الأرشيفثقافة وفن

الــزكــــام قصة: نبيــل عــودة (ومراجعة نقدية للقصة للدكتور افنان القاسم)

جو الدراسة الجامعية أسعدها. لم تتوقع أن تجد نفسها في مثل هذا الجو من العلاقات الدراسية. الآن بدأت تشعر أنها انتقلت حقا من جيل لا يملك حق القرار لنفسه إلى جيل مسئول عن نفسه. ما حملته من تنبيهات أمها وجدتها عن خطر الاحتكاك مع الشباب، يبدو لها الآن، وبعد اقل من شهر على بدء الدراسة، مقطعا من مسرحية كوميدية، أو من عالم لم يعد له وجود إلا في مخيلات جداتنا. في البداية شعرت بالخوف وبعض الرهبة. شعرت بضعفها، عقلها الواعي أعطاها القوة النفسية لتهزم مخاوفها وتضع حدا لحالة الضعف التي اعترتها في الأيام الأولى. الجو الجامعي المليء بحركة الحياة والحوار التعليمي بين الطلاب، والنقاش السياسي وحول قضايا المجتمع والعادات، أخرجها من العالم ألبيتي الضيق المحصور بين واجبات محددة سلفا، إلى عالم واسع الآفاق حدوده السماء.

كانت، بينها وبين نفسها، تتشوق لعلاقة صداقة خاصة وتتمناها، من ناحية تشعر أن جميع زملاء الصف هم بمثابة أصدقاء، لكن هناك فرق بين صداقة خاصة تربطها بأحلام وأماني مشتركة مع زميل وبين صداقة عامة بحكم الزمالة والتعاون الدراسي. ما يخيفها أن يكون خيارها متسرعا مدفوعة برغبة متأصلة في كل امرأة، فتندم حين لا ينفع الندم وقد يتناثر حلمها الكبير في مواصلة الدراسة الجامعية.

حتى في الحافلة تحايدت الجلوس إلى جانب شاب. لم تجد تفسيرا لتصرفها. دائما تختار زميلة لتجلس بجانبها، ليس خوفا، هي نفسها لا تعرف تعليل تصرفها. في الجامعة داخل غرف المحاضرات والكافيتيريا والمكتبة تتحدث بطلاقة وبدون وجل. عندما تصعد الحافلة تشعر ان العيون تراقبها. لا تعرف مصدر هذا الشعور. هل هي التربية المحافظة تؤثر على تصرفاتها؟ لا تعرف جوابا رغم ثقتها أن المنطق هو التعامل مع زملائها ندا لند.

شخصيتها، مستوى حديثها، ثقافتها من القراءات الكثيرة التي كانت تلتهمها أثناء دراستها الثانوية، أضفت على شخصيتها وقدراتها التعبيرية واتساع معارفها جاذبية شدت إليها زملاء الدراسة، الطلاب والطالبات على حد سواء. كانت مشاعرها تدغدغها بأحاسيس تبعث الثقة في نفسها أنها فتاة مرغوبة لجمالها وعقلها. أن تكون مرغوبة فيه الكثير مما يشبع غرورها.

في السنة الثانية وجدت نفسها، بدون أن تعرف كيف جرى ذلك، تتواصل فكريا مع زميل لها في موضوع الأدب، ثم في موضوع الفلسفة، شعرت انه صاحب تفكير مبدع، قارئ واسع الاطلاع لا يقل بمعارفه عن معارفها، هذا الجانب سحرها. ربما جاذبيته تكمن في معلوماته واتساع آفاقه الثقافية. لا يقل عنها معرفة وإدراكا، يبدو انه أحس بنفس الشعور، كان ممتد القامة تبدو رجولته المبكرة بارزة بقوة، خاصة بصوته الذي يميل للخشونة.

