الأرشيفعربي وعالمي

كلهم شارلى أو كواشى أو أحمد فمن انت؟ – محمد سيف الدولة

 

ضربت رصاصات شارلى إبدو الجميع. فانقسم العالم الى جماعات متعددة، على رأسها جماعة “كلنا شارلى” ولكن هناك ايضا جماعة “كلنا كواشى” وجماعة “كلنا احمد مرابط” وجماعات أخرى:

***

أما جماعة (كلنا شارلى) فتقول: اننا نحب الحرية ونقدسها بلا حدود أو قيود. نعيش فى بلاد العشق والفن والجمال. نعيش فى فرنسا صاحبة اول ثورة انسانية تدعو الى الحرية والإخاء والمساواة. لا فرق بيننا على اساس اللون او الجنس او الدين. ونحن قبلة الاحرار والمفكرين والفلاسفة من كل بلاد العالم. ومن عندنا خرجت مأثورة فولتير الشهيرة التى اصبحت مبدأ ساميا لكل الشعوب المتحضرة والتى قال فيها(( قد اختلف معك فى الراى ولكنى على استعداد ان ادفع حياتى ثمنا لكى تقول رايك))

فالحرية هى عقيدتنا الوحيدة، لا يوجد ما يعلوها او يسمو عليها. لا مقدسات سواها. فهى روحنا ورمز شخصيتنا وهويتنا، تماما كما كانت ابراج نيويورك رمزا للولايات المتحدة الأمريكية. فتأتون انتم اليوم لتعتدوا عليها، وتهددوا افضل ما فينا. تقتلون الناس على افكارهم ومعتقداتهم وكلماتهم وما تسطره ايديهم. تواجهون الأقلام بالرصاص. يا لكم من مجرمين.

 ماذ فعلنا لكم؟ وكيف يمكن لبضعة رسومات أو ألوان ان تتسبب فى أذيتكم؟ ان لم تعجبكم، فلا احد يمنعكم من الرد عليها برسومات مضادة وأفكار مختلفة. فالكلمة تقاوَم الكلمة والفكرة بالفكرة، ولكن ليس بالقتل والإرهاب.

لماذا تقتلون 12 انسانا بريئا هكذا؟ لماذا غدرتم بنا؟ بعد ان أعطيناكم الأمان وفتحنا لكم بلادنا لتهاجروا اليها وتعيشوا فيها وتتجنسوا بجنسيتها وتتمتعوا بحرياتها وخيراتها؟ ولم نطلب منكم فى المقابل سوى مطلبا واحدا هو ان تحترموا طريقتنا فى الحياة. ان تتقاسموها معنا وتشاركونا فيها وان تندمجوا فى قيمها وثقافتها، لا ان تهددوها وتعتدوا عليها. ان كنتم ترفضوها وتكرهوها وتحنقوا عليها الى هذا الحد، فلماذا اتيتم الينا؟ لماذا لم تبقوا فى بلادكم؟ او تهاجروا الى بلاد شبيهة ببلادكم؟

اننا لن نستسلم لكراهيتكم وإرهابكم أبدا، ولن تخيفنا جرائمكم و تهديداتكم، ولن نسمح لأمثالكم بالحياة بيننا، وسنطاردكم ونحارب افكاركم حتى النهاية. ولا يخطر ببالكم للحظة واحدة انكم حققتم مرادكم، فكلنا شارلى.

***

اما جماعة (كلنا كواشى) من انصار سعيد و شريف كواشى فيردون: لم نعد نحتمل اساءاتكم لنا ولديننا ولرسولنا الكريم الذى نحبه ونجله كثيرا وندعو له كل يوم فى صلواتنا فمنتهى آمالنا ومرادنا ان نقتدى به وبسنته فى كل شئون حياتنا. وان فى رسوماتكم الساخرة المسيئة، عدوانا وإهانة بالغة وعميقة وجارحة لكرامتنا ومعتقداتنا ومقدساتنا. ولقد حاولنا كثيرا ان ننبهكم الى ذلك، كتبنا وتظاهرنا وحذرنا مرارا وتكرارا. لجأنا الى القانون والقضاء، عبرنا عن غضبنا بكل السبل والطرق السلمية ولكننا لم نر منكم إلا مزيدا من السخرية.

