الأرشيفالجاليات والشتات

فـي ذكـرى تأسـيس الفقـيدة، ومقـولة أي منظمـة نريـد! – عبد اللطيف مهنا

 (نص مشاركة أرسلتها استجابةً لدعوة من الزملاء في الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، تلقي نيابة عني في فعالية تحييها الأمانة في دمشق الأبية، بمناسبة اقتراب اكتمال تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية من عقده السابع، وتحت شعار أية منظمة نريد؟)


في عالم السياسة، يفترض أن المسمَّيات تأتي، غالباً، عناويناً دالَّةً على مضامين أو حمولة ما أُطلقت عليها، لا سيما إذا ما تعرضنا للقوى، أو كنا ازاء الأحزاب والحركات والتنظيمات بعامة، وسواء اكانت هذه في معتاد حالات المنافسة في مجالات تبادل السلطة في الأوطان التي تعيش ظروفاً طبيعيةً، أو معترك ساحات المواجهة في مواطن الصراعات، وما يعنينا هنا هو هذه الأخيرة، ومنها بالذات حركات التحرر الوطني..

نهاية منظمة التحرير وفتح 1993

هذه الدلالة تنتفي بين المسمَّى وحمولته، إذا ما تبدلت هذه الأخيرة، أو نحت في سياقات انحرفت فيها عن كلمتها الأولى فابتعدت عن يافطاتها المرفوعة، بمعنى أنها قد تناقضت في تحوُّلاتها مع أهداف أصل أشار إليها ضمناً هذا المسمى إبان انطلاقها لكنه صورياً ما يزال يطلق عليها.. هذا المآل النقيض شأنه يعادل نفي وجود هذا المسمى، بل وإن هو لم يُستبدل بغيره المتوائم مع تحولاته هذه بات مجرَّد تزويرٍ بائس لمسماه.. وهذا، من أسف، هو حال منظمة التحرير الفلسطينية!

وفق ميثاق المنظمة الأصل، أي قبل عار العبث به بين يدي كلنتون في غزة، أو عندما أطلق المؤسسون عليها مسمَّى منظمة التحرير الفلسطينية، كان التحرير عندهم وعند شعبنا وأمتنا يعني استعادة كامل الوطن المغتصب والعودة إليه.. كامله من النهر إلى البحر ومن رأس الناقورة حتى أم الرشراش، وليس الجزء المحتل منه لاحقاً فحسب بعد النكبة الثانية عام 1967، فهذا حينها لم يكن محتلاً.
أي أن المفترض، أو المراد، أو المبرر لوجودها أصلاً، كان، إلى جانب بعث الهوية الوطنية النضالية للشعب العربي الفلسطيني، والتي كانت تبدو شبه المغيَّبة بعد النكبة الأولى، هو اعتبارها، وانسجاماً مع مسماها، أداةً نضاليةً لتحرير يجتَّث غزاةً مستعمرين ويستعيد وطن محتل ويعيد أهله إليه، وسيلته الأولى الكفاح المسلح مرفقاً بكافة شتى الوسائل والسبل المشروعة الأخرى الممكنة لمقاومة الغزاة المحتلين وطردهم، والتي أجازتها كافة المواثيق والأعراف السماوية والإنسانية..

بيد أن التنصُّل من جوهر هذا المفهوم والانحراف عن مضمونه مع الاحتفاظ المراوغ بالمسمى، كان مبكراً، وسابقاً بعقود على عار إلغاء بنود الميثاق المعيقة للاعتراف الأوسلوي بكيان العدو الغاصب، أي التنازل له عن 78% من فلسطين، واعتبار ما تبقَّى في حكم أراضٍ متنازعٍ عليها، والتي هي الآن، ما خلا جزر التجمُّعات السكانية الفلسطينية المبعثرة والمحاصرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية، تشارف عملية التهويد الجارية والمتسارعة من حينها على ابتلاع ما تبقَّى منها.. سابق على الغاء مهمة التحرير وإحلال مكانها مهمة التمرير.. أي ركنها على الرف واستحضارها عند اللزوم فقط لتبصم على تنازلٍ مستجدٍ، ومن ثم إعادتها إلى حيث رُكنت.. باختصار نفي دلالة مسماها الذي مازال رغم مآلها المعادل لعدم وجودها.. هذا التنصُّل بدأ خطواته المرصودة بالبرنامج المرحلي، أو النقاط العشر، عام 1974، أما إرهاصاته وعلاماته المموهة فسابقة على هذا التاريخ.

مهَّد لهذه المآلات، بمعنى أتاحها، بل ويمكن القول إنه كان موضوعياً بمثابة المباركة سلفاً لها وحتى الحاضَّ ضمناً عليها، قرار قمة شهير للنظام العربي الرسمي، تلك التي عقدت في الرباط العام 1974، والذي قضى بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، ومن ثم كان من شأن وحدانيته هذه أن سهَّلت لقيادتها “الفلسطينية” التسووية المهيمنة أن ترفع فيما بعد شعار “القرار الوطني المستقل”، وترفده بآخر تبريري هو مقولة “يا وحدنا”.. وبالمقابل، تضافر القرار والشعار فسهَّلا لمن أضمر حينها من أنظمة قطريات الأمة نفض يده لاحقاً من القضية المركزية للأمة العربية فور امتلاكه الجرأة على نفضها.. وهنا تجدر الإشارة إلى أن قرار قمة الرباط المشار إليه قد سبقه بأشهر لا تزد عن خمس من ذات العام إقرار المجلس الوطني للبرنامج المرحلي في دورته التي عقدها في القاهرة! وعليه، ما العجب في أن نسمع فيما بعد مقولات من نوع “نقبل بما يقبل به الفلسطينيون ونرفض ما يرفضونه”.. وصولاً لتعميم استبدال مصطلح “الصراع العربي الصهيوني” ب”النزاع الفلسطيني الإسرائيلي”، الذي تسلل اعلامياً ليعتمد رسمياً! 