كانت فتاة قمحية اللون، تتميز بشرتها بصفاء نادر، ووجه يشد النظر بغمازتيه، وقامة ما دون الامتلاء.. وشعر أسود حريري رغم أنها تضبطه، بربطه كتلة واحدة وتمنعه من التحرر فوق كتفيها ليتلاعب مع نسمات الهواء. ربما ليست جميلة بشكل خاص، لكنها مريحة بوجهها وقسماتها للناظر. قدراتها التعبيرية عن آرائها وقدرتها على فهم المواضيع بسهولة نسبية، وشرح النقاط الصعبة لبعض الطلاب والطالبات، هو ما جعلها أكثر أهمية من جمالها الوديع والهادئ.

زميلها لم يكن شابا مندفعا. كانت تلتقي بعينيه تلاحقانها، حين تصدمه بالنظر إلى عينيه يبتسم لها متورد الوجه ويحني رأسه احتراما. هل هو خجول إلى هذا الحد؟ كثيرا ما شعرت باليأس منه وسالت نفسها: ما الذي يشدني إليه؟ ما سبب صمته عن الخوض في حديث تتوقعه كلما تبادلا الحديث؟ ربما شدة خجله؟ ملاحقتها بنظراته هل تقول شيئا أم هي صدفة فقط لا غير؟ وهل الصدف تتكرر بمتواليات رياضية؟

بينها وبين نفسها اعترفت انه اخترق قلبها بقوة. بل باتت تخاف عليه من زميلة ما قد تكون أجرأ منها. لكنه يبدو قانعا بحبها من بعيد.. هل هذا ما ترغب به؟

لم تكن تملك إجابة واضحة. أفكار مختلفة متضاربة تصطرع في رأسها. فيها الرغبة وفيها الحذر وقد أشغل فكرها ومشاعرها بشكل لم يسبق لها مواجهته في السابق.

لماذا لا تقطع الطريق وتتحدث معه الند للند حول مواضيع غير مواضيع الدراسة؟ عن الأماني الشخصية مثلا؟ عن المستقبل كما يفكران به؟ أن تبني بينها وبينه صداقة مميزة بين طالبين زميلين؟ ترى هل سيتجاوب؟ ماذا سيقول لنفسه عنها إذا تجرأت وبدأت معه في حديث ذا شجون؟ هل سيصنفها بخانة سلبية؟ أم يعطيه ذلك دفعة من الجرأة ليفصح عن مشاعره؟ وما الضمان أن لا تجد نفسها اقرب إلى علاقة حميمة معه؟ تتمناها ولكنها تعرف أن عقلها سيردها، ربما خوفا، وربما؟.. هل تكون الغرائز أقوى من العقل؟!

مضت نصف سنة وهذه الحال لا تتغير ولولا ضغط الدروس لوجدت نفسها في قلق وتشتت عاطفي لم يسبق لها مواجهته. كانت أروع دقائق حياتها الفترة بين الاستراحات، فترة الحوار المفتوح معه حول مواضيع الدراسة والثقافة عامة. كان يجب أن يشعر بما يدفعها لحواره والحديث معه دون أن تغير نهجها بحوار زميل أو زميلة غيره وذلك منذ شدهما لبعض أول حديث.

كان واضحا لكل الطلاب أن ما يجمعهما معا هي علاقة خاصة، لذلك نادرا ما اخترق الحوار بينهما طالب آخر. لاحظت بوضوح انه يبحث عنها بين الاستراحات ليتحدث معها، مبتعدا عن الجميع. ما باله لا يعبر عن مشاعره نحوها؟ هل في ظنه أن خصوصية ما بينهما تكفي للتعبير عما تتمنى أن تسمعه بكلمات مباشرة؟

من ناحية شخصية، بهرها بسعة اطلاعه على التراث العربي وخاصة عن الحب العذري عند العرب. ترى هل بات متأثرا بهذا الحب لدرجة تجعله لا يفهم ما يعتريها من مشاعر؟ لا يحس بالدفء الخاص في حديثها معه؟ لا يستوعب نداء العيون؟ لا يعبق أنفه برائحة الصبا المتفتح مثل زهور الربيع؟ هل الحب العذري يجعل الإنسان جلمودا بلا أحاسيس؟! ماذا يضير الحب العذري إذا أضيف له اعتراف صغير بان قلبه يخفق كلما التقى بها؟

تبحث بين كلماته عن تلميح ما يخصها، لكنه لا يلمح بشيء بل يواصل النظر إلى وجهها بوداعة تشعرها بالألم حين تضع رأسها على الوسادة ليلا. حتى لمسة يده ليدها تشتهيها.

