الأرشيفالجاليات والشتات

أستأذنكم في توجيه بعض النصائح – رشاد أبوشاور

..ولقد فعلت هذا من قبل، رغم أنني لم أتلق الإذن من أحد، أو فصيل، أو جهة رسمية فلسطينية،انطلاقا من أن هذا واجب وطني.

كان دافعي لتوجيه النصح وطنيتي، وخبراتي في المشاركة في معارك شعبنا الكبرى، وقناعتي بأنني أقوم بواجبي تجاه قضيتي، والشعب الذي ولدت إبنا له، وحملت نصيبي معه من هموم القضية المقدسة التي تجمعه مع ملايين أمته العربيّة.

من غير المعقول أن أحجب النصيحة التي أراها واجبة، مراعاة لشعور بعض الأشخاص، وحرجا من أن أصنف بأنني أنصّب نفسي معلما، في حين إنني أتعلم، رغم أنني في نهاية العقد الثامن من العمر، وعاصرت وشاركت في تجارب ومعارك كبيرة لشعبنا، وخبرت أوقاتا مفصلية لقضيتنا، ولحظات قريبة من اليأس بأن مقاومتنا    توشك على التلاشي لولا..أن شعبنا العظيم يجترح فجأة فعلا ثوريا نهوضيا عارما يغيّر الواقع والوقائع، ويبهر الصديق والعدو، بحيث يقتنع الجميع بأن شعبنا بسبعة أرواح كما كتب الشاعر توفيق زياد، وكما هي الوقائع تنبئ، والحقائق تؤكد، وهو ما يجعلنا لا نيأس أبدا كشعب وضعته أقداره في الخندق المتقدم للصراع بانتظار تهيوء الأمة للحشد والزحف إلى أرض المعركة: فلسطين..وأُذكّر بأن هذا ما حدث في مواجهة الاجتياح الصليبي و المغولي، من قبل، وأنه لم ينقطع شعبيا عربيا في مواجهة الغزو الصهيوني.

من أهم الدروس المستخلصة في معارك تحرر الشعوب التي يفترض أن لا تنسى: المراكمة و..التعلّم، وتوريث الدروس المستفادة لمن سيأتون ويحملون الراية لمواصلة معركة الحريّة حتى النصر المؤزّر بطرد العدو، وهو ما يفعله شعبنا بلا كلل، ولا يأس، وهو بهذا يدفع أعداءه للحيرة في أمره، والشعور بالإحباط والعجز أمام صلابته، ومضاء عزيمته، وتطور خبراته، وهو ما يحققه شعبنا في المائة سنة وأكثر الماضية، وهو ثابت في ميدان المنازلة التاريخية المصيرية.

إنني أنصح بتجنب حمل السلاح في المسيرات، سواء لتوديع الشهداء، أو في المناسبات، أو تحت أي عنوان، لأن عيون عدونا ستتابع حملة السلاح وستستدّل على عناوينهم، وبهذا يكونون مواقع ثابتة محددة، وهذا ما حدث في نابلس لأبطال عرين الأسود فأوقع العدو بخمسة شهداء في ضربة واحدة..وهو ما شكّل صدمة لشعبنا، خففتها فيما بعدعمليتا الخليل وأريحا المبهرتين.

إن التجمع في مكان واحد، والركون إلى أن حمل السلاح، والموقع المحصّن، سيؤمن الحماية، تقدير خاطئ، ورهان خاسر، فالمكان سيكون مصيدة، والسلاح في مكان محدد لن يرجح الكفة في المواجهة راهنا،ولذا نواجه عدونا بالمباغتة، و..أضرب واختفي، ولن أستفيض في هذا الأمر،فهذه بدهيات أولية في حرب المقاومة.

لقد نجحت العمليات التي صنفت بأنها عمليات ذئاب منفردة، لأنها عمليات اقتحام من أفراد يباغتون تجمعات العدو، ومدنه التي تبدو له حصينة، من غير المعقول أن يقتحمها أفراد فلسطينيون مقاومون، وهزّت كيان العدو، وهيبة جيشه، وصدمت محتمعه، وأذهلته بشجاعة (الفرد) الفلسطيني، وقدرته، وثباته، وروحه الاستشهادية.

العدو واستخباراته ، وعيونه وأذانه، وأدوات رصده عجزت عن توقع فعل الأبطال الفلسطينيين، ومعرفة أمكنة انطلاقهم، والأهداف التي سيضربونها..وهنا تفوّق أبطالنا.

من أول المبادئ التي زرعت في عقولنا، عندما انتظمنا في مطلع الستينات من القرن العشرين: السريّة والكتمان..وفي ظروف العمل السري، وقبل انطلاقة الثورة الفلسطينية، حافظنا بهذا المبدأ الثوري على كل تحركاتنا، وتنقلاتنا، وتدريبنا،ولم نكن نمارس أي فعل معلن يمكن أن يكشفنا، ويسهّل اعتقالنا..وبقينا هكذا حتى انطلاقة الثورة الفلسطينية بعد هزيمة حزيران 67 الكارثية.

