشارون في الوقت المناسب وقال إن دماء شهداء المذابح لن تضيع هدراً. واتهم الولايات المتحدة بعدم الالتزام بالضمانات التي أعطتها لحماية المدنيين في بيروت وقال إن شرف أميركا الآن ملطخ بالوحل.

اتهمت (إسرائيل) في البداية قوات العميل سعد حداد بارتكاب المجازر. فقام العميل سعد حداد ونفى نفياً قاطعاً الاتهام، فاتهمت (إسرائيل) حزب الكتائب وزعمت كعادتها وعادة اليهود في الكذب أنها حاولت بالقوة وقف العناصر المتطرفة من الكتائب واضطرت في بعض الحالات فتح النار لمنع استمرار الجريمة والدمار.

وأبرق النائب العمالي في الكنيست (الإسرائيلي) يوسي ساريد إلى رئيس الوزراء (الإسرائيلي) السفاح مناحيم بيغن قائلاً:

«إنه كان على الجيش (الإسرائيلي) الحؤول دون عمليات القتل وإن المسؤولية الرهيبة عن إراقة الدماء ستلقى على (إسرائيل)».

وطالب حزب المابام باستقالة حكومة بيغن ووزير حربه شارون ورئيس الأركان إيتان. وطالبت حركة «السلام الآن» باستقالة الحكومة (الإسرائيلية).

وأصدرت الحكومة (الإسرائيلية) بياناً رفضت فيه الاتهامات الموجهة إليها وتحملها مسؤولية ارتكاب المجازر لأنها اجتاحت بيروت الغربية.

ونفى الإرهابي روفائيل إيتان، رئيس الأركان (الإسرائيلي) مسؤولية قواته عن المذبحة وقال: «عندما أخذ الجيش (الإسرائيلي) علماً بهذه المأساة تدخل على الفور. ونحن لا نأمر الكتائب، ولسنا مسؤولين عنهم، فالكتائب لبنانيون، ولبنان هو لهم، وهم يتصرفون كما يرون».

وطالب حزب العمل (الإسرائيلي) بيغن وشارون بتقديم استقالتهما لأنهما يتحملان مسؤولية وزارية عن أمرين: الأول هو دخول بيروت، والثاني لأنهما سمحا للكتائب بدخول المخيمات للبحث عن الإرهابيين.

وطلب عضو الكنيست مردخاي ديتشوفسكي من بيغن إقالة وزير حربه شارون من منصبه بسبب مسؤوليته الوزارية عن الوضع في بيروت الغربية.

واستقال الجنرال عمران ميتزنا، قائد مدرسة الدراسات العليا في (إسرائيل) من منصبه وطلب إعطاءه إجازة بسبب المجزرة وبعدما فقد الثقة بوزير الحرب شارون.

وشهدت (إسرائيل) أضخم تظاهرة في تاريخها ضمت حوالي (400) ألف شخص احتجاجاً على مجازر صبرا وشاتيلا. وطالب المتظاهرون بانسحاب القوات (الإسرائيلية) من بيروت فوراً وحملوا لافتة تشكل رسماً كاريكاتورياً لشارون في زي عيدي أمين.

وأخيراً وافقت الحكومة (الإسرائيلية) في (27) أيلول على تشكيل لجنة قضائية كاملة الصلاحية للتحقيق في مجازر صبرا وشاتيلا. وطلب مناحيم بيغن رسمياً في (29) أيلول من رئيس المحكمة العليا اسحق كاهان تشكيل لجنة التحقيق.

وأشار التقرير فيما بعد أن وزير الحرب شارون كان بإمكانه أن يحول دون وقوع المجازر.

وأكد مسؤوليته ومسؤولية الجنرال ساغي رئيس الاستخبارات العسكرية والجنرال يارون قائد القوات (الإسرائيلية) في بيروت عن مجازر صبرا وشاتيلا أبشع وأوحش مجازر جماعية حدثت في القرن العشرين.

***

الموقف اللبناني والعربي والأمريكي والأوروبي من المجازر

الموقف اللبناني

صرّح رئيس الوزراء اللبناني شفيق الوزران في (19) أيلول قائلاً: «إنني أحمّل المسؤولية للأميركيين لأنهم أعطوا ضمانات خطية بعدم دخول القوات (الإسرائيلية) إلى بيروت الغربية».