أحيانا تخاف من الاختلاء به بدون زميلاتها وزملائها، رغم انها تتمنى أن تكون لوحدها معه، في البداية كانت تصر على مرافقة زميلة أو زميلتين، لكن لكل واحده عالمها وأحلامها.. وربما مواضيع الحوار بينهما لا يعني زملاء الدراسة بنفس القدر الذي يشدهما. أو هو تصرف زمالة إنساني بإعطاء الفرصة لعاشقين للتعبير عن نفسيهما بدون حضور غير مرغوب فيه وعلى الأغلب كانا يتحاوران لوحدهما. كم هو جاد في حواره لدرجة تشعرها برغبة بالبكاء. كانت تتمنى أن يفاتحها بإعجابه.. لا تريد أن تقول، أن يفاتحها بحبه، لكنها لا تعرف تعبيرا أقرب لحقيقة ما يعتريها… وربما يعتريه، لكنه يكتفي بابتسامات خجولة تخترق قلبها وتزيد هواجسها. في الحقيقة كانت الأوقات التي تقضيها بقربه هي أجمل ما في أيامها منذ وصولها للجامعة.

في الفترة الأخيرة بدأ يتقرب منها ويحادثها عن نفسه وعن أهل بيته وهذا طمأنها. شعرت أنها مقدمة لحديث ذو شجون ولكنه لم يتجاوز الرسميات. إذا كان هذا هو التطبيق العملي للحب العذري فليسقط هذا الحب قبل أن يصرعها. لا تعرف سببا يمكن تحديده لرغبتها بأن تكون بقربه دائما. صارت، دون أن تدري، تفضل لقائه وحيدة وبعيدا أكثر ما يمكن عن عيون زملاء الدراسة، لعل الجو المليء بنظرات الزملاء، وربما توقعاتهم أن ما بينهما ليس مجرد حديث دراسي، بل حب ملتهب جعلهما يميلان للابتعاد إلى أكثر الزوايا فراغا وهدوءا من النظرات. يتحدثان عن مواضيع الدراسة،عن الثقافة،عن التراث، عندما يطرقان موضوع الحب العذري يتحدث بتدفق ودون توقف.. لدرجها تشعرها برغبة في أن تقول له ليذهب هو وحب العرب العذري إلى الجحيم.

هل شوه الحب العذري نفسيته ورجولته؟! أم هي عقيدة دينية جديدة؟!

كانت تحدثه عن آخر قراءاتها الروائية، تشدد الحديث عن لحظات الغرام بين أبطال الرواية وقدرة الكاتب على توصيف لحظات الحب. قصدت أن يكون حديثها مليء بالتمثيل والدعوات الصريحة له إلى الإقدام.. كان إحساسها أن اللقاء بينهما تشارك فيه رغبتين متحفزتين، ترى من يجرؤ أن يكون السابق في الاعتراف بما يعتمل في نفسه؟ تفكيرها يقول لها أن البادئ يجب أن يكون الشاب، وتطمئن نفسها أن طهارة نفسه، أوهامه العذرية، هي المانع، لكنها لا تعشق هذه الطهارة وتتمناه جريئا مقداما وتثق انه سيعبر هذه المرحلة… إنما متى؟ وكيف تدفعه إلى ذلك؟

في درس عن التراث العربي تطرق المحاضر لموضوع الحب العذري عند العرب، اتسع الحديث حول مفاهيم الحب المختلفة، تحدثت هي مطولا مستعرضة الكثير من قصص الحب العذري عند العرب، كما حفظتها منه، فاجأت الطلاب بسعة اطلاعها، كانت عيناها اثناء الحديث لا تفارقان عينيه، كأنها تقول له هذه حالنا أيضا، أليس كذلك ؟ ألا تفكر بما هو مختلف؟

بعدها، تحدثت طالبة عن الحب وكيف صار في أيامنا مبتذلا. قالت أن الذكور حطموا مفاهيم الحب الإنساني بمبالغتهم وفهمهم أن الحب مجرد ممارسة جنسية. أن الحب العذري مقدمة لحب حقيقي، إنساني وعدا ذلك لا قيمة له، قد ينفع الشعراء ولكنه لا ينفع الإنسان.