لماذا لم تدركوا اننا لم يعد لدينا سوى ديننا، فهو درعنا الأخير، بعد ان جردتونا من الحق والمقدرة على الدفاع عن أوطاننا المغتصبة فى فلسطين والعراق وأفغانستان، او تحرير الأمة من هيمنتكم وشروطكم وقيودكم. وتواطأتم مع حكامنا لتذيقونا كل مشاعر الذل والاستعباد والتبعية والضعف والخنوع والدونية.

تعطون لأنفسكم الحق فى السخرية منا بذريعة وقحة وهى انكم تسخرون من الجميع وليس من ديننا فقط. وهو ليس مبررا مقبولا لكى نتحمل اهانتكم لنا، فلكم قيمكم ومعاييركم ولنا قيمنا ومعاييرنا.

كما انكم تكذبون فى ادعائكم هذا، فمن منكم يجرؤ على الاقتراب من اليهود واسرائيل؟ ان قوانينكم تدين على الفور كل من يفعل، بتهمة معاداة السامية. هل تتذكرون ماذا فعلتم مع روجيه جارودى احد كبار مفكريكم عندما انتقد اسرائيل؟

كما ان ادعاءكم ان بلادكم هى بلاد الحرية هى كذبة كبيرة. انظروا كيف تتعاملون معنا بتعالى وعنصرية وتهميش. وتضيقون علينا فى الوظائف وتمنعون الحجاب فى المدارس والمعاهد الحكومية، وتقيدون بناء المساجد، وتشجعون الاسلاموفوبيا وتيارات وحملات العداء والكراهية ضد الاجانب.

تتذمرون وتتهموننا بتهديد طريقتكم فى الحياة، فلماذا تسمحون لأنفسكم بالتدخل فى بلادنا فى ليبيا والعراق ولبنان ومالى. وألستم انتم احد اهم اسباب تخلفنا وفقرنا باستعماركم لنا وتقسيمكم لأوطاننا ونهبكم لثرواتنا. هذا الفقر الذى دفع امثالنا للهجرة الى بلادكم أملا فى فرصة افضل من الحياة التى سلبها منا اسلافكم.

تدينون وتنزعجون وتولولون من بضعة رصاصات قتلت عددا قليلا من الأفراد، بينما تستبيحون لأنفسكم كل يوم قتل الالاف منا فى اراضينا وأوطاننا، بطائراتكم وقنابلكم وصواريخكم ومبيعات اسلحتكم ومؤامراتكم وتحالفاتكم، يا لكم من منافقين.

ان لم ترفعوا ايديكم عنا، وان لم ترحلوا عن بلادنا، وان لم تكفوا عن التدخل فى شئوننا، والاستخفاف بنا وبمعتقداتنا، فاننا لن نترككم تعيشون فى امان.

ولا يغرنكم قتلكم لسعيد وشريف، فكلنا كواشى.

***

اما جماعة “كلنا مرابط” فتقول: كلنا “احمد مرابط” الشرطى الفرنسى المسلم ذو الاصل العربى المغربى، الذى قتلته رصاصاتكم الارهابية حين كان يحاول ان يقوم بواجبه ويؤدى عمله فى الدفاع عن سلامة وامن الفرنسيين الذين ينتمى اليهم. لقد كان سعيدا بعمله وفخورا به. كان سعيدا انه يدخل الطمأنينة على اشقائه من الصحفيين الفرنسيين الذين يعملون فى شارلى، حتى لو اختلف معهم. فدوره هو حماية كل الناس من المخاطر والاعتداءات طالما لم يعتدوا على احد.

لم يتردد لحظة فى القيام بهذا الدور. حتى حين عاتبه بعض الاصدقاء بانه لا يجوز ان يقبل هذه الوظيفة فى هذا المكان، لانه يشارك من حيث لا يدرى فى حماية اعداء دينه. فسخر منهم، واندهش من ضحالة افكارهم. فهذه فرنسا بلدنا الجديدة التى هاجرنا اليها طلبا للعيش والحرية التى نفتقدها فى بلادنا. فرنسا بلد الرأى والرأى الآخر، بلد المؤمن والملحد والوثنى، المسيحى واليهودى والمسلم والبوذى والهندوسى، بلد حرية الفكر والاعتقاد والانتماء.

 فماذا يريد هؤلاء المتطرفون والقتلة؟ هل يريدون ان ينقلوا كل الويلات التى هربنا منها فى بلادنا الى هنا؟ الا يرون ما يحدث هناك؟ وكيف يقتتلون ويقتلون بعضهم بعضا بالمئات كل يوم. وكيف يكون مصير المختلفين والمعارضين هو القتل او السجن او المطاردة؟

الم يسألوا انفسهم لماذا لم يعبأ احد فى العالم بمقتل 37 يمنى بسيارة مفخخة فى صنعاء فى ذات اليوم الذى حدث فيه الاعتداء على شارلى ابدو؟ بينما انقلب العالم على ما حدث هنا.

 ان الحياة والانسان هنا لهم معنى وقيمة، ولكن هناك لا قيمة لنا. هذا هو ما دافع “أحمد” عنه وسندافع عنه ونحميه ونتمسك به ونقدم حياتنا فداء له، من بعده.

ثم الا يعلمون حجم الاذى والضرر والمخاطر التى يعرضون لها كل الجاليات العربية والاسلامية فى فرنسا واوروبا؟ الا يتذكرون ما حدث فى امريكا بعد 11 سبتمبر 2001 وكيف تحول كل عربى او مسلم الى مشروع ارهابى محتمل الى ان يثبت العكس.

والا يدركون انهم يعصفون بجهود الملايين منا على مدى عقود طويلة فى التعايش مع الاوروبيين، والنجاح فى كسب حبهم وثقتهم واعترافهم بنا، بل ونشر الدعوة الاسلامية بينهم حتى اصبحنا نحتل الترتيب الثانى فى الجاليات الدينية فى فرنسا وغيرها.

والا يرون حجم الخدمات المجانية التى يقدموها الى اليمين الفرنسى والاوروبى والى اليهود الصهاينة والى اسرائيل، الذين ينادوا جميعا بطردنا وإعادتنا الى بلادنا وإغلاق ابواب الهجرة فى وجوهنا. وتروج ضد جنسنا وديننا ودعوتنا ودعاتنا.

ثم ماذا كانت نتيجة جريمتهم الارهابية؟

الدنيا انقلبت عليهم؟ وعادت اصابع الاتهام مرة أخرى للاسلام والمسلمين، لتزيد تلك الاجواء من الشك والخوف والريبة منا، التى ضربت اوروبا فى السنوات الاخيرة. بل قامت عشرات الصحف على امتداد اوروبا بإعادة نشر تلك الرسومات التى نكرهها.

انكم قتلة وإرهابيون وأغبياء وجهلاء فى اصول الدين والدعوة والوطنية والثقافة. انتم لا تمثلوننا، فكلنا احمد مرابط.

***

واخيرا وليس آخرا هناك اتجاه يدين ما حدث، ولكنه يدعو الى التمهل فى التقييم وإصدار الأحكام، حتى تتكشف الصورة الكاملة وتظهر النتائج والتوابع الدولية والإقليمية وما اذا كانت ستسفر عن غزو جديد.

ويتساءل من يقف وراء هذه الجريمة الارهابية؟ وهل وقعت بسبب الرسوم المسيئة للرسول؟ ام ردا على تورط فرنسا فى ليبيا والعراق ومالى؟ ام انه عملية مخابراتية تستهدف تغذية الاسلاموفوبيا فى فرنسا وأوروبا؟ أو لتبرير اجتياح بلادنا بذريعة الحرب على الارهاب؟ وهل يمكن تبرئة فرنسا والدول الغربية من دورها فى توظيف ورعاية وتمويل عدد من الجماعات الارهابية لتفجير الصراعات الطائفية والحروب الاهلية فى البلاد العربية والاسلامية؟

ويذَكر اصحاب هذا الاتجاه بأننا لم نتيقن حتى الآن من حقيقة ما جرى فى 11 سبتمبر 2001. بل وأصابنا كثير من الشك فى ان يكون عملا مخابراتيا امريكيا لتبرير غزو العراق وأفغانستان. خاصة وأن القتلة المتهمين فى حالتى امريكا و فرنسا، لم ينجُ منهم احدا لكى نتيقن من صحة الروايات الرسمية المتداولة.

Seif_eldawla@hotmail.com

اترك تعليقاً