مقهى أبو دياب العلي وأحمد الماضي أبو ماجد من إجزم حلقة 15

حكايات وذكريات مخيم عين الحلوة – إعداد موقع الصفصاف

أبو ماجد الماضي هو واحد من رواد مقهى أبو دياب العلي وكانا صديقين رحمهما الله تعالى. لقد كان من عادة أبي ماجد أن لا يحضر الى المقهى قبل الغروب. إعتاد أن يأتي الى المقهى بعد غروب الشمس وصلاة المغرب. كما إعتاد أبي دياب العلي ورواد المقهى على ميعاده الثابت. لم تكن تحلو السهرات إلا مع أبي ماجد ونوعيته من “الختايرة” والرجال الكبار “بركتنا”. فمعهم تكون السهرة مليئة بالحكايات والخراريف والقصص والأحاديث والنقاشات الدسمة. نعم دسمة لأنها قصص فلسطين وعبق تاريخها وحياة وكفاح شعبها على مر العصور.

يقول صديقنا ومصدر الكثير من معلوماتنا الأخ أبو عمر – دياب العلي – بخفة دمه ودماثه المعهودة وروحه المرحة، المحبة للدعابة، أن قرية إجزم وهي قضاء حيفا كانت تمتاز بقوة أجساد أبنائها وحتى أن أرقام الأقدام من نمرة ٤٥ وبالطالع.

بصراحة أنا شخصياً كان لي صديق واحد من بلدة إجزم ولا يمكنني أن أجزم كم كانت نمرة نعله لأنني لا أذكر ذلك. ففي كل سنوات معرفتي وصداقتي مع الدكتور الراحل بسام رجا، العربي، الفلسطيني، الإجزماوي، الذي كان إعلامياً فلسطينياً كبيراً ورحل عن عالمنا العام الفائت بسبب إصابته بفيروس كورونا. لم يحصل أن إلتفت الى نعله أو قدمه أو دققت فيهما إن كانا كبيرين أم صغيرين.

بلدة إجزم كما بلدة عين غزال من قضاء حيفا. معظم سكانها غادرا فلسطين على إثر النكبة برفقة وحدات الجيش العراقي التي قاتلت هناك دفاعاً عن فلسطين العربية. مع وجود عدد أقل منهما في سوريا وأقل بكثير في لبنان. كما لا أعلم إن كان هناك من بلدة إجزم أي شخص بقي بعد النكبة في فلسطين المحتلة.

بحسب صديقنا دياب العلي فإن “إجزم امتازت بوجود ستة محامين من بين أبنائها قبل النكبة”. أن يكون هناك قبل أكثر من 73 عاماً هذا العدد من المحامين في بلدة مثل إجزم فهذا يدل على عراقة تلك البلدة وعلى مدى الوعي والعلم والثقافة فيها. لأن بقية قرى وبلدات فلسطين لم يكن فيها كثير من المتعلمين. أما الذين أانهوا المدرسة فإما أنهوا المدرسة الابتدائية أو المدرسة المتوسطة، فيما بعضهم وعدد هؤلاء قليل جدا، حازوا على شهادة “الميتريك” مثل إبن صفورية ومدير مدرسة الفالوجة في مخيم عين الحلوة، الأستاذ عبد المجيد كريم رحمه الله. هو أيضاً كان من رواد مقهى أبو دياب العلي وسيكون هناك حلقة خاصة عنه.

أما بطل حلقتنا أبو ماجد – أحمد الماضي فعند بدء ثورة القسام كان في ريعان شبابه. كما كان شاباً شجاعاً ومقداماً، ورث الشجاعة والوطنية عن والده، الذي كان له نصيب في النضال منذ وعد بلفور اللعين، مرورا بسنوات العشرينات الى سنوات الثلاثينات.

صديقنا دياب العلي الذي يتكلم دائما باحترام شديد وحب كبير للختايرة في المخيم قال أن هذا الشبل من ذاك الأسد. حيث سيصبح الشبل فيما بعد أسداً هصوراً، ضرغاما، هماماً لا يهاب الموت.

في خضم ثورة القسام الخالدة استطاع أبو ماجد الماضي أن يقنع القيادة بأن يضموه الى فرقة الاغتيالات التابعة للثورة، كونه يستطيع التخفي من خلال تميزه بالهدوء وكذلك لتميزه بوجهٍ صبوحٍ، بشوشٍ ولون بشرةٍ بيضاء، فضلا عن الأناقه في الشكل وفي اللباس. بالفعل أثبت بعد فترة من الوقت أنه جدير بالمهمات الخطرة، كالإغتيالات، خصوصا في المدن الفلسطينية الرئيسية والكبيرة، كحيفا ويافا والقدس وعكا وصفد وطبريا الخ.

يقول صديقنا أبو عمر العلي: “كان سلاح أبو ماجد المفضل لتنفيذ مهامه هو المسدس وقد كانت تصويباته دقيقه جداً، فقد إستطاع أبو ماجد تنفيذ عدة عمليات إغتيال ضد جواسيس وضباط إنجليز. حتى وصل به الأمر أن نفذ أكثر من عملية في يوم واحد… فقد كان كالزئبق يفلت من بين أيدي المستعمر البريطاني.”..

بعيد النكبه حط به الرحال في صيدا، في مخيمنا عين الحلوة، حيث تزوج إمرأة من عائلة الديماسي وهم أصحاب محلات الحلويات الشهيرة في مدينة صيدا اللبنانية. فهم أبناء عمومة مع عائلة الديماسي الفلسطينية. وهناك أفراد من آل الديماسي لازالوا يقيمون في صيدا وآخرين في مخيم شاتيلا حتى يومنا هذا.

طبعا بعد النكبة وضياع فلسطين وتشتت شعبنا لم يجلس أبو ماجد ساكنا فبدأ يخطط لتنظيم أعمال فدائية في فلسطين المحتلة، خصوصاً عندما أدرك أن المؤامره كبيرة جداً وأن شعبنا وقع ضحيتها وأن وطننا سلب بالقوة ولا يستعاد بغير القوة.. وبأن النكبة ستطول إن لم يبدأ شعبنا بتنظيم نفسه للنضال كي يعود ويحقق حريته.

يقول ابو عمر العلي: “إلا أنه كالعادة  حرصت الأنظمة كما حرص العدو على ملاحقة ومطاردة المناضلين فقد كانت السلطات في لبنان تسميهم “كثيري الغلبه”.

بدأت مطاردات أحمد الماضي ليس من السلطات اللبنانية فقط بل من سلطات بلدان عربية اخرى حيث طورد واعتقل أينما حل. لكنهم لم يستطيعوا انتزاع ولو كلمة منه. فكان يُطرد ثانية الى لبنان، حيث يعتقل هناك من جديد. بقي على هذا الحال حتى عام  69 بُعيد هبة أو انتفاضة 23 نيسان 1963. تلك الهبة الشعبية الجارفة، التي أطاحت بالمكتب الثاني اللبناني، فأنهت حكمه وسطوته وسلطته وقمعه في المخيمات وأدخلت الثورة الفلسطينية الى هناك.

المناضل الراحل أبو ماجد الماضي قام خلال الخمسينيات والستينيات بالعمل على تنظيم خلايا فدائية، ليس من خلال لبنان فقط، بل من خلال الأردن وسوريا كذلك. بالرغم من صعوبة التنقل والتخفي في ذلك الوقت من الزمن. فقد عانى من شتى صنوف التعذيب على يد جلاوزة المكتب الثاني اللبناني. السيء الصيت والسمعة. الذي قتل واغتال وعذب وسجن الكثير من الفلسطينيين وعلى رأسهم المناضل الوطني الكبير الشهيد جلال كعوش.

يقول صديقنا دياب العلي أن المناضل أبو ماجد الماضي “كان إنساناً متواضعاً جداً وخلوقاً، يحترم الصغير والكبير ويمتاز بفن الإستماع للآخرين”. يعني انسان ديمقراطي بالفطرة ومارس الديمقراطية قولا وفعلاً. رحم الله أبو ماجد، المناضل الكبير، الذي آثر البقاء في الظل. المجد والخلود لهم وعلينا الوفاء، كل الوفاء للتراب الوطني الفلسطيني الكامل، لكل التراب من أول أوله الى آخر آخره…

يتبع

إعداد نضال حمد وموقع الصفصاف