زميلها الذي ترتجف له شغاف قلبها طلب حق الكلام. شعرت وكأنه سيرد عليها، لأن نظراته هو الآخر لم تفارق عينيها.

قال أن المشكلة قد تكون ذكورية مجتمعنا الشرقي، الذي يعتبر المرأة حالة جنسية فقط وينفي عنها عقلها. أن الحب العذري يسمو بالمرأة إلى السماء. أرادت أن تقاطعه صارخة أن ما يهمها الواقع على الأرض ولكنها أمسكت نفسها في اللحظة الأخيرة.

تابع يقول: الحقيقة أن المجتمعات المنفتحة الليبرالية تعاني أقل من مجتمعاتنا من الانحرافات الجنسية، رغم انها لا تعرف الحب العذري، ورغم فهمنا المغلوط أنها إباحية… ان الموضوع يتعلق بإعطاء المرأة مكانة متساوية للرجل.

هذا المقطع أعجبها.

وواصل القول بحماس: أن مشكلتنا نحن الشرقيين، إننا نفهم الحب كسيطرة للرجل. هذا ليس حبا إطلاقا. هذه صفقة شراء، الجانب المغموط الحق فيه هي المرأة. الرجل يبيعها وهما. هذا ما يشكل قضية اجتماعية وإنسانية حارقة. إن أجمل حب هو حب لا يميز بين الجانبين بسبب اختلاف الجنس.

ثم استفاض بالحديث عن مفاهيم الحب العذري، بشكل جعل حتى المحاضر ينصت بلا مقاطعة أو إضافة ملاحظات، بل جلس مشدوها وكأنه طالب أمام أستاذه البارع.

سرها عرضه وكأنه يشرح لها مفاهيمه عن العشق وعن رؤيته لمكانة المرأة. كانت على قناعة أن الحب العذري ينمي إنسانية الشخص والويل إذا صار نوعا من العبادة.

قال مواصلا بعد إن توقف لبرهة قصيرة: سأحدثكم بطرفة جنسية، رغم إني سألقى نقدا من البعض على جرأتي بقصها، هي عن عبثية الحب العذري الذي أعتبره منميا لأجمل ما في الإنسان من خصال أخلاقية..

فاجأها بتعبير عبثية الحب العذري، موقف لم تتوقعه وأسعدها حقا.

قال: خرج عاشقان طالت بينهما سنوات الحب العذري، لرحلة في الطبيعة. بعد ساعة من السير جلسا تحت شجرة وارفة الظلال .. كان الجو شاعريا، سألته:” قل لي يا صديقي كيف يعرف القط أن القطة تريده؟” أجابها:” من رائحتها”. ثم انتقلا إلى تلة مرتفعة تشرف على بساتين خضراء. سألته:” والكلب كيف يعرف أن الكلبة تريده؟” أجاب:” من رائحتها”. وانتقلا إلى ضفة نهر. سألته:” وكيف يعرف الغزال أن غزالته اشتاقت له؟” أجابها:” من رائحتها”. وصلا إلى حديقة زهور، جلسا متجاورين فوق أحد البنوك وشاهدا أرنبان بريان يركضان هربا منهما. سألته:”افهم أيضا أن الأرنب يركض وراء الأرنبة بسبب رائحتها؟”. أجاب” “هذا صحيح”. فقالت محتدة: “إلا أنتم معشر الرجال، مصابون بالزكام!!”

ضحكت كما لم تضحك في حياتها، بل الصف كله ارتج من قوة الضحك، تمنت أن تقترب منه وان تضمه إلى صدرها بقوة وأن تبكي، هكذا بلا سبب بين ذراعية وفوق صدره.