إن حمل السلاح، وإطلاق الرصاص في المسيرات، يناقض تماما السريّة والكتمان، وإنني من الذين كتبوا قبل سنوات عن عدم المسؤولية في إطلاق الرصاص في المسيرات بحجة توديع الشهداء، وأعود لألح على أن هذا الفعل هو استعراض لا يليق، وهذا الرصاص الذي يطلق في الهواء مكلف بثمنه ونقله، ويتم الحصول عليه (بطلوع الروح) لمقاتلة قوات وأجهزة الاحتلال، لا للمظاهر المنفرة الاستعراضية.

إنني أنصح بعدم الاستجابة لإغواء الإعلام، فهو يستدرجكم للظهور، وتحديد هويتكم، ويكشفكم لعيون العدو، بقصد أو بغير قصد، وأنا أرى أن أفعالكم هي التي تقدمكم، وليست كاميرات المراسلين، والفضائيات..فأنتم أبطال فلسطين، ولستم ناطقين رسميين.

يستطيع العدو أن يرسل مسيراته فوق المناطق التي تتواجدون فيها، لنقل حركتم، وتحديد أمكنتكم، عندما تكونون تجمعات مسلحة، ولكنه سيعجز عن فعل شئ عندما تكونون مجرّد أفراد عاديين بين شعبكم، وسلاحكم مخفي ولا يستخدم إلاّ في لحظات محددة ..ثم يُعاد إلى مواقعه التي من الصعب أن يعرف العدو موقعها، وهو ما يقتضي أن تكونوا مجهولين وأن تتسلحوا بالسريّة والكتمان، فلا مباهاة، ولا استعراض، ولا تشوّف، ولا تسميات تحدد الآحياء، والمدن، والمواقع…

هذه الإجراءات الثورية وغيرها ستسهم في حمايتكم من كشفكم، ومتابعتكم، وتحديد أماكنكم، ومعرفة هوياتكم الشخصية، فأنتم فلسطينيون عاديون، تمارسون حياتكم اليومية العادية أسوة بأبناء شعبكم.

لن تستطيع مُسيرات العدو أن ترصدكم، لأنكم أفراد عاديون، ولن يستطيع جيش الاحتلال أن يوقع في صفوفكم خسائر فادحة، لأنكم لستم تجمعات يمكن رصدها والتعامل معها كأهداف محددة.

أنتم هكذا تفاقمون شعور العدو وأجهزته بالعجز، لأنه يتلقى الضربات من أفراد، لا يعرف من هم، ومن يقف خلفهم، ومن يحركهم، ومن يوجههم…

وأنتم هكذا ستحظون بإعجاب شعبكم وفخره بكم..بفعلكم، وأنتم كأفراد مجهولون..وبفعلكم معروفون، ولستم تسعون للشهرة الشخصية، ولكنكم تنصرون شعبكم، وقضيتكم، وتضربون عدوكم، وتذلونه..وهل تريدون أكثر من هذه المنجزات؟!

سأصارحكم: شعبنا ينفر من المظاهر المسلحة الاستعراضيّة، وأنا سمعت كثيرا تعليقات كهذه، عندما يرون عشرات البنادق يحملها مُقنعون في المسيرات، والجنازات: ما دامت لديهم كل هذه البنادق فلماذا لا يظهرون في وجه قوات الاحتلال وهي تقتحم المخيمات، والأحياء، وتطارد المقاومين؟!

لا تكفي الحماسة وحدها في العمل الثوري، فلا بد أن تعرفوا ما يحيط بكم، فهناك من لا يحبذون المقاومة المسلحة، وهؤلاء قد يرون في تقويض عملكم خدمة لأهداف وطنية، وبناء على هذا سيعملون على اختراقكم، ومحاصرتكم، وتيئيسكم، وسيغطون ما يفعلون بشعارات وطنية، وبحكمة مدعاة، وبحرص على دمكم..ولهم أساليبهم، ووسائلهم، ومآربهم…

لا بد من أن تتحصنوا مع السريّة والكتمان بالوعي، وبنكران الذات، وبالحرص على الذات..أي على أمن الذات، وأمن أخوة السلاح، والحذر الحذر من المزاودين والاستعراضيين…

أنتم تتحركون في أمكنة ضيقة، تستطيعون توسيعها حولكم بعدم كشف أنفسكم..حتى يأتي الوقت الذي تعم الثورة المسلحة كل فلسطين بمدنها، وقراها، ومخيماتها..ومع ذلك تبقى السريّة سلاحنا الذي يعمي عيون العدو عن رؤية حركتنا، ويحرم أذنيه من سماعنا.