أبو حسن المطهر.. من عكا والغابسية بدأ الختان – نضال حمد

إذا كان هناك في مخيمنا عين الحلوة من أبناء جيل الثمانينات وما قبله من لا يعرف أبي حسن المطهر فهو بالتأكيد من أولائك الذين تنقصهم المعرفة الدقيقة لسيرة المخيم، لشخصياته، لتاريخه ولحكايته. فالمطهر رحمه الله كان علماً وراية من رايات المخيم الخفاقة. لم يقتصر صيته ولا سمعته اقتصرت على مخيمنا إذ كانت تعرفه المخيمات والقرى والبلدات اللبنانية الجنوبية. مطهراً لأبنائهم وفي بعض الحالات بدون مقابل وفي حالات أخرى كان يدفع للقرويين الجنوبيين الفقراء إجرة العودة من مخيم عين الحلوة الى قراهم في الجنوب اللبناني. ربما كان يعرف أن هذا واجب الفلسطيني القادر على القيام بذلك كعربون وفاء وشكر ومحبة لأهل الجنوب اللبناني الذين قدموا الكثير لأجل قضية فلسطين.

اشتهر الرجل العكاوي الغابساوي نسبة لبلدته الغابسية قضاء عكا، كمطهر في المخيم والجنوب. عرف بين الناس بلقب أبي حسن المطهر وهو صالح حسن العبد. ربما هو من مواليد سنة 1914 في الغابسية قضاء عكا. ورث مهنة الحلاقة والختان والطب العربي عن جده ووالده، فقد مارساها في فلسطين قبل النكبة وبالتحديد في عكا وقضائها وقراها. علم أبو حسن نجله البكر حسن مهنة العائلة المتوارثة. فيما بعد إفتتح حسن صالون للحلاقة في مخيم عين الحلوة. كما كان أيضاً يبيع الأعشاب الطبية العربية. أما والده أبو حسن المطهر فقد تميز بصناعته بنفسه للدواء والرشوش التي كانت تستخدم بعد الختان وتقوم بوقف سريع لنزيف الدم.

يقول نجله سميح: “كان للمرحوم والدي صالوناً للحلاقة في عكا. لا يزال موجوداً لغاية يومنا هذا، كونه يقع على مدخل عكا. لقد أنعم الله على أبي بزيارته قبل وفاته”.

لجأت عائلة المطهر أو العبد الى مخيم عين الحلوة من فلسطين المحتلة سنة 1948 على إثر النكبة. منذ ذلك الوقت تقريباً كل مواليد مخيم عين الحلوة من الذكور مروا تحت شفرة، موس أو مقص أبو حسن المطهر، حيث كان يتم ختانهم وفق الطريقة الاسلامية والتقليدية الفلسطينية. عملية الختان في معظم الحالات كانت تتم فور الولادة. إذ يتسلم المرحوم أبو حسن المهمة من الداية التي تنجب الطفل، ويقوم بما يجب أن يقوم به بطريقة سريعة وفنية، طريقة (شوف العصفور) وبدون استخدام البنج، يعني بلا تخذير.

(شوف العصفور)

أما جملته الشهيرة التي كان يقولها للأطفال عند الختان (شوف العصفور) وما أن يلتفت الطفل الى العصفور غير الموجود أصلاً حتى تكون الجلدة المطلوب فصلها عن حمامته قد طارت، ليتعالى بعدها صراخ الطفل وبكاؤه من الألم. كما تتعالى زغاريد الجدات والأمهات والنسوة. أصبحت تلك الجملة من أشهر الجمل المتناقلة على ألسنة الأولاد في المخيم. كُلنا في طفولتنا كُنا إلتفتنا الى عصفور أبي حسن المطهر، لكن لا أحد منا رأى ذلك العصفور الذي مات مع موت أبي حسن… العصفور الذي طار كما طارت الغابسية وعكا وفلسطين سنة 1948 وأكملت طيرانها سنة 1993 في أوسلو.

الراحل الكبير أبو حسن المطهر فقد كان من العلامات الفارقة والشخصيات التي لا تغيب عن المخيم فهو مثل شمسه نهاراً وقمره ليلاً. كل شباب ورجال وفتية وصبيان عين الحلوة يذكرونه ويعرفونه ومروا تحت مقصه. لأنه المطهر الذي قام بختان وتطهير أكبر نسبة من الذكور في مخيمنا وجواره. أكبر نسبة من الأطفال والفتية والصبيان والشباب والرجال في مخيم عين الحلوة وأنا واحد منهم وقد قام بختاني أو بتطهيري بعد ولادتي بقليل في أيار سنة 1963.

في يوم من الأيام ذهبت مع أبني يعقوب وكان يبلغ من العمر ثماني سنوات ومع إبني سفيان وكان عمره سنة واحدة، الى عيادة دكتور أفغاني مسلم في أوسلو للقيام بعملية الختان. كنت مضطراً أن أكون معهما وأرى ذلك بأم عيني. آلمني قلبي وأنا أشاهد الطبيب وهو يقصص الجلدتين بمقص وكأنه أحد الخياطين يقوم بقص قماشة. طبعا تم الختان بعد تخذيرهما موضعياً. يومها تذكرت عمليات ختان كثيرة رأيتها وكان أجراها المرحوم أبو حسن المطهر. شتان ما بين سرعة وخبرة وفنيات المرحوم أبو حسن المطهر وعصفوره السريّ، السحريّ، وبطء الدكتور الأفغاني. الذي كان سيتسبب لي بجلطة لو استمرت عملية القصقصة أكثر من ذلك.

الرحمة والخلود والذكرى العطرة للراحل أبي حسن المطهر.

نضال حمد

6 آب – أغسطس 2021