مع انتهاء الدرس تعمدت أن تحاذيه. نظرا بعيني بعض طويلا، بادلها ابتسامتها بابتسامة عريضة. كانت متشوقة لكلمة منه لهمسة، لتأوه، ها هي تنظر إليه نظرات ذات معنى ليتجرأ ويبدأ، كانت مستعدة لكل المخاطر، لم تعد تطيق الصبر، لكنه واصل الابتسام لها، كعادته عندما تفاجئه يلاحقها بنظراته، أراد أن يعبر عنها ويمضي، لمست يده بيدها لمسة لها أكثر من معنى ودلالة، فنظر إليها متيقظا منفعلا، لا تعرف ما اعتراها، وجدت نفسها تسأله همسا وعيناها في عينيه: “هل أنت مصاب بالزكام؟”

nabiloudeh@gmail.com

____________________

وظائف الكلام في قصة الزكام لنبيل عودة

د. أفنان القاسم

لا أريد أن أنظر إلى طريقة السرد في “الزكام” لنبيل عودة نظرة الناقد التقليدي إلى عناصر الأحداث في تكونها المعروف، مقدمة، فعقدة، فحل: المقدمة توجز تقديم الشخصية الرئيسية في زمان ومكان محددين حياتها شكلها فعلها حلمها، العقدة تتمحور حول علاقتها العاطفية بشخصية رئيسية ثانية بعد نسيج هيكلي كلي عندما تتأزم هذه العلاقة ويبدو المحتمل فيها غير محتمل، الحل يجيء في السطور الأخيرة مفاجئًا وقالبًا لكل معايير النص والواقع… لا أريد إذن أن أنظر إلى الطريقة السردية نظرة كلاسيكية وإنما كنسق يجري عليه التطور البنيوي، والنسق هنا مرتبط بسلوك الشخصيتين الأساسيتين للقصة، وبتصرفهما، وهو ذو حدين تعبيري وانفعالي. تعبيري عندما يصف السارد عالم البطلة الجامعي “جو الدراسة” “الاحتكاك بالشباب” “التواصل فكريًا مع زميل”… إلى آخره، فيذهب بالتطور البنيوي من التعميم “جو الدراسة” إلى الحصر “الاحتكاك بالشباب” ثم إلى التحديد “التواصل فكريًا مع زميل”. انفعالي عندما يحلل السارد نفسية البطلة “مسئوليتها كطالبة”، “اكتشاف أن خطر الاحتكاك بالشباب من مخيلة الجدات”، “عقلها الواعي يهزم مخاوفها ويضع حدًا لضعفها”… إلى آخره، فيكون الشيء نفسه فيما يخص التطور البنيوي الذاهب من التعميم “مسئولية الشخصية الرئيسية كطالبة” إلى الحصر “اكتشاف أن خطر الاحتكاك بالشباب من مخيلة الجدات” ثم إلى التحديد “عقلها الواعي يهزم مخاوفها ويضع حدًا لضعفها”. السيرورة البنيوية واضحة هنا، وارتباط الوظيفتين التعبيرية والانفعالية كذلك، اعتمادًا من السارد على وظيفة ثالثة مرجعية، لا علاقة لها بالكلام (لغة التعبير ولغة الانفعال) بل بما هو خارج الكلام (عالم الجامعة وأشياؤه) عالم يرجع إليه السارد ندعوه بالسياق، غرف المحاضرات الكافيتيريا المكتبة الحافلة الممرات الحدائق وكذلك الطلاب والأساتذة والزملاء إلى آخره، وهذه كلها إشارات مرجعية لعالم الجامعة، وتأخذ الوظيفة المرجعية أهمية لا تقل عن الوظيفتين التعبيرية والانفعالية عندما يعرض السارد للعالم الفكري وموضوعاته (النقاشات الأدبية والفلسفية حول موضوعات عدة وخاصة موضوعة الحب العذري) وسنرى أن هذه الوظيفة هي التي ستصل بالتطور البنيوي إلى أقصاه، بعد أن يؤشر السياق إليها كمرجعية نصية.