وأضاف: «لو لم تدخل القوات (الإسرائيلية) إلى بيروت الغربية فإنه كان من غير الممكن للمجزرة أن تحصل. وأشار إلى أن المسلحين الذين نفذوا المجزرة هم من المتعاملين مع (إسرائيل) وقد سمحت لهم الحواجز (الإسرائيلية) بالعبور إلى المخيمات».

واتهم الأمين العام التنفيذي للحركة الوطنية في لبنان محسن إبراهيم (إسرائيل) بأنها «قررت المذبحة وتولت إدارتها، أما المنفذون فأدوات لأوامر شارون. وحمّل أميركا المسؤولية لأنها أذنت بارتكاب المجزرة».

وحمل المجلس الإسلامي في لبنان (إسرائيل) وأميركا المسؤولية عن المذبحة الجماعية، وأعرب عن عظيم سخطه واستنكاره وتنديده بمرتكبي هذه المذبحة التي قامت بها (إسرائيل) بمشاركة عملائها في لبنان وأتت نتيجة حتمية مرتبطة لدخول القوات (الإسرائيلية) الغازية بيروت الغربية.

وأدان الحزب التقدمي الاشتراكي المجزرة وجاء في البيان الذي صدر عنه «إن هذه المواقف المتساهلة بل المشجعة من قبل الولايات المتحدة الأميركية دفعت (بإسرائيل) إلى تهيئة الظروف المؤاتية لارتكاب المجزرة الوحشية في مخيمي صبرا وشاتيلا، وإن (إسرائيل) تتحمل مسؤولية مباشرة عن هذه المجزرة الرهيبة أمام العالم وأمام التاريخ، وأن هذه المسؤولية تنبع من قرار اجتياح بيروت الغربية الذي خرقت به اتفاقية الإجلاء وهي تعتبر مسؤولة عن كل ما ينجم عن هذا القرار من نتائج سواء جاء التنفيذ مباشرة أو عن طريق العملاء».

وأكد الرئيس سليمان فرنجية أن (إسرائيل) «هي المسؤول الأول والأخير عن مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا. وتمنى ألاَّ ينسى العالم جريمة المخيمين كما تناسى مجزرة دير ياسين».

وطلب سفير لبنان في واشنطن خليل عيتاني من الكونغرس الأميركي، تشكيل لجنة للتحقيق في مجازر صبرا وشاتيلا التي وصفها بأنها «واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في هذا القرن».

ووجه اتحاد قوى الشعب العامل في لبنان بياناً إلى الرأي العام الغربي عن المجازر جاء فيه أن «(إسرائيل) خطر على المسيحية وعلى الديمقراطية في العالم، وهي تجسد شريعة الغاب في مواجهة حقوق الإنسان».

وعمم مفتي الجمهورية اللبنانية على جميع خطباء المساجد في لبنان بأن يتناولوا في خطبة العيد مجازر صبرا وشاتيلا، كما طلب رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين من خطباء المساجد في كافة المناطق اللبنانية التركيز في خطب صلاة عيد الأضحى على مجازر صبرا وشاتيلا.

ودعا مفتي الجمهورية إلى تشكيل لجنة تحقيق وطنية موثوقة تكشف عن خلفيات المذابح وتضع الأيدي على الذين شاركوا فيها، ولم تظهر ردود فعل من الجانب المسيحي في لبنان عن أفظع مجزرة في القرن العشرين.

وبدأت النيابة العامة العسكرية في بيروت بتاريخ 28 أيلول التحقيق في مجازر صبرا وشاتيلا التي وقعت ليل 16 و17 و18 أيلول. وعقد اجتماع في المحكمة العسكرية ضمّ المدعي العام العسكري أسعد جرمانوس والمحامي العام لدى المحكمة العسكرية فوزي داغر والمحقق العسكري أسعد دياب والمحقق العسكري الياس موسى والضباط الأربعة الذين تألفت منهم لجنة التحقيق في المجازر.

