الأرشيفالجاليات والشتات

أُستاذ أحمد.. إنّهم أكثر من جهلة – رشاد ابوشاور

أنت الآن تضرب كفاً بكفٍّ وتردّد بحزن وغضب: يا لضيعة الكرامة والشرف والأخلاق! يا للجهل بالتاريخ والجغرافيا! فمن سيقوا إلى النقب لا يعرفون عنه شيئاً. هم منسجمون مع جهلهم، ولا يريدون أن يعرفوا، لأن المعرفة تقلقهم وتوجعهم وتربك حياتهم، وآخر همومهم أن يعرفوا، فالتاريخ حكايات مضت، ولا شأن لهم بها، والجغرافيا يرونها عبر شبابيك القصور المحروسة التي يطلون عبر زجاجها لاستراق السمع على الناس وحركتهم في حياتهم اليومية القاسية، المليئة بالمعاناة والخوف وشظف العيش والغربة في الوطن.

ما كان يخطر في بالك أن السقوط سيبلغ ببعض المتحكمين العرب في مقدرات شعوب يتحكمون في حياتها هذا الدرك الأسفل، ولكنه وقع يا أُستاذ، ونحن نراه ونسمع عنه ويزداد قهرنا منه ومن “أدوات” بمرتبة حُكّام نُصِّبوا في مواقع ليسوا جديرين بها، ولا يأبهون بأنهم لا يحظون بأدنى شعبية ممّن يحكمونهم، فهم يستمدون أسباب ثبات كراسيهم ممن نصّبوهم، ويحيطونهم بالرعاية. لذا، إنّ ولاءهم لرعاتهم وأولياء نعمتهم مثبتي كراسيهم.

هؤلاء يا أُستاذ زرعوا الإقليمية في كل بلاد العرب، وأفشوا الخوف من العرب “المجاورين” لهم، ليشغلوهم عن حقوقهم وانتمائهم وإخوتهم، وعن تحقيق “الوحدة” العربية التي ستقوى، لأن فيها التكامل والنهوض ونفض التبعية للغرب والسكوت على الاحتلال الصهيوني لفلسطين والجولان وبعض أراضي لبنان.

هناك من يعرفون أين دُفنتَ يا أستاذ عندما رحلت عن هذه الدنيا، فأنت اخترتَ أن تدفن بجوار ضريح الصحابي أبي عبيدة الجرّاح، شرقي نهر الأردن، والذي كان قائد جيوش الفتح والتحرير؛ تحرير بلاد الشام من الرومان، ورحل بالوباء الذي تفشى وحصد أرواح جنود الجيش الزاحف لكنس الاحتلال الروماني، وكانت وصيّته أن يُدفن حيث هو، في أرض باركها الدم الطاهر لتحرير البلاد من الرومان الذين هُزموا وطُردوا، ليبدأ الزمن العربي، حيث التقى عربُ الجزيرة عربَ بلاد الشام المسيحيين الذين قاتلوا الرومان مع إخوتهم عرب الجزيرة الذين حرروهم من طغيان الرومان، ليبدأ زمن أُخوّة العرب المسلمين والمسيحيين.

دُفنتَ في قبر بسيط بجوار مسجد وضريح أبي عبيدة بين قبور الناس البسطاء، وطلبتَ أن تُخطّ على رخامة القبر: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين”. أحمد بن أسعد الشقيري. وُلِد في تبنين في لبنان في العام 1902، وتوفي في عمان في العام 1980، ولا شيءَ يُضاف، فلا تفخيم في سيرتك.

أمّا لماذا دُفنتَ بجوار الصحابي أبي عبيدة عامر بن الجرّاح؛ أمين الأمة؟ فلأنك ترد على بن غوريون الصهيوني، رئيس الكيان الصهيوني الأول، الذي أوصى بأن يُدفن في مستعمرة “سيديه بوكر” التي اختارها ليختم حياته فيها، بعد أن أُزيح عن رئاسة “دولة” الكيان الصّهيوني.

وقد اختار “خاتمة” حياته في تلك المستعمرة في النقب، وكأنه يوصي قادة الكيان من بعده بأن يتوسعوا جنوباً باتجاه مصر، ولكن سامح شكري يجهل جوهر تفكير قادة الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني، ويتوجه مع “قطيع” المطبعين مطأطئ الرأس، لأنهم جميعاً لا يعرفون، ولا يريدون أن يعرفوا، جوهر الصهيونية وأطماعها.

لذا، يتزاحم وزراء خارجية مصر والمغرب ودويلتي البحرين والإمارات على تقديم الولاء لأميركا عبر وزير خارجيتها بلينكن، وللكيان الصهيوني، ويتناسى الوزراء الجهلة أنَّ الجيوش التي اقتلعت الاحتلال الصليبي عبرت لتحرير القدس من هنا، وهي تزحف من مصر بقيادة صلاح الدين الأيوبي.

انساق وزراء خارجية دول “عربية” للإقامة في فندق قريب من قبر بن غوريون. وربما إمعاناً منهم في التطبيع، يتلون الفاتحة، إذا كانوا يحفظونها ويفهمون معاني آياتها، على روح مؤسّس “دولة” الكيان الصهيوني.

هم لم يسمعوا عن قرية العراقيب التي هدمها الصهاينة أكثر من 130 مرّة، وأعاد بناء بيوتها أهلها أبناء النقب، وهم لم يروا عرب النقب المهدّدين بالطرد من أرضهم وبيوتهم. ومن غير الوارد أن يُسألوا عن مصير عرب النقب، فهم معنيون بالرضا الأميركي؛ فحاكم المغرب معني بترسيخ حكمه وتوسيعه، وحاكم مصر يشغله حل بعض الأزمات المزمنة التي تعيشها مصر، والتي ورثها من زمن الانفتاح الساداتي المباركي.

أمّا أبناء زايد، فهم مشغولون بالتآمر على اليمن واحتلال جزره، وانتزاع دور أكبر منهم بكثير؛ دور لن يُشترى بالمال. أمّا حاكم البحرين، رجل السعودية، فهو لا في العير ولا في النفير.

أُستاذ أحمد، من يُساقون إلى النقب الفلسطيني أكثر من جهلة بتاريخ الأمة ورموزها. إنهم خونة. وهؤلاء ينطبق عليهم المثل الشامي القُح: فالج لا تعالج. هم لا يُصلَحون بالنصائح. لذا، إنّ صراع شعوب الأمة معهم هو صراع حياة – ولا أقول أو موت – لأنهم باتوا في موقع العدو، لأنَّ المهم عندهم دوام تحكّمهم في شعوب الأمة، وفلسطين ليست قضيتهم، فهم يبيعون كلّ القيم ليبقوا على كراسي نُصِّبوا عليها من دون موافقة شعوب الأمة.

30-03-2022