الوظيفة التعبيرية

تبدأ القصة ب “جو الدراسة الجامعية أعجبها”، وفي الحال تتضح للمتلقي حقيقة معارضة لما تدلل عليه هذه العبارة، جو الدراسة الجامعية الذي لا يعجب أحدًا، والذي يفصّله السارد تحت تنبيهات الأم والجدة، وفي الوقت نفسه تتضح للمتلقي طريقتان في التفكير وفي النظر إلى العالم، سرعان ما يقطع السارد بينهما لصالح الشخصية الرئيسية، الطالبة، الطالبة المتحررة، لكنه لا يتوخى السهولة، ويسعى إلى نص ذي قيمة يتعين علينا اكتشافه، فيعتمد طريقة السرد ذاتها كنسق يجري عليه التطور البنيوي، هي الآن طريقة في التعبير تمضي في تطورها من وصف لعالم الجامعة ووصف لما تتشوق إليه الشخصية الرئيسية من علاقة صداقة، كما يقول السارد، إلى وصف خارجي لشخصيتها وجمالها “ليست جميلة بشكل خاص لكنها مريحة بوجهها وقسماتها للناظر” وغلبة علمها وذكائها، ازدواجية ليست ذات أهمية بعد أن تم الحسم في تحرر البطلة، والتركيز على الحب الذي تريده، فالحب هو العنصر البنيوي الأساسي، وكل الوظيفة التعبيرية تدور حوله… ثم يعتمد السارد الطريقة ذاتها في وصفه للزميل، الشخصية الرئيسية الثانية، الذي “اخترق قلبها بقوة”، “جاذبيته تكمن في معلوماته واتساع آفاقه الثقافية”، ومنذ البداية، نعرف أنه “لم يكن شابًا مندفعًا”. هنا أيضًا تتضح للمتلقي طريقتان في رسم شخصية الحبيب المفترض، متزنة كما هي في الواقع، وغير متزنة ولكن بحدود ما يُرْسَمُ لشخصية الحبيب كعاشق كما هي في الخيال، لا يقطع السارد بينهما كما فعل بخصوص العالم التقليدي والعالم المتحرر، وإلا انتهت القصة، ولم يعد يوجد ما يبررها، فيداوم على تقديم الشخصية المتزنة لدرجة تستفز القارئ أكثر من استفزازها للحبيبة المفترضة، وبشكل غير مباشر تدفعه هذه الشخصية ذات التحفيز السردي إلى مواصلة القراءة، فيتحول النسق إلى عنصر للتشويق لدى المتلقي إضافة إلى كونه عنصرًا للتطوير البنيوي، لأن العلاقة بين جمال التلقي والموضوع القصصي –جاكوبسون يقول الموضوع الشعري- تصبح بدءًا من هنا واضحةً تمام الوضوح.

