الأرشيفوقفة عز

تصرحيات بايدن السابقة والراهنة – نضال حمد

 في سن 57 عاماً وعندما كان مازال سناتوراً وتحديداً سنة 1999 دعا الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن الى مهاجمة يوغسلافيا على الطريقة الألمانية اليابانية والى تدميرها وإبادة سكانها واعتقال رئيسها وقادتها. في ذلك الوقت كان الأمريكيون منتشون بهزيمة الاتحاد السوفيتي وتفكك وتساقط المعسكر الاشتراكي والشرقي. ساعد وجود “السكير” يلتسن كرئيس لروسيا الضعيفة والمهزومة في توحش الأمريكيين وتدخلهم المباشر حتى عسكرياً في بلدان تعتبر حليفة مهمة مثل يوغسلافيا والعراق. كانت الولايات المتحدة الامريكية في ذلك الوقت تطبق سياساتها المُعدة لما بعد سقوط السوفييت وحلف وارسو وجدار برلين، التي كان عمادها يقوم على تصفية كل ما له علاقة بالمعسكر الاشتراكي في أوروبا والعالم.

طبعاً ليس غريباً على الأمريكيين وسياسييهم إطلاق مثل هذه التصريحات العدوانية والتهديدات الوقحة بحق الشعوب والدول والأمم. فبعد استفرادهم في قيادة العالم ازدادوا عدوانية ووقاحة وهمجية. فهاجموا عدداً من الدول وارتكبوا المجازر والمذابح واستخدموا الأسلحة المحرمة دولياً وقتلوا وجرحوا ملايين البشر في دول مختلفة.

يخطئ من يعتقد أن قادة الرأسمالية والامبريالية الأمريكية المتغولة لديهم ضمائر أو مشاعر انسانية. لو كانوا كذلك لما فرضوا حصاراً ظالماً وهمجياً على الشعب الكوبي في جزيرته – دولته لأكثر من خمسين عاماً متتالية.

في سن 79 سنة أصبح السناتور بايدن رئيساً للولايات المتحدة بعد فوزه في الانتخابات وهزيمة المتعجرف والمتهور ترامب. بدلاً من التقاعد والتزام البيت مع الأولاد والأحفاد لقضاء ما تبقى له من العمر اختار بايدن تحقيق حلمه برئاسة الولايات المتحدة ونجح في ذلك.

في ثاني أيام زيارته الى بولندا السبت 26-3-2022 دعا من قلب العاصمة البولندية وارسو التي كانت عاصمة لحلف وارسو بقيادة روسيا، الى الإطاحة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما ونعته بأوصاف عديدة مثل الجزار والمجرم والقاتل والخ. هذا طبعاً تصعيد خطير جداً في الموقف الأمريكي وربما يكون تمهيداً للتعامل المستقبلي مع روسيا والرئيس بوتين شخصياً ومع القادة الروس في مرحلة ما بعد حرب اوكرانيا. طبعاً يعرف بايدن وتعرف إدارته أن روسيا هي روسيا النووية والند بالند مع الولايات المتحدة، وأن المواجهة معها ليست مزحة ولا كزدورة كما حصل في بنما وغرينادا.

في تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست يوم الأحد الموافق 27-3-2022 قال كاتباه تايلر بيجر ومات فيزر: “إن الرئيس الأميركي جو بايدن أثار ضجة واسعة بإعلانه أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “لا يمكنه البقاء في السلطة”، وأدى ذلك إلى تدافع مسؤولي البيت الأبيض، حيث بدا أن بايدن يقترح تغييراً جذرياً في السياسة الأميركية. ولفت كاتبا التقرير الانتباه إلى أن بايدن كان كثيرا ما يذكّر جمهوره خلال حملته الانتخابية بالوزن الثقيل الذي يمكن أن تحمله كلمات الرؤساء، إذ كان يردد أن “كلام الرؤساء مهم”، و”يمكنهم تحريك الأسواق”، و”يمكنهم إرسال رجالنا ونسائنا الشجعان إلى الحرب”، و”يمكنهم إحلال السلام”.

قبل أيام حلت الذكرى ال 23 للعدوان الأمريكي على يوغسلافيا سنة 1999. حيث قصفت الطائرات الأمريكية يوغسلافيا في عدوان وحشي أودى بحيوات الآلاف. في ذلك الوقت كان الرئيس الأمريكي جو بايدن لازال سناتوراً. حيث دعا الى شن هجوم بري واحتلال يوغسلافيا على غرار ما حدث في ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية. تلك الدعوة الصقورية من بايدن ذهبت الى أبعد حدود التصعيد العسكري وصولاً الى التهديد بالإبادة. كلنا لازلنا نتذكر في الهجوم على اليابان  كيف استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية أسلحة الدمار الشامل، القنابل الذرية في هيروشيما وناكازاكي.

لذا فأنا كثيرا ما أردد أن الخطر على البشرية يكمن في الولايات المتحدة الأمريكية و”اسرائيل” الصهيونية حيث يمكنهما استخدام الأسلحة النووية.

قد يسأل البعض لماذا؟

الجواب هو التالي:

لأنهما دولتين لقيطتين بلا هوية وبلا تاريخ. تأسستا بالسيف والنار والدماء على أيدي مستوطنين ارهابيين غُزاة، أقاموا دولتيهما هناك بالقوة والارهاب وعلى عظام وجماجم السكان الأصليين الهنود الحمر في أمريكا والفلسطينيين في فلسطين المحتلة.

نشرت مؤخراً بعض وسائل الاعلام والمواقع الأمريكية والعالمية شريط فيديو قديم لبايدن من زمن أزمة يوغوسلافيا. في ذلك الزمن كان بايدن يعتبر صقراً من صقور الولايات المتحدة الأمريكية، المتعطشين لسفك الدماء وإبادة الشعوب، كما فعلت دولته مع السكان الأصليين من الهنود الحمر أو مع المستعبدين الأفارقة الزنوج. كما أنها هي التي إستباحت أوطان وبلدان الآخرين، احتلالاً وعدواناً وانقلابات وحصارات اقتصادية والخ. خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانفرادها في التحكم بالشعوب والدول في كل العالم.

عند العودة الى أيار – مايو سنة 1999 سوف نجد مقابلة تلفزيونية للسناتور جو بايدن جاء فيها: “يجب أن نذهب مباشرة إلى بلغراد ونعتقل (الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان) ميلوسيفيتش.. الكونغرس الجمهوري لن يصوت حتى على القصف. والناتو لن يوافق على فكرة نشر قوات برية…  كنت أقول (دائما) إن علينا أن نذهب إلى عملية برية وعلينا أن نعلن أنه سيكون هناك ضحايا أمريكيون. يجب أن نذهب إلى بلغراد ويجب أن يكون هناك احتلال على الطريقة اليابانية الألمانية لهذا البلد”، مضيفا أنه ينبغي أيضا تنظيم “محاكمات علنية” هناك… وفي فيديو قديم آخر تداوله من قبل نشطاء أمريكيون دعا بايدن لقصف صربيا وتدميرها عن بكرة أبيها.

فيما بعد هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو بلغراد والاراضي اليوغسلافية على مدار 78 يوماً وأدى العدوان الى تدمير كبير في البلاد ومصرع نحو 5 آلاف شخص وجرح أكثر من 10 آلاف أخرين.

الغالبية الساحقة من سكان اوروبا الشرقية وبالذات الدول التي تحكمها أحزاباً شيوعية واشتراكية يكنون عداءا كبيراً وكراهية مطلقة لروسيا. وبالوقت نفسه عشق للولايات المتحدة الأمريكية، ويعتبرونها واحة الديمقراطية العالمية وسيدة الحضارة والرقي والتقدم والمساواة في هذا العالم. يعود هذا الفهم المقلوب عند هؤلاء الناس الى سببين الأول كراهيتهم للاشتراكية وللروس ولانظمتهم السابقة التي يعتبرونها عملاء للروس الذين بدورهم اعتبروا قوة احتلال. والثاني لغياب المعرفة بقضايا الآخرين وتبني السياسات والتوجهات الاعلامية والثقافية التي جلبتها لهم قوى الغرب الرأسمالي. فعندما تقول لهم هذه سياسات تكيل بمكيالين وهناك قضايا في العالم أقدم بكثير من قضية اوكرانيا مثل القضية الفلسطينية. يجيئ جوابهم المعتاد أن اوكرانيا جارتهم وعلى حدودهم، بالمقابل فلسطين بعيدة عنهم ولا يعرفون الكثير عنها وأن كثيرين من سكان هذه البلاد منغلقون ولا يعرفون اي شيء عن العالم العربي، وربما يتوجسون من العرب والمسلمين… وفي هذا أيضاً هناك دور للكنائس ورجال الدين الذين قام ولازال يقوم بعضهم بالتحريض ضد المسلمين. بالإضافة لأعمال الجماعات الاسلامية المتشددة مثل داعش وغيرها التي شوهت الاسلام وقدمته اليهم كوحش كاسر وبلا رحمة.

يتحدثون عن داعش الاسلامية وهي صناعة أمريكية غربية ولا يتحدثون عن كتيبة آزوف وهي داعش أوكرانية مدعومة غربياً ومدربة “اسرائيلياً” بالرغم من انها كتيبة فاشيين ونازيين ومتطرفين عنصريين تضم أوروبيين وليس فقط أوكرانيين. يعتبرونها حركة مقاومة تقاتل الغزو الروسي ولا يأتون على ذكرها في الاعلام إلا بالخير. ومثل آزوف هناك جماعات اوروبية وغربية عديدة منتشرة في الغرب عموماً.

لدينا عقبة كبيرة أخرى مع الأوروبيين بشكل عام وهي أنهم لا يعترفون بيهودهم كموطنين مثل بقية المواطنين الأوروبيين. يعتبرونهم شعباً آخراً أو جالية من أمة أخرى أقامت بينهم.

في هذا هم يخدمون الفكرة الصهيونية وأفكار القوى النازية والفاشية والشعوبية القومية المتعصبة، التي لا تريد للمواطنين والسكان من الديانة اليهودية أن يكونوا جزءاً من أوروبا المسيحية والعلمانية وأحيانا الملحدة في آن واحد..

أليس هذا الاتفاق مثيراً ويدعو للتفكير؟

لماذا هذا الاتفاق أو الاجماع الاوروبي والصهيوني على رفض وعزل المواطنين الأوروبيين من أتباع الديانة اليهودية وتشجيعهم على الهجرة الى فلسطين المحتلة.

ربما تلاقي المصالح بين الأفكار الصهيونية والأفكار القومية الأوروبية… هكذا ولدت “اسرائيل” وغابت فلسطين.

لهذا قام النازيون والفاشيون بذبح اليهود أو اجبارهم عبر الوسيط الصهيوني والوكالة اليهودية للهجرة، على الفرار والهجرة الى فلسطين العربية تحت الانتداب والاستعمار البريطاني، كي يقيموا دولة خاصة بهم في بلادنا بعد طرد وقتل شعبنا والاستيلاء على وطننا.

تلك أيضاً جريمة تتحمل مسؤوليتها كل دول أوروبا والغرب والأمم المتحدة.

28-3-2022

نضال حمد