الموقف العربي:

من المؤلم والمفجع حقاً أن أجهزة إعلام آل سعود وثاني ونهيان والملك الهاشمي أسدلوا ستاراً من السرية على مجازر صبرا وشاتيلا لإرضاء الولايات المتحدة الأمريكية و(إسرائيل) والصهيونية العالمية، ولم تتطرق فضائيات الجزيرة والعربية ومحطات ام. بي. سي السعودية إلاَّ ما ندر من الأخبار القصيرة جداً عن أفظع مجازر وقعت في القرن العشرين.

وكان الأديب الياس خوري أول من كسر التخاذل والخزي والعار للإعلام العربي وللمسؤولين العرب في الذكرى السنوية الرابعة على صفحات جريدة السفير اللبنانية.

بعث الرئيس المصري برسالة إلى الرئيس الأميركي ريغان يحث فيها الولايات المتحدة على التحرك الفوري لوقف المذبحة الدائرة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت.

وأصدر وزير الخارجية المصري كمال حسن علي تعليمات إلى سفير مصر في تل أبيب سعد مرتضى لإبلاغ حكومة (إسرائيل) بموقف مصر تجاه هذه المذابح. وطلب من الولايات المتحدة التدخل فوراً لوقف العمليات البشعة.

واستدعت مصر، سفيرها في تل أبيب للتشاور وجاء في بيان وزارة الخارجية المصرية أن استدعاء السفير يأتي رداً على اشتراك (إسرائيل) في المذابح التي تمثل انتهاكاً للاتفاق الذي رتبه المبعوث الأميركي.

وحمل الرئيس المصري (إسرائيل) مسؤولية المذابح وقال «إن تلك المذابح ستبقى وصمة عار في جبين كل من شارك فيها ومصر تعتبر (إسرائيل) مسؤولة عن هذه الفظائع حيث تمت في ظل احتلالها للمدينة وعلى مرأى من قواتها. وأن المذابح تعيد إلى الأذهان مذابح عصور الظلام والهمجية».

ودانت السعودية المذبحة ووصفتها بأنها جريمة بربرية وتصرف لا إنساني تتحمل مسؤوليته (إسرائيل) ومن قام بهذا العمل. وصدر بيان عن الديوان الملكي السعودي جاء فيه أن الملك فهد «أعرب عن حزنه وألمه وتأثره لهذا العمل اللا إنساني وهذه المذبحة المروعة».

وحملت دولة الإمارات العربية الولايات المتحدة مسؤولية المجازر البشعة، كما حمَّل مجلس الوزراء الكويتي الولايات المتحدة أيضاً مسؤولية المجازر وقال إن ما حصل هو وصمة في ضمير العالم.

وناشد كل الهيئات الدولية التصدي لهذا العمل الإجرامي وإدانة مرتكبيه.

وهدد العقيد معمر القذافي في رسالة بعث بها إلى السكرتير العام للأمم المتحدة بالانسحاب من المنظمة الدولية وأكد في رسالته أن المذبحة تظهر عجز الأمم المتحدة وبصفة خاصة مجلس الأمن الذي وصفه بأنه «مجلس الأمن القومي (الإسرائيلي) ـ الأميركي».

واتهم الأردن (إسرائيل) وحلفاءها بارتكاب المجزرة وأعلن الحداد الرسمي على ضحايا المجزرة ليوم واحد.

وأكد الملك حسين رفضه التفاوض مع الحكومة (الإسرائيلية) وقال إن المجزرة التي تعرض لها المدنيون الفلسطينيون في بيروت لم يكن من شأنها سوى زيادة تصميمه على عدم التفاوض مع رئيس الوزراء (الإسرائيلي) مناحيم بيغن.

وطالب الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة دول العالم بالضغط على (إسرائيل) لوضع حد لجرائمها.

الموقف الأميركي والأوروبي:

أعلن الرئيس الأميركي رونالد ريغان إنه «أصيب بالهلع إذ علم بالمجزرة، وأنذر (إسرائيل) بأن تسحب قواتها فوراً من بيروت الغربية محملاً إياها قسماً كبيراً من المسؤولية عما حدث». ووجه رسالة إلى بيغن جدد فيها طلبه سحب القوات (الإسرائيلية) من بيروت والموافقة على قرار مجلس الأمن الداعي إلى إرسال مراقبين إلى العاصمة اللبنانية.

