مقالة صهيونية :من غزة إلى لبنان – ماذا بعد “الجرف الصامد”؟ – بقلم: عومر عناب

 

توطئة أطلس

رغم أنه يحاول أن يخفيها إلا ان رائحة الخوف الاستراتيجي تفوح من سطور هذا المقال، انه ربما، ومن غير قصد، يشير الى نقاط ضعف إسرائيل في مواجهة قادمة محتملة مع حزب الله والمقاومة، بينما هدفه الأساس الى تنبيه قومه من استخلاص العبر المشترك المتبادل بين حماس وحزب الله بعد كل مواجهة مع إسرائيل، ويتساءل مستبعداً فيما إذا كان حزب الله جاهز لخوض معركة جديدة مع اسرائيل افتراضاً منه ان حزب الله تعلم درس حماس، وأنه غير مستعد ان يدفع ثمناً باهظاً كالذي دفعته حماس، والى المقال:

 

إسرائيل قد أنهت لتوها معركة أخرى في مواجهة حماس، بينما لا تزال محاطة بتحديات ميدانية استراتيجية، وعلى إسرائيل ان تأخذ بعين الاعتبار الانعكاسات الحتمية للحرب في عملية “الجرف الصامد” على الساحات الأخرى، على مستوى النظرة الآنية لمنع التصعيد أو على مستوى النظر الى المستقبل، فإن انعكاسات المعركة ممكنة على حزب الله، وبكلمات أخرى فإن ما يستطيع حزب الله ان يتعلمه من الحرب في غزة وكيف سيؤثر الأمر على طريقة استخدام قوته ضد إسرائيل، هناك من يؤكدون ان أعداءنا يتابعون ما يحدث باهتمام بليغ، وعلى اسرائيل أن تخلق واقعاً يردعهم، ولكن بالنسبة لحزب الله لا يجب ان نكتفي بهذه العبارة الفضفاضة.

عند المقارنة بين حزب الله وحماس يتضح أنه وبشكل تدريجي – مع تطور التنظيمين سياسياً وبناء قدراتهما عسكرياً – فقد اعتمدا لأنفسهما خصائص حكم أو ما يشبه الدولة، كما وأصبحا تهديدين مباشرين أساسيين على اسرائيل، على ضوء ضعف الجيوش النظامية في المنطقة في السنوات الأخيرة.

في الماضي وجدت عملية مشتركة لاستخلاص العبر بين حزب الله وحماس، والذي دعمته بعض الدول مثل سوريا وايران، هذه العملية تمثلت بتدريب عناصر من حماس على أيدي حزب الله وراعييه كالإرشاد فيما يتعلق بأساليب القتال وتزويد حماس بالوسائل القتالية وعلم تصنيع الصواريخ وبناء الأنفاق والبنى التحت أرضية، وفيما يتعلق باستخلاص الدروس المشتركة من جولات القتال مع إسرائيل، وإن بدى في السنوات الأخيرة ان التنظيمين ابتعدا قليلاً عن بعضهما، فحماس تطبق أساليب نجحت مع حزب الله، على سبيل المثال الانتقال الى إطار عسكري هرمي ذو بناء واضح وقدرات قيادية  للسيطرة من خلال الحفاظ على خصائص حرب العصابات، والتزود بسلاح أرض أرض من جميع الأنواع القصيرة والمتوسطة والبعيدة، والتزود بمضادات الدبابات، وطائرات بدون طيار، وكذلك الخبرة في نصب العبوات المحكمة، وبناء تشعبي تحت أرضي.

في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فإن حزب الله حصل على خبرة قتالية تنفيذية متعددة المجالات في الحرب السورية، ولكن وإثر الهدوء المتواصل على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، ورغم الجولات المتعددة والمتكررة بين حماس وإسرائيل فقد طرأ انعكاس معين على طريقة التعلم، في عملية “الجرف الصامد” أظهرت حماس قدرات ابداعية وتحدت اسرائيل بالبنية الواسعة للأنفاق العابرة للحدود باتجاه المناطق الإسرائيلية، تعدد في مسافات إطلاق الصواريخ، وفعالية حقيقية في القيادة والسيطرة؛ هذه الأساليب القتالية ليست جديدة، غير ان استعمالها بشكل واسع لا سابق له من نوعه في المواجهة بين حماس واسرائيل.