الوظيفة الانفعالية

قلنا عن الانفعالي عندما يحلل السارد نفسية البطلة، أناها، وبطريقة أخرى عندما يخوض غمار لغة الانفعال جنبًا إلى جنب مع لغة التعبير، فتكون للانفعال وظيفة من وظائف الكلام حسب نظرية جاكوبسون، وعاملاً من عوامل الإنتاج اللغوي. في “الزكام” يتكلم السارد عن الشخصية الرئيسية الأولى، يتكلم عنها بلسان الغائب، ولكن كل ما يقوله عن أناها، وفي حالة الشخصية الرئيسية الثانية، الزميل، يتكلم السارد عنه، يتكلم عنه بلسان الغائب، ولكن كل ما يقوله عن أناه، تمامًا كما هو حال الأنا في النص الشعري، أضف إلى ذلك، وليس كما هو حال الأنا في النص الشعري، يعرض السارد لأنا مزدوجة لدى البطلة، إحداهما ذات “تربية محافظة” والأخرى تسعى إلى “علاقة حميمة” بمعنى ليست محافظة، وكما فعل مع عالميها المحافظ والمتحرر يقطع في صالح العلاقة الحميمة مع الشاب، فكل عواطف الفتاة تريد هذا ” قَصَدَتْ أن يكون حديثها مليء بالتمثيل والدعوات الصريحة له إلى الإقدام”، وهي في سلوكها تعمل على تحقيقه على الرغم من هذا السؤال الأساسي الذي دافعه عالمها النفسي “هل تكون الغرائز أقوى من العقل؟!”، في أحاديثها، في مُسَارَّاتها، في أحلامها، في تمرداتها “ليذهب هو وحب العرب العذري إلى الجحيم”، لدرجة يظن “الطلاب أن ما يجمعهما معًا هي علاقة خاصة”. وعلى العكس، يمارس الشاب “عبثية الحب العذري” كما يعترف ذات يوم، على الرغم من “الطهارة” –تقول الفتاة- التي تشكل عالمه النفسي، ونستنبط من أقواله “الساخطة” على ما يدعوه بالمجتمع الذكوري المجتمع المشرقي أنها أقوال، لا شيء غير أقوال، سلبياتها كإيجابياتها، فالسخط يليه التمرد لا الانطواء وقرع أبواب المدينة الفاضلة، وتحت ازدواجية للأنا، إحداهما الأنا-العذرية، نظرات من بعيد، وابتسامات، وخجل غير مبرر، وعرض لمشاكله الشخصية لمجرد العرض لا البوح، البوح لحبيب أو على الأقل لشخص هو أكثر من صديق، فهو “لم يتجاوز الرسميات”، والثانية الأنا-البطريركية، خشونة صوته، تفوقه المعرفي، تفوقه المجتمعي، تفوقه الذاكرتي المتوج بقصة من الذاكرة (الذاكرة الفردية والذاكرة بمعنى التراث كليلة ودمنة ربما الذاكرة الجماعية) عندما يروي قصة فتاة تحب آخر –تشتهيه بكلمة أوضح هذا الحق الإنساني- لا يعرف عن هذا الحب شيئًا بينما يعرف الحيوان -كما يقول- حب أنثاه من شمه لرائحتها، لتقول له حبيبته ما ستقوله للفتى الفتاة المغرمة إذا ما كان مصابًا بالزكام، مع كل الدلالات التي يحمل هذا البوح الفجائي، هذا الانقلاب الفجائي، من مسعى إلى وضع حد للانفصام النفسي، انفصام مضى بالاعتراف غير المباشر ثم بالتأكيد المباشر لوضع “استثنائي” في عالم بطريركي، لن تخرج المرأة المتحررة منه مظفرة، كما تعتقد واهمة، وإنما ستتخلى فيه عن حريتها عندما تغدو “حالة جنسية” أو بعض حريتها في سبيل حبها.