وحمّل جون هيوز الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية (إسرائيل) «بعض المسؤولية عن المجزرة التي وقعت في مخيمي صبرا وشاتيلا قائلاً: «الواقع أن (إسرائيل) كانت تسيطر عسكرياً على بيروت، وقد وقعت هذه الحوادث خلال سيطرتها العسكرية على المدينة. وعندما يسيطر بلد على مدينة ويقع حادث فيها فإنه يتحمل بعض مسؤولية ما حدث».

وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي السناتور شارلز بيرسي أنه يجب تحميل (إسرائيل) مسؤولية مجزرة اللاجئين الفلسطينيين في بيروت الغربية ذلك أن الشهود العيان رأوا (الإسرائيليين) وهم يسمحون للميليشيات المسيحية بدخول مخيمي صبرا وشاتيلا. ويبدو أنهم لم يضعوا أي موانع أو قيود عليها. ودعا وزير العدل الأميركي الأسبق رمزي كلارك إلى وقف المعونات العسكرية (لإسرائيل) بسبب تورطها في مجازر صبرا وشاتيلا.

وقال هوارد بيكر زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، بعد اجتماعه إلى جورج شولتز، وزير الخارجية «إن (إسرائيل) تتحمل جزءاً من مسؤولية مذبحة المخيمات الفلسطينية، وأن الجزء المروِّع من الوضع هو ما يبدو من أنهم كانوا قوة تغطية للقوى الأخرى التي ارتكبت المجزرة».

الموقف الأوروبي:

أعرب الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران عن رعبه إزاء الأنباء عن مذابح المخيمين وقال في بيان رسمي صدر عن قصر الاليزية «إن المجتمع الدولي يجب أن يقف في وجه مثل هذه المجازر ويتخذ الإجراءات اللازمة لمنعها، وأن المسؤولين عن هذه التجاوزات يخونون القضايا التي يعتقدون أنهم يخدمونها».

وأعربت رئاسة الحكومة الإيطالية في بيان أصدرته عن إدانتها الحازمة واستنكارها الشديد للأعمال الدموية التي سمح بها الجيش (الإسرائيلي)، وكررت دعوتها لسحب القوات (الإسرائيلية) من بيروت.

ووصفت رئيسة الوزراء البريطانية مرغريت تاتشر المجزرة في بيروت الغربية بأنها بربرية ولا يمكن تصديقها ودعت إلى تعنيف القتلة بشدة.

وقال البابا يوحنا بولس الثاني أن المجازر التي ارتكبت في بيروت ألقت بالإنسانية إلى أسفل الحضيض وقال:

«لا توجد كلمات نستطيع فيها التعبير عن إدانتنا لهذه الجرائم التي ارتكبتها قوى الشر».

ودان الرئيس السوفيتي برجنيف بشدة الجريمة البشعة الجديدة في بيروت واتهم (إسرائيل) بها، ووضع الولايات المتحدة أمام مسؤولياتها قائلاً: «إن الذين استطاعوا تفادي ما ارتكبته (إسرائيل) ولم يفعلوا يتحملون بدورهم قسماً من المسؤولية عن أنهر الدم التي تجري اليوم في لبنان».

ودان وزراء الخارجية للسوق الأوروبية المشتركة في بروكسل المجزرة وأعربوا عن الصدّمة والاشمئزاز العميق اللذين أثارهما هذا العمل الإجرامي ودعوا إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان أمن المدنيين.

ودان نواب (12) دولة أوروبية بالإجماع (إسرائيل) بسبب مسؤوليتها عن مجازر صبرا وشاتيلا، وذلك في المؤتمر البرلماني الأوروبي الذي انعقد في بون بتاريخ 24/9/1982.

وصرح الناطق باسم الحكومة الألمانية في بون كلاوس بولينغ إن بلاده تطالب بانسحاب القوات (الإسرائيلية) من بيروت فوراً وأن تشكل لجنة تحقيق مستقلة، وأن الحكومة الاتحادية تدين هذا العمل الإجرامي وتطالب بأن تتخذ كل الإجراءات الضرورية للحؤول دون تكرار مثل هذا الحادث.

ودعا رئيس الوزراء الياباني زنكو سوزوكي (إسرائيل) لسحب قواتها فوراً وأكد أنه «يشعر بالغضب الشديد لما ارتكب من مذابح في المخيمات الفلسطينية، وأشار أن هذه المذابح ارتكبت في وقت كانت فيه بيروت الغربية تحت الاحتلال (الإسرائيلي)، مما يحمل (إسرائيل) مسؤولية مباشرة».

وحمل المستشار النمساوي برونو كرايسكي الجيش (الإسرائيلي) مسؤولية مباشرة عن المجازر التي ارتكبت في صبرا وشاتيلا وقال حرفياً: «في الأراضي التي يسيطر عليها الجيش (الإسرائيلي) لا يمكن أن يحدث شيء من دون أن يعرف به، من هنا مسؤوليته عن المجازر».

هذه هي بعض ردود الفعل العربية والعالمية على أبشع مجازر وقعت في القرن العشرين وذهب ضحيتها ستة آلاف من المدنين الفلسطينيين وتتحمَّل (إسرائيل) المسؤولية المباشرة على ارتكابها، لأن مجرم الحرب شارون هو الذي خطط للمجازر واختار الزمان والمكان والأداة لتنفيذها وأشرف عليها لإخفاء معالمها وقدَّم الجرافات اللازمة لذلك. وفرض الحصار والتعتيم الإعلامي على أخبارها.

وكذَّب أمام لجنة التحقيق (الإسرائيلية) كعادة اليهود بالكذب وأنكر علمه ومعرفته بها، ولا تزال (إسرائيل) ترتكب في الضفة والقطاع، في رام الله وغزة وخان يونس ورفح ونابلس وطولكرم الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني لذلك يجب العمل على تقديم قادة (إسرائيل) إلى محكمة الجزاء الدولية لمحاكمتهم كمجرمي حرب، بل ومن أسوأ مجرمي الحرب الذين ظهروا في التاريخ البشري.

***

للأجيال القادمة لكي لا تنسى

وجوب إحياء الذكرى السنوية لضحايا مجازر  صبرا وشاتيلا

  د. غازي حسين

ظهر قبل نهاية عام 1982 كتيب «صبرا وشاتيلا»: تحقيق حول مجزرة «لمؤلفه الكاتب (الإسرائيلي) امنون كابليوك. وكان ولا يزال من أهم المراجع عن مجازر صبرا وشاتيلا، وتضمن إدانة للسفاح شارون وبعض الجنرالات (الإسرائيليين).

وظهر في الأسواق عام 1984 كتاب: «(إسرائيل): من المجازر إلى إرهاب الدولة» لمؤلفه إيلان هاليفي. وألّف المحامي الأمريكي فرانكلين لامب كتاباً بعنوان: «المسؤولية القانونية الدولية عن مجزرة صبرا وشاتيلا»، وهو من أهم المراجع القانونية عن المجزرة.

وتؤكد بيان نويهض الحوت أن من أبرز التقارير والمقالات التي ظهرت في الصحافة العالمية كانت مقالات روبرت فيسك، وكارل بوكالا، ومارك فاينمان، وراي ولكنسون، وكولن كامبل، ولورين جينكينز، وزئيف شيف، وشهادة جان جينيه «أربع ساعات في شاتيلا».

وأبدعت المصورة الأمريكية مايا شون، والمصور الياباني ديوشي هيروكاوا بالصور التي أخذاها للمجزرة وعرضاها في المعارض والمحافل الدولية.

وتساءل الكاتب الأرجنتيني ـ (الإسرائيلي) في كتابه «الحرب الأطول: (إسرائيل) في لبنان»: لماذا يعجز (الإسرائيليون) عن إدراك المستوى الإجرامي العالمي في حملة جيشهم (المستمرة) على الشعب الفلسطيني؟… أنا أخشى أننا في لا وعينا الجماعي، ربما نحن لا نرفض بشكل كلي إمكان إبادة الشعب الفلسطيني.

نعم إن الشعب (الإسرائيلي) والحكومات (الإسرائيلية) المتعاقبة والجيش والمخابرات والأحزاب والمنظمات الصهيونية، واللوبيات اليهودية الأمريكية والمنظمات الصهيونية العالمية تؤيد وتدعم استمرار النكبة والهولوكوست (الإسرائيلي) على الشعب العربي الفلسطيني حتى يومنا هذا، وإلاَّ: لماذا يسكت الشعب (الإسرائيلي) واليهودية العالمية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والحروب العدوانية والتطهير العرقي وممارسة العنصرية والتمييز العنصري والعنصرية في القوانين (الإسرائيلية)، والتي تعتبر أسوأ من جرائم النازية في ألمانيا والأبارتايد في جنوب إفريقيا؟ ويقيمون الدنيا ولا يقعدوها عن جرائم النازية حتى يومنا هذا؟

رغم فظاعة ووحشية وهمجية مجازر صبرا وشاتيلا جاء اتفاق الطائف وأسدل ستاراً فولاذياً لمنع محاكمة مجرمي الحرب من القوات اللبنانية الذين نفذوا المجازر عندما أقر: «عفا الله عما مضى».

هكذا يتعامل ملوك آل سعود مع الهولوكوست (الإسرائيلي) والنكبة المستمرة على الشعب الفلسطيني!

وفي الوقت نفسه تتعامل (إسرائيل) بعكس ذلك تماماً مع كل من يقتل يهودياً. فالجيش (الإسرائيلي) يقتل الأطفال والنساء والشيوخ وحتى الجرحى يتركهم الجيش (الإسرائيلي) والمستعربون ينـزفون حتى الموت أمام عائلاتهم، ولا يسمحون لعائلاتهم بالتدخل لإسعافهم.

تحية وألف تحية في الذكرى السنوية لمجازر صبرا وشاتيلا للطبيبة البريطانية سوي شاي انغ ابنة سنغافورة، التي كانت تعالج الفلسطينيين في مستشفى غزة حتى وقوع المجازر، وأصدرت كتاباً رائعاً في لندن بعنوان: «من بيروت إلى القدس».

تحية وألف تحية للوفد الإيطالي الذي بدأ بالقدوم إلى بيروت في أيلول من كل عام منذ عام 2000 لإحياء ذكرى ضحايا مجازر صبرا وشاتيلا، وذلك في الوقت الذي تدير فيه الحكومة اللبنانية والبلدان العربية وبالطبع بقية بلدان العالم الظهر لذكرى مجازر صبرا وشاتيلا وللهولوكوست (الإسرائيلي) المستمر على الشعب الفلسطيني.

الخزي والعار للبنان الرسمي الذي أدار ظهره تجاه الذكرى السنوية لمجازر صبرا وشاتيلا ويمارس أبشع أنواع العنصرية والتمييز العنصري تجاه اللاجئين الفلسطينيين.

إن ما يؤلمني حقاً أن الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وهي منظمة التحرير الفلسطينية لم تقم بواجبها، نحو ضحايا مجازر صبرا وشاتيلا، وتركت المخيمين بدون حماية عندما انسحبت من بيروت في آب 1982، بل وأدلى أحد قادة منظمة التحرير الفلسطينية بتصريح كرره عدة مرات بأن المنظمة تركت أكثر من ألفي فدائي للدفاع عن المخيمين، وهي لم تترك أحداً، مما أغرى سفاح قبية شارون بالتخطيط للمجازر، واختيار الأداة لتنفيذها، وإخفاء معالمها. ولإخفاء الوثائق التي تدين شارون. قام الموساد بناء على أوامر من شارون باغتيال إيلي حبيقة الذي أعلن أن لديه وثائق تثبت مسؤولية شارون عن المجزرة، وسيقدمها للمحكمة البلجيكية التي تنظر في محاكمة شارون كمجرم حرب. وذهبت الوثائق باغتيال إيلي حبيقة أدراج الرياح.

إن حق ضحايا المجازر الـ 74 التي ارتكبتها العصابات اليهودية الإرهابية المسلحة قبل تأسيس الكيان الصهيوني ومنها مجزرة دير ياسين وضحايا عشرات المجازر التي ارتكبها الجيش (الإسرائيلي) في كفر قاسم وأبو زعبل وبحر البقر وداعل وقانا ومخيم جنين وحي الياسمينة في البلدة القديمة بنابلس، وبيت حانون وغزة ورفح وغيرها تفرض علينا ألاَّ ننسى الماضي ونبقي الماضي حاضراً لتقديم مجرمي الحرب (الإسرائيليين) إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمتهم كمجرمي حرب، أسوة بمجرمي الحرب النازيين، بل وأسوأ بني البشر على الإطلاق.

د . غازي حسين

اترك تعليقاً