الأرشيفعربي وعالمي

أستاذي علي عزت بيغوفيتش: أن نكفر بإله المجتمع .. 1 و2 من 3

محمود المعتصم

فكرياً، قُدِّم لجيلنا الخيار على أنه إما التزام نوع أو آخر من الأصولية داخل الدين، أو الخروج من الدين. وكما هي الحال مع كل الخيارات المفروضة علينا: أن نكون إما سُنّة وإما شيعة، إما علمانيين وإما إسلاميين، إما أصوليين متطرفين وإما ليبراليين لا مبالين… إلخ. فإن غاية ما يجب فعله هو البحث عن سبيل ما لرفض الاختيار، وأن نبدأ من نقطة أخرى.

سأحاول أن أحكي عن تجربتي مع مفكّر أعتقد أنه يمثّل هذه البداية. سأبدأ أولاً بتقديم نتاج تجربتي مع الأصولية، ثم في الجزء الثاني سأتطرق إلى الأفق الفني والفكري الذي فتحه علي عزّت أمامي، سأختم بمقال عن الحرية الجذرية التي يمثل علي عزت إحدى البدايات الممكنة لها كذلك.

كل شيء بدأ بالصدفة. أعتقد أنني كنت قد بلغت العشرين من عمري للتو، لا أذكر جيّداً، إلا أن الحياة كانت قد تفتّحت أمامي لأول مرة: عرفت ما هو الحب، وأردت أن أصبح شيئاً ما. وفي أزمة عدم تمكني من التأقلم مع الدور الذي كان يجب أن أتأقلم معه، في أن أكون طبيباً، ظهر لي لوهلة أن كل شيء في هذه الحياة ممكن. عليّ فقط أن أقرأ عن الأشخاص الجيدين. ذهبت لـ«الدار السودانية للكتب»، وبرفقتي إنسان كان قد أكمل لتوّه تغيير حياتي إلى الأبد. وبينما كنت أبحث في الرفوف، وقعت عيني على اسم كتاب «هروبي إلى الحرية»… كل شيء بعدها أصبح واضحاً: لا يمكنني إلا أن أقرأ هذا الكتاب.
في تلك الفترة كنت قد أكملت لتوي عملية اكتشاف الدين الأصولي: عشت حوالى العام ملتزماً بهذا الشعار «القرآن والسُنّة على فهم السلف الصالح». عليك أن تلتزم بالنص كما فهمه الآخرون سابقاً، حتى وإن تعارض ذلك مع أبسط محركات عقلك. عليك أن تخوض يومياً النقاشات مع الناس لإقناعهم بما تؤمن به، فإن أقنعوك بأن ما تؤمن به خطأ، عليك حينها أن تعلم أن ما يقولونه هو مجرد «شبهات»! داخل هذه المنظومة محكمة الإغلاق، عليك أن تخسر كل شيء يمتُّ للحياة في سبيل الرب. لم أستطع أمام تفجّر الحياة في داخلي، حين تفجّرت بالتساؤل والحب، أن أبقى داخل ذلك القيد. وما إن «قررت» نفسياً الخروج من ذلك المكان حتى أصبح ذلك الخروج سهلاً. رغم أنني كنت قد خرجت إلى اللاشيء، لم يكن واضحاً بالنسبة لي، لماذا «هم» على خطأ؟ لماذا كنت أرى بوضوح أن «الله لا يمكن أن يريد هذ الشيء». وترسخت في ذهني، من حينها، قناعة بأنه من السهل أن نسخر من الأصولية أينما ظهرت، أمّا ما هو صعب فعلاً فهو أن نفهم لماذا يذهب الناس إليها، ويتركون خلفهم كل شيء: عقولهم، أخلاقهم، حيواتهم؟! لاحقاً فهمت أن عدم قدرة المجتمع، بقسميه الديني والعلماني، على الإجابة على هذا السؤال سببه أن كل المجتمع يعيش داخل «الأصولية» بشكل من الأشكال. نحن الشباب الذين تورطنا داخل هذه التشكيلات التي تبدو متشددة، لم نكن إلا تمظهراً لحقيقة المجتمع بأكمله. وهذا يفسّر أشياء عدّة:

1- إن «الأصولية» هي نظرة للحياة، تشترط هي نفسها أن لا تؤخذ بجدية. في مجتمعنا ما أن تتحدث بدرجة أقل عمقاً مع أحدهم، حتى تتفاجأ بالأساس الأصولي لحياة الاعتدال، أو حتى التحرر التي يعيشها: علينا، في بعض الأحيان، أن نتبع «كلام الله» حتى وإن خالف عقولنا. حسناً، لماذا لا يلتزم هذا الإنسان بجميع تبعات هذا الاعتقاد؟ هنالك نصوص عديدة تعارض «العقل الاجتماعي» لا يلتزم بها المجتمع، ما هو السبب؟

حتى تستمر الأصولية في توفير الأساس الذي يضمن أن المجتمع لن يتغير على الإطلاق، على الناس أن لا يأخذوها بكامل الجدية. في المجتمع الذي تختل فيه موازين القوة بين الناس، بحيث يكون من مصلحة فئات داخل المجتمع أن تحافظ على المجتمع «متخلفاً» لا بد لأيديولوجيا ما أن تضمن هذا «التخلف». ولا بد للناس أن لا يأخذوا هذه الأيديولوجيا بجديّة.

وفي هذا السياق يمكن أن نفهم لماذا تغض الدول الإسلامية (مثل السودان، والسعودية، و إيران) الطرف عن إتباع التشريع الأصولي في بعض الأمور. كتنفيذ حد الرجم، أو مقاطعة الغرب «الكافر»،. فإنها لا تقوم بأمر جديد على المجتمع. مثل هذا التعطيل لصريح النصوص يحدث في المجتمع كل يوم، لا يلبس الناس ويتكلمون، ولا يعاملون بعضهم كما يريد الشرع، حتى أن النغمة الأكثر شيوعاً لدى الواعظين الدينيين هي أننا مجتمع من العصاة. ولذلك لا تظهر تصرفات «دولهم» غريبة. أن تكون «أصولياً» هذا يشمل، بالضرورة، أن تعطّل وبطريقة ممنهجة كل شيء تقرّه هذه الأصولية.

لكن كيف تضمن «الأصولية» لبعض الفئات في المجتمع أن تحافظ على مواقع «القوّة» لمصلحتها؟ إذا أخذنا مجتمعنا السوداني كمثال، فإنه يمكن الإشارة لمراكز القوّة بذكر أربع «رموز» اجتماعية: الذكر (الرجل كصاحب قوة على المرأة)، والسياسي (الدولة كآلة هيمنة على الناس)، والرأسمالي (الطبقة التي تعمل على تركيز الثروة بأخذها من عامة الناس)، والشمالي (النخب النيلية التي تستعلي ثقافياً على أهل الهوامش في الغرب والجنوب، وبالتالي تكسب امتياز قوة ثقافي كفرض لغتها على بقية الناس مثلاً).

هذه الفئات التي تتمتع بامتياز القوّة هي فئات غير متجانسة، وتخلق تناقضات في علاقات «القوّة»، حتى في داخل نفسها (الرجل الرأسمالي يستغل الرجل العامل/ الرجل في غرب السودان يهيمن على المرأة هناك/ الرأسمالي من الشمال يستعلي ثقافياً على الرأسمالي من الجنوب… إلخ). لكن على الرغم من كل هذه التناقضات فإن هذه الفئات، التي تمثّل الخلل في منظومة «القوّة»، سترى على الدوام أن من «مصلحتها» أن لا تحدث تغيّرات جذرية داخل الدولة أو المجتمع.

لذلك ستجد الرجل السوداني العادي مؤيّداً للتغير إلى أن نصل للأسرة، لحريّة المرأة. وستجد أن السياسي سيرحب بالتغير إلى أن نصل لمطلب الديموقراطية الجذرية، التي تجعله مجرد خادم للناس. وستجد أن المرأة الشمالية سترغب في المحافظة دائماً على تفوقها الثقافي على المرأة في الهامش؛ وهكذا. وبهذه الطريقة تتكون منظومة «الرجعية» داخل المجتمع. وستقف هذه الفئات، في مناطق عدة، وبطرق مختلفة، وبدون أي تنسيق مسبق، أمام كل مطالب التغيير الجذري. وعلى الرغم من العشوائية الكاملة لتشكل هذه المنظومة، إلا أنها بالغة القوة والتأثير.

لكن هذه المنظومة لا يمكنها أن تعتمد على القوّة المباشرة دائماً. هي بحاجة الى «أيديولوجيا». لن يستطيع الرجل أن يفرض قوته على المرأة بصورة عملية دائماً (احتكار فرص العمل وإجبارها على أن تعتمد عليه اقتصادياً)؛ لذلك فهو بحاجة الى وسيلة «يقنع» بها المرأة بأن عليها أن تتبعه، حتى وإن استقلّت عنه اقتصادياً. ولأن هذه الأيديولوجيا «يجب» أن تكون غير عقلانية، فإن شكلاً، أو آخر من أشكال الأصولية، سوف يهيمن في هذا المجتمع. سوف تبحث الطبقة المهيمنة على وسيلة لإيقاف المستضعفين عن التفكير بحرية. سوف تظهر «ثوابت» ما لا يسمح لنا بأن نفكر فيها. علينا فقط أن نتبعها بعيون مغلقة. وستجد دائماً أن مراكز «القوّة» (الرجل، السياسي، الرأسمالي، الشمالي) ستلتزم بهذه الأيديولوجيا، في أوقات الحاجة فقط. لا حاجة لأن تكون الأيديولوجيا في حالة عمل طول الوقت، بل لا يجب أن تعمل طول الوقت.

هذه الأيديولوجيا «غير العقلانية» سوف تدمّر المجتمع إن أخذها كل الناس بجدية. لذلك فإنه في داخلها (النص هو المرجع الأعلى، له أسبقية على العقل) سوف تنشأ تيارات «معتدلة» تحاول على الدوام أن تخبر الناس أن «النص» في ذاته معتدل. وأن بإمكانهم أن يبقوا داخل هذه الأيديولوجيا، دون أن يدفعوا الثمن الكامل لها. وبالتالي تجد هذه التيارات قبولاً واسعاً. هذا بالطبع مع بقاء أغلبية الناس في حالة عدم التزام كامل بأي تدين حقيقي. أغلب الناس سوف يصبحون متدينين عندما تتهدد مواقع القوة عندهم (تذكر الرجل الشرقي التقليدي الذي يعيش حياة التمرغ في المحرمات، ثم يشتاط غضباً مع أول تحرر تطالب به المرأة). أما أيديولوجيا «الأصولية» المعتدلة فلن تبقى معتدلة متى ما وُوجهت بمطالب جذرية.

2- إن الأصولية منظومة لا يمكن مواجهتها عقلانياً. لن تحتاج إلى كثير من الوقت حتى تقنع شخصاً بأن الدين لا يمكن أن ينبنى على إيقاف العقل، لأنه بهذه الطريقة ما كان يمكن للإسلام أن يظهر. فبدون مرجعية العقل والأخلاق كيف أمكن تدمير منظومة التدين الوثني؟ لكن رغم ذلك فإن الأصولي لن يقبل الخروج عن هذا الاعتقاد. وما إن تتعرف على عدد من الأصوليين السابقين (مثلي)، سوف تفهم منهم أن المسألة كلها تحل على مستوى «اللاوعي»… سوف يخرج الأصولي من هذه المنظومة عندما لا يعود كيانه النفسي بحاجة لها، ويكون «مستعداً نفسياً» للتخلي عن الحماية الأصولية.

هنا يمكننا أن نشير لفكرة أن الأيديولوجيا عموماً لا تعمل على مستوى الوعي. بل تعمل على مستوى اللاوعي. تشكّل الأيديولوجيا الخلفية السميكة، غير المرئية، التي يشاهد الإنسان الحياة من خلالها. تنمو الأصولية داخل ذهن خائف «بصورة غير واعية» من الحرية. أن تكون حرّاً هذا أصعب شيء على شاب صغير في مقتبل العمر. خاصّةً إذا أخذنا في الاعتبار أنّه، وحالما يتحرر الإنسان ذهنياً، حتى يجد نفسه تحت وطأة أوامر المجتمع: عليك أن تنجح. عليك أن تكون شاباً لبقاً وجذاباً. عليك أن تكون محبوباً. عليك أن تستمتع بالحياة!

هنا ستعني الحرية أن الإنسان سيجد نفسه وحيداً أمام خيارات الحياة التي لا تنتهي. وأمام ضغوط المجتمع التي لا تتوقف. وهذه قوة جبارة. لاحظ مثلاً أثر تفكّك منظومة الأصولية الدينية على اليافعين في المجتمعات الغربية: يمكن تلخيص الأثر المدمر للحرية في ظاهرتي إدمان المخدرات والانتحار، رغم أنه بين هذين الطرفين، هنالك طيف كامل من الظواهر التي توضح أثر قلق الحرية الوجودي على الشباب.

على سبيل المثال، في الولايات المتحدة هنالك طائفة دينية أصولية تدعى طائفة «الآميش». تعيش هذه الطائفة خارج المجتمع الأميركي بالكامل، في قرى متخلفة بكل ما للكلمة من معنى. هذه الطائفة لا تستعمل إلا الحد الأدنى من التكنولوجيا، وتعيش كأسر تقليدية جداً، حيث ينجب عدد كبير من الأطفال، ويكون للرجل سيطرة كاملة. لهذه الطائفة «طقس» غريب جداً، تسمح للشباب اليافعين بأن يخرجوا منها لفترة محدودة ليعيشوا الحياة الأميركية العادية، وبعد نهاية هذه الفترة يقرر الشاب إذا ما أراد المواصلة «كآميش» مدى الحياة أو أراد الخروج. الآن، أعتقد أنه أصبح من السهل للقارئ أن يتوقع النتيجة: يختار جميع الشباب، تقريباً، المواصلة داخل الطائفة. ما يكتشفه شباب «الآميش»، أننا نعيش في مجتمع يصعب فيه أن تكون «حرّاً».

لذلك فإنه لمواجهة الأصولية لا يكفي فقط أن نطلب من الناس أن يكونوا أحراراً، علينا أن نصنع الخلفية الاجتماعية التي تجعل الحرية أمراً ممكناً. في مجتمع تكون فيه علاقات القوة عادلة، لن يشكّل المجتمع آلة ضغط على الأفراد. يمكنك أن تلاحظ على سبيل المثال أن وحشية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العراق، وأفغانستان قد شكّلت بيئة خصبة لنمو الأصولية الدينية، وتطرّفها. لكن علينا، كذلك، أن لا ننسى أن إحدى سبل توفير مناخ ملائم للحرية، خاصّةً في مثل مجتمعاتنا، هو إنشاء حركات تحرّر جذرية.

3- إن «الأصوليين» هم النواة التقدمية في المجتمع. في مجتمع لا يأخذ أصوليته بجديّة، ويستخدمها، بطريقة «فاسدة»، لتثبيت دعائم منظومة القوة غير العادلة فيه؛ فإن أكبر مهدد لهذا المجتمع هو أولئك الذين سيأخذون الأمور بجديّة. الموقف الأكثر ملاءمة هنا أن نقول بأن هؤلاء الأصوليين سيجعلون حقيقة المجتمع تظهر للعيان «البشاعة التي يراها المجتمع في داعش، أو في جماعة أنصار السنة هي بشاعته هو. هي حقيقته التي لا يريد أن يراها». ولكن هنالك موقف أكثر جرأة أريد أن أتخذه هنا:

بالتأكيد لا يمثّل الفرد الداعشي مثلاً نواة لتكوّن فرد ثوري تقدمي. الفرد الداعشي يمثل قمة فساد الإنسان عندما «يرتاح» الشخص داخل المنظومة الأصولية، ويتمكن (نتيجة لأنه شخص مختل sociopath) من العيش داخلها. مثل النازي أو العضو في جماعة الكو كلوس كلان… أذكر أن أحد الأصدقاء أخبرني أنه شاهد فيديو لداعشي يقوم بإعدام مجموعة من العراقيين، كان صف من الناس يجثوا على ركبته وأمامهم قبر كبير، وكان الفرد الداعشي يمر على هؤلاء مطلقاً النار على مؤخرة رؤوسهم الواحد تلو الآخر، وقبل أن يطلق كل رصاصة كان يردد: قال رسول الله (ص) لا يجتمع كافر وقاتله في النار.

هنا تلعب الأصولية الدينية دور الغطاء لشخص مريض اجتماعياً، رغبة الإنسان في القتل ستظهر في شكل تنفيذه المجرّد لأوامر الرّب. حتى أتمكن من إخراج البشاعة التي في داخلي علي أن أدرك نفسي كمجرد «أداة» في يد الرّب. على الرجوع للرسول في هذا المشهد ألا يضللنا كثيراً، المرجع الحقيقي هنا لا يمكن إلا أن يكون الفرد الداعشي ذات نفسه. أنت لا تتخلص من الحرية عندما «تقرر» أن تتخلص منها. في داخل هذا الإطار من المرض الاجتماعي لن يجدي أن نشرح لهذا الشخص أن الدين في الحقيقة لا يأمرنا بمثل هذا، لأن «الدين» هنا ليس هو المحرك. ولذلك وجد أمثال هؤلاء حتى في المجتمعات الملحدة. سيجدون التبرير دائماً. سيجدون «السيد» الذي يأمرهم بما يريدون.

لكن، على الرغم من ذلك، علينا أن نرى في أنواع أخرى من الأصوليين بادرة الأمل. إن الخطوة الأولى للتحرر من الأيديولوجيا هو الالتزام بها بجدية. عندما تؤمن بشيء عليك أن تؤمن به فعلاَ، وبذلك فقط سيكون من الممكن لك أن تتحرر منه. هؤلاء الشباب الذين أخذوا التدين الاجتماعي بجدية هم أكبر مهدد للمنظومة بأكملها. لأنهم هم فقط من بإمكانهم أن يروا الخلل. أستطيع من تجربتي القصيرة، أن أقول أن أعداداً من الشباب الأصوليين كانت تبدو لي «بريئة» و«صادقة» أكثر بكثير من منتقديهم «المعتدلين» من الخارج.

هذه البراءة، والصدق ليسا بلا قيمة. ولذلك فإننا اليوم نرى بعض أصوليي، الأمس، أصدق تقدميي اليوم. بمعنى من المعاني، فإن الشاب الذي يختار أن يأخذ التدين الاجتماعي بجدية، هو شخص لم يستطع أن يتأقلم مع فساد المجتمع، مع فساد منظومة التدين غير الجاد للمجتمع. لذلك فهو نواة التقدم. أما الشخص الذي تمكن من العيش داخل التناقض (أن يعيش الحياة كشخص متحرر، ومواكب لحداثة العصر بينما يحافظ على إيمانه بكل قواعد الأصولية لحين الحاجة) فهو الفساد بعينه. هو العائق أمام كل خير.

—–

الجزء الثاني

أستاذي علي عزت بيغوفيتش: أن نكفر بإله المجتمع [2/3]

كنت قد بدأت في الجزء الأول حكاية تجربتي مع مفكر أعتقد أنه يمثل هذه البداية، حيث قدمت خلاصة تجربتي مع الأصولية. في هذا الجزء سأتطرق للأفق الفني والفكري الذي فتحه علي عزت أمامي، وسأختم في الجزء الأخير بمقال عن الحرية الجذرية التي يمثل علي عزت إحدى البدايات الممكنة لها كذلك

■ ■ ■

في تلك المرحلة كنت قد بدأت باكتشاف الفن. الفن الذي يتجاوز مجرد الجمال. بتفريقات الغربيين كنت قد بدأت أكتشف أن هنالك Art وEntertainment. لاحقاً سأكتشف أنه هنالك فرق مشابه بين السياسة الجذرية والألاعيب النضالية.

أذكر أنني عندما كنت أقرأ «مائة عام من العزلة»، وهي أول رواية، وربما كتاب كبير، قرأته في حياتي، كنت أنفصل عن العالم الواقعي الذي كانت أسسه تتداعى بالنسبة لي، كانت تفاصيله المهمة تنتهي، وبصورة شديدة القسوة. وأرحل إلى عالم الرواية، بلا أي معرفة عن كيف تقرأ الروايات، ولا أي دراية بأهمية النص الذي أمامي. هذه المواجهة «البريئة» مع الفن ما زالت تمثل أساس فهم الفن كشيء «حقيقي» أكثر من الواقع بالنسبة لي. بعدها بفترة كنت أجد الألم في مختلف الفنون، هي كانت تذكرني بالