الأرشيفوقفة عز

إنفجار شارع عفيف الطيبي في بيروت 1-10-1981- نضال حمد

كل شخص عاش في لبنان وبيروت من بداية السبعينيات حتى سنة 1982 كان يعرف أن حيّ الفاكهاني الذي اشتهر في الزمن الفدائي الفلسطيني وبالتوقيت الثوري اللبناني كان يعتبر عاصمة الثورة الفلسطينية في بيروت الغربية. أضافة الى ذلك فإن غالبية مقرات ومنازل القيادات الفلسطينية كانت أيضا تقع في هذا الحيّ، الذي بدوره يقع بالقرب من مخيمي صبرا وشاتيلا الفلسطينيين، والمدينة الرياضية وجسر الكولا.

لذا كان من الطبيعي في غابة البنادق تلك أن تعتبر المنطقة محصنة أمنياً أكثر من مناطق أخرى داخل بيروت الغربية، خاصة بعد اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاث كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار في نيسان 1973 في منطقة فردان ببيروت. ثم اغتيال القائد الأمني الفتحاوي أبو حسن سلامة قرب الملعب البلدي في الفاكهاني سنة 1979. بعد ذلك اصبح من الطبيعي أن يفكر ملياً أي طرف أو شخص ينوي القيام بأعمال تخريبية وعدائية.

حي الفاكهاني شهد حصول مذبحة ارتكبتها الطائرات الصهيونية يوم 17-7-1981 عندما استهدف الطيران الحربي الصهيوني مبنى سكني كان يقع فيه مقر قيادة الجبهة الديمقراطية. سقط في العملية 200 شخص بين شهيد وجريح جلهم من السكان المدنيين. على ما يبدو كانت تلك بداية استهداف للفاكهاني، إذ بعد الغارة بشهور قليلة وفي الأول من تشرين الأول – أكتوبر 1981 شهد الفاكهاني حدوث عملية تفجير لسيارة مفخخة وضعت على شارع عفيف الطيبي، واستشهد فيها أمين سر اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية  لتحرير فلسطين سامي أبو غوش وزوجته مها حسن أبو غوش.

الشهيد القائد الحاج سامي أبو غوش استشهد في الفاكهاني في 1-10-1981

كما أصيب خلالها بجراح طفيفة الرفيق طلعت يعقوب أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية، حيث كان لحظة الانفجار لازال في منزله. كما تعرضت أنا لإصابة خفيفة بالزجاج المتطاير خلال المساهمة في عمليات الإسعاف والإنقاذ. دمر الانفجار المذكور عدد من البنايات وأصاب حوالي 300 من سكانه بين شهيد وجريح. رأيت بعيني جثث للضحايا وقد تفحمت أو تقطعت أوصالها. لن أنسى مدى الحياة مشهد لضحية بقي النصف العلوي من جسده في برميل الرمل الذي كان يستخدم كمتراس أمام المساكن والمحلات البيروتية.

القائد الشهيد طلعت يعقوب استشهد في 17-11-1988 في الجزائر ودفن في مخيم اليروك بدمشق.

تاريخ الأول من أكتوبر – تشرين الأول عاد وتكرر دموياً في حمام الشط بتونس سنة 1985 عندما أغارت الطائرات الصهيونية على مقر أبو عمار فقتلت وجرحت عشرات العسكريين والمدنيين التوانسة والفلسطينيين. من بين شهداء تلك الغارة كان الشهيد فيصل شريدي من بلدة الصفصاف ومن مخيم عين الحلوة، دفن في مقبرة شهداء فلسطين بتونس.

الشهيد فيصل شريدي استشهد في الغارة الصهيونية على تونس في 1-10-1985 ودفن هناك.

كان شارع عفيف الطيبي فلسطينياً بإمتياز لكثرة المقرات والمنازل والمكاتب الفلسطينية في كل بناياته تقريباً. فهناك كان مكتب الشهيد القائد صلاح خلف أبو اياد، مكتب مجلة فلسطين الثورة، مكتب المجال الخارجي للجبهة الشعبية، منزل الرفيق طلعت يعقوب أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية. مقر الحزب الشيوعي اللبناني ومقر قيادة منظمة العمل الشيوعي اللبناني، صوت وراديو فلسطين، مركز الاعلام الخارجي، مركز التخطيط الفلسطيني، مكاتب المالية واللجنة العلمية لفتح ومكاتب أخرى عديدة. شارع عفيف الطيبي يمتد من مدخل الجامعة العربية قرب مقهى أم نبيل الثوري الشهير وعاصمته شاعر الثورة والصعاليك والرصيف، الفدائي الشهيد علي فودة. وصولاً الى كورنيش المزرعة، مروراً بتقاطع شارع أديب البعيني حيث كان مقر الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية ومكتب فاروق القدومي أبو اللطف. وكذلك مكتب وكالة الأنباء الفلسطينية وفا. ومقر المجلس الثوري لحركة فتح. مما يعني أن هذين الشارعين كانا سمينيين جداً وغنيين بالأهداف بالنسبة للأعداء. على نفس هذا الشارع الذي اعتدت على زيارته عدة مرات من سنة 1980 وحتى أيلول سبتمبر 1982 كان يقع أيضا مقهى أبو علي الحلواني الشهير وكذلك عصير الممثل الفكاهي المعروف “فهمان”.

أذكر أن الرفيق طلعت يعقوب في ذلك اليوم المشؤوم رفض الذهاب الى أي مستشفى بل توجه الى عيادة صغيرة خاصة بجبهة التحرير الفلسطينية كانت تسمى “النقاهة” وكانت تشرف عليها الرفيقة المرحومة ” أم ذباح”، وكانت تقع قرب الملعب البلدي في بيروت.، هناك تم أسعافه وتنظيف وتعقيم جراحه. برر الرفيق أبو يعقوب تصرفه والتكتم على إصابته برفض منح القتلة انتصارا معنوياً آخرا يتمثل بإصابته  بعد استشهاد 83 شخصاً وجرح أكثر من 200 آخرين. وكان من الشهداء كما أسلفنا الرفيق القائد سامي أبو غوش وزوجته.

ربما هذه هي المرة الأولى التي أتحدث فيها عن هذه الحادثة التاريخية. فلو أن أحد قادة المصادفة في الثورة الفلسطينية كان هو الذي أصيب بتلك الجراح، لكان طنطن الدنيا واستدعى كل وسائل الاعلام والسحيجة الاعلاميين للتصوير والتسجيل والكتابة عن ذلك. لكن القائد الفدائي ابو يعقوب كان إنساناً وفدائيا من طينة أخرى، طينة ثورية، فدائية ومخيمية.

تفجير شارع عفيف الطيبي من صنع إرهابيي وفاشيي وأنعزاليي الفاشي المقبور بشير الجميل بالتنسيق من العدو الصهيوني. سيبقى كما غيره من التفجيرات والاغتيالات والمذابح والمجازر التي ارتكبها هؤلاء ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني، وصمة عار على جبين آل الجميل وعصاباتهم وكتائبهم وجبهتهم الاجرامية الفاشية. المجد والخلود للشهداء ونحن على العهد أوفياء.

نضال حمد

19-4-2021

شارع عفيف الطيبي بعد الانفجار بقليل