الوظيفة المرجعية

تهيمن الوظيفة المرجعية على النص كمعيار خارج لغوي كما ذكرنا، خارج الكلام، عالم الأشياء أو عالم المراجع أو عالم الشخصيات، وهي الوظيفة الأقل “أدبية” كما يقول الألسني دانيال بريوليه، ولكنها تبقى ذات إشارات لسانية ضرورية تعتمد الدال والمدلول، وتعسفية تعتمد كل النص ومرجعه المادي كما يقول الألسني إيميل بنفينيست. من عالم الأشياء هناك الجامعة كدال والعلم كمدلول، ومن عالم المراجع هناك السياق الدراسي كدال والمفاهيم حين يعرض النص لها من خلال النقاشات حول الحب (نظرة مشرقية أم غير مشرقية، حب عذري أم حب جنسي) كمدلول، ومن عالم الشخصيات هناك عالم المرأة وعالم الرجل كدال وشكلاهما المتحرر والمستبد كمدلول. الازدواجية هنا لا يقطع فيها السارد بل يتركها جوهرًا لكل النص كدال ولإشكاليته كمدلول، الإشكالية كمرجع مادي، وعدم القطع فيها، هذا الإجراء “التعسفي” يعطي للنص زخمه المعنيي، ويعمق من البعد التراجيدي للساخر، إذا أحسنا القول. لهذا توظف كل المرجعيات الخاصة بالخطاب المتمثل بالنقاشات تحت محاور عدة حول موضوعة الحب أولاً بأول في خدمة البعدين الانفعالي والتعبيري، وعرض هذه الموضوعة من كل جوانبها ومن كل الأطراف، وفي العرض تطور بالبنية السردية وبفواعل هذا البنية الذين هم شخصياتها وبأفعال هذه الشخصيات، وستصل هذه المرجعيات بالتطور البنيوي إلى أقصاه: 1- يتطرق المحاضر إلى موضوع الحب العذري عند العرب. 2- يتسع الحديث حول مفاهيم الحب المختلفة. 3- تتحدث الشخصية الأساسية مطولاً مستعرضة الكثير من قصص الحب العذري عند العرب. 4- تفاجئ الطلاب بسعة اطلاعها. 5- تتحدث طالبة عن الحب وكيف صار في أيامنا مبتذلاً. الحب العذري مقدمة لحب حقيقي، إنساني (ضمنيًا العكس هو الصحيح)، وعدا ذلك لا قيمة له. 6- يطلب الحبيب المفترض الكلام، ويذهب في حديث متعرج عن ذكورية المجتمع المشرقي، يقارنه بالمجتمع الغربي (في النص الليبرالي) ودائمًا تحت لواء الحب العذري وبعد أن يؤكد نفي المجتمع المشرقي لعقل المرأة القائم على نفي الحب يطالب بإعطائها حق المساواة مع الرجل كما هو عليه في المجتمع الغربي. 7- يعجب هذا المقطع الحبيبة المفترضة. 8- يواصل الحبيب المفترض مداخلته ضد الحب كسيطرة للرجل ومع الحب العذري. 9- ينصت المحاضر بلا مقاطعة أو إضافة ملاحظات بل يجلس مشدوهًا وكأنه طالب أمام أستاذه البارع. 10- يسر الحبيبة المفترضة عرض حبيبها المفترض، وتعتبر الأمر موجهًا إليها، ويفاجئها بتعبير عبثية الحب العذري. 11- يتوج كلامه بقصة عن العاشقين العذريين وكيف رائحة أنثى الحيوان تغدو أكثر من دال عن الحب بل دعوة ذكر الحيوان إلى ممارسته. 12- يختتم القصة بالجملة القصوى: إلا أنتم معشر الرجال مصابون بالزكام! والكلمة الجوهرية: الزكام، عنوان القصة. 13- يضحك الكل. 14- تتعمد الحبيبة المفترضة التحرش بالحبيب المفترض. 15- أمام التناقض الظاهر بين القول والفعل لديه تطرح عليه السؤال الجوهري “هل أنت مصاب بالزكام؟” نهايةً للسرد، لنلاحظ من هذه الوحدات الدلالية أن التطور البنيوي ذو حدين، تطور مرجعي حدثي (الانتقال من شخصية إلى أخرى)، وتطور مرجعي مفهومي (موضوعة الحب تحت كافة وجوهها وبشكل عام لا الحب العذري فقط)، وأن البعد المرجعي في خدمة البعدين الانفعالي (ردود فعل الأنا) والتعبيري (لغة ردود الفعل) واللذين يحبلان بالفكاهي، بالساخر، متمثلاً بالانقلاب الفجائي، أقصى ما يصل إليه التطوير السردي، المعبر عنه في الجملة الأخيرة التي قالتها الحبيبة لرجلها ليفهم كما تفهم الحيوانات النبيهة أنها تحبه “هل أنت مصاب بالزكام؟” وليبتسم القارئ، فينجح نبيل عودة مرتين، حتى النجاح لديه مزدوج، عندما قدم نصًا خفيفًا في شكله ومضمونه لا يمكن إلا ليد العارف المتمرس كتابته، وعندما أثبت كما هو دأب القصاصين الكبار بلزاك موباسان إدريس كويلو أن في الموضوع والشكل الخفيفين جسامة لا تصدق.

*مفكر، ناقد، أديب ومحاضر جامعي فلسطيني – باريس/ فرنسا