لقد تُرك انطباع بأن حماس نفذت، بل ووسعت، في هذا المخطط التفصيلي أساليب حزب الله، والتي أشار إليها نصر الله في خطاباته في السنوات الأخيرة، هذه الخطابات التي هوجمت في الفترة الأخيرة من قبل مسؤولين إسرائيليين، فقد هدد انه في الحرب القادمة فإن التنظيم سيفاجئ إسرائيل، وسينقل المعركة الى داخل الجليل، ومن الممكن الافتراض ان من وراء هذه المقولة تقف خطة تنفيذية أساسها عملية  تسلل بطريقة لا نعرفها الى مناطق اسرائيل السيادية، والتسبب بتحدٍ للجيش على مستوى المدنيين، وهو الأمر الذي حاولت حماس فعله، والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هو كيف واجهت إسرائيل التحديات المختلفة لحماس؟ وما العبر المستخلصة بالنسبة للجبهة الشمالية بهذا الشأن؟

في مواجهتها مع الأنفاق؛ أبدت إسرائيل قدرتها على تعقب جزء كبير من الأنفاق وتدميرها، لكن عليها التأكد من أن هذه القدرة ستكون مجدية في الشمال، فتضاريس الأرض هناك مختلفة ومتعددة، وعمق التغطية الاستخبارية الاسرائيلية أقل فعالية.

فيما يتعلق بالمواجهة مع الصواريخ؛ فإن حماس اتبعت أساليب حزب الله المعتمدة على كثرة المرابض المخبأة تحت الأرض، في مناطق تزدحم بالمباني، ومعظمها معد للإطلاق مرة واحدة، وذلك من خلال الفهم ان اسرائيل يمكنها تعقب تلك المرابض بعد الإطلاق وتدميرها، وحزب الله يمتلك بالتأكيد ترسانة كبيرة من المرابض والقذائف والصواريخ سيحد وجودها من قدرة اسرائيل على تفكيك تلك المرابض.

في مجال الدفاع الجوي؛ فقد أظهرت إسرائيل قدرات متطورة على مستوى تحذير المدنيين، وبالتعرض للصواريخ باستخدام القبة الحديدية، وبإسقاط طائرات بدون طيار أيضاً، حزب الله، وبمساعدة من إيران، سيدرس قدرات اسرائيل على إسقاط الصواريخ والقذائف، وسيحاول تتبع نقاط الضعف والثغرات في غلاف الدفاع الجوي الإسرائيلي، ويفترض ان يبلور خطة عمل للإطلاق والضرب بالمدفعية بصواريخ وقذائف مختلفة المسافات.

في مجال التفوق الجوي؛ فإن سلاح الجو الاسرائيلي أبدى سيطرة كاملة على المجال الجوي، وبقدرات استخباراتية عالية وقدرات هجومية دقيقة وفاعلة، الاستخبارات والهجمات الجوية لم تجدِ نفعاً مع قدرات حماس التحت أرضية، وكذلك لم تفعل مع المرابض التحت أرضية للصواريخ، ولا شبكة الأنفاق الواسعة الانتشار، وحزب الله يفهم معنى التفوق الجوي الاسرائيلي ويحاول أن يتزود، بنجاح نسبي، بمنظومة صواريخ أرض جو لكي يسلب اسرائيل حرية العمل الجوي وباحتمال أقل قدرة جمع المعلومات.

بالنظر الى المناورات الأرضية؛ فإن حزب الله من شأنه أن يواصل أسلوبه التنفيذي، وهو العمل من بين المباني، وذلك على ضوء تمسك الجيش الاسرائيلي بمعالجة الأنفاق دون الدخول الى عمق المنطقة السكنية بسبب الخشية من فقدانه لقواته والتسبب بأضرار جسيمة في صفوف السكان، ومع ذلك فإن الدمار الكبير الذي لحق بمناطق معينة في قطاع غزة يمكن أن يشير الى نوايا إسرائيل تجاه قرى الجنوب اللبناني أو مربع الضاحية في بيروت.

حزب الله قلق مما تعنيه المناورة البرية الواسعة للجيش الاسرائيلي في جنوب لبنان؛ لذلك سيعمل على جر الجيش الاسرائيلي الى مناطق مبنية مملوءة بالكمائن التي ستسهل عليه التسبب بخسائر كبيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي، ومنعه من أي مظهر للنصر، وسيفعل ذلك من خلال صنع المطابقات المناسبة على ضوء البون الشاسع في الظروف الميدانية وخصائص القتال بين قطاع غزة والجنوب اللبناني.

بالإضافة إلى انه بالقتال في قطاع غزة؛ فقد حاولت حماس التسبب في التصعيد في ميادين إضافية في الضفة الغربية، وفي جنوب لبنان، وحتى داخل إسرائيل عن طريق تشجيع الاحتجاج لدى عرب إسرائيل، وحزب الله يمكنه أن يفعل نفس الشيء، ربما يبتغي التصعيد بتوسيع رقعة القتال ضد إسرائيل الى ساحات أخرى في هضبة الجولان، فلحزب الله هناك وجود بنيوي وتواجد عسكري، وحتى الساحة الفلسطينية والساحة القتالية العامة التي تشمل لبنان وهضبة الجولان توجب على اسرائيل أن تنفق الكثير من الأموال والموارد، تجنيد الاحتياط الواسع، وهو الأمر الذي سيمس بالاقتصاد الاسرائيلي في حال انجرت كما حصل في غزة إلى حرب طويلة الأمد، من الصعب معرفة ما يمكن ان يحدث في مواجهة ثنائي الجبهة أو متعدد الجبهات، ولكن من المنطق افتراض مثل هذا السيناريو في المواجهة القادمة.

الموضوع الأخير الذي سنتطرق إليه بهذا الخصوص هو مساحة القرار الإسرائيلي، فحزب الله مطالب بتحليل الرسائل المتضاربة التي طفت في “الجرف الصامد” من ناحية التأييد الجماهيري الجارف في إسرائيل لتوسيع العملية، والتشجيع من الجانب المصري، والتفهم الجزئي من العالم الغربي، في مقابل فقدان الإرادة الذي أبدته الحكومة الاسرائيلية في تنفيذ عملية برية إضافية في قطاع غزة، بالإضافة الى أن على حزب الله ان يفهم أن اسرائيل مستعدة لحرب طويلة الأمد، والتي تتضمن جوانب الاستنزاف عندما أثبتت الحصانة القومية الاسرائيلية استقراراً نسبياً، وفيما يتعلق بالسؤال: كيف سيزن حزب الله هذه المعطيات؟ وهل حرباً طويلة الأمد تناسب طريقة تفكيره؟ وهل سيحاول أن يؤسس لاستهداف الحصانة القومية الإسرائيلية؟

ومجمل القول على ضوء تلك الافتراضات؛ على إسرائيل أن تجهز نفسها لمفاجأة حزب الله الاستراتيجية القادمة لكي تفكك مادتها وتحقق التفوق في المعركة، يحتمل أن يكون المقصود عملية هجومية داخل المناطق الاسرائيلية أو ربما يستخدم وسائل قتالية مفاجئة، وسواء هذا أو ذاك، فالأمر المهم أن على إسرائيل أن تتذكر وجود التعلم المشترك بين حماس وحزب الله، والذي يتحسن ويغتني بعد كل جولة من القتال، بينما هذين التهديدين المباشرين متواجدين على حدودها لا يجب التقليل من مغزى سياسة تواجه تأثير أحد التنظيمين على الآخر.

 

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

 

 

 

مركز دراسات الأمن القومي – مبات عال

مقالة صهيونية :من غزة إلى لبنان – ماذا بعد “الجرف الصامد”؟ – بقلم: عومر عناب

 

 

 

اترك تعليقاً