ما سبق، زد عليه ما وازاه وما لا يمكن فصله عنه، وهو تداعيات مستمر هذه المذبحة السياسية الجارية لإرادة الأمة التي ارتكبتها أنظمة “اتفاقيات السلام” العربية و”الفلسطينية” المعروفة البادئة “بكامب ديفيد”، والتي لحمتها وسداتها خيانة قضية قضاياها.. ومن بعد ما بني عليه من راهن شائن التهافت على التطبيع الرسمي والنخبوي مع العدو، والجاري أيضاً، والبالغ حد التحالف ودرك هوَّة التصهين، وأخطره الثقافي.. 

وهنا، لا تفوتنا، إحقاقاً للحق، ملاحظة أن من قام بدور “المُحلِّل” فاتحاً الباب لمثل هذا التهافت المخزي، متلطياً وراء شعار “لسنا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين”، هم مختطفو المنظمة الأوسلويون، الذين أضحوا جهاراً نهاراً أداةً أمنيةً في يد الاحتلال وحرَّاساً لمستوطناته، وباتت استمرارية وجودهم في قفص هذا الاحتلال، وشرط عدم انقطاع كفاف صدقات المانحين عنهم، هما رهن باستمرارية قيامهم بهذه المهمة الشنيعة! 

هؤلاء “المحلّلون”، اللذين بختم المنظمة المخطوفة دمغوا صك جريمتهم الأوسلوية، وأوصلوها والقضية والمسيرة النضالية المعمَّدة بدم الفدائيين على امتداد الصراع إلى ما وصلت إليه، ليسوا الوحيدين في ساحتنا الفلسطينية.. شاركهم موضوعياً، وبشكل أو بآخر، كل من تطوَّع، بوعي أو من دونه، لأن يغدو الوجه الآخر لعملتهم، ونعني كل من لم يقطع معهم نهائياً في الساحة الوطنية، موالياً كان لهم أم معارضاً، وفصائلاً كانت أم نخباً، وهؤلاء أرادوا أم لم يردوا، قد باتوا يلعبون في ملعبهم الأوسلوي، وبالتالي كانوا سبباً مضافاً من اسباب تأجيل مستوجب كنسهم وإيجاد بديلهم النضالي، وعامل من عوامل المد في عمر اختطافهم للمنظمة.

وختاماً نخلص إلى ما يلي: عندما أُسِّست منظمة التحرير كان الزمن غير راهن الزمن، والواقع العربي والفلسطيني غير الواقع الذي نعيش، وهي الآن لم تعد أداةً نضاليةً مفترضةً لتحرر وطني، أو غير متسقة مع أهداف مؤسسيها، أ وباتت في حكم غير الموجودة لتناقض دورها مع مسمَّاها، ويبرر حكمنا هذا عليها أنها قد حُوِّلت لأداة بصم وتمرير تنازلات وليس تحرير وعودة لكامل وطنٍ محتل.. لذا، كل اللغط الذي يعلو ويهبط في ساحتنا وفق مواسم التكاذب الفلسطيني الفلسطيني الذي لا ينقطع لغوه حول “الوحدة الوطنية”، أو ما يدعى “إنهاء الانقسام”، وصولاً لمقولة “ضرورة إعادة بناء هذه المنظمة”، مجرَّد لعب ٍ في الوقت الضائع، ذلك لسببين قاطعين:

الأول، أنه لا يمكن استعادتها، أو، وفق الرائج، إعادة بنائها، بدون إعادة الاعتبار لميثاقها الوطني الأصل، إذ  أنه وحده الذي يستعيدها ويعيدها مجدداً من على الرف الأوسلوي إلى موقع المقاومة وخط التحرير، أو هذا الذي وحده ما يعني العودة، ووحده من يوحّد شعبنا ولا يجتمع أو يُجمع على سواه، وهنا ندلف إلى السبب الثاني، وهو استحالة استعادتها، أو إعادة بنائها شراكةً بين نقيضين، أو يشكِّل جمعاً موهوماً لخطين لا يلتقيان، واحدهما مفرِّط مساوم والآخر مقاوم، وأقلَّه رافع لشعار المقاومة، اللهم إلا على قاعدة التحاق الثاني ببرنامج الأول، ولعل مروراً لعقودٍ عجفاء لما دعوناه التكاذب الوحدوي الفلسطيني الفلسطيني أثبتت ذلك..

وعطفاً على السؤال الذي طرحه هذا الملتقى: أي منظمة نريد؟ لا أظن أن هناك من إجابةٍ تصادق عليها دماء شهدائنا سوى، نريد منظمة تحريرٍ ومقاومةٍ لا تمريرٍ ومساومةٍ، تقطع نهائياً مع أوسلو وإفرازاتها، ولا علاقة لها بالذي مازال البعض في ساحتنا يدعوه “السيد الرئيس”! 

أيها الزملاء والأخوة والرفاق في الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، أخوة ورفاق الدرب، والخندق، والمواقف، ومعكم الحضور الكريم، أشكركم على دعوتكم لي للإدلاء بدلوي ولو من بعيد في ملتقاكم بمناسبة اقتراب اكتمال تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية من عقده السابع، وطرحه للسؤال الذي مر أعلاه، وأحييكم وأشد على آياديكم، ومعاً لنترجم شعار اتحادنا التاريخي بالدم نكتب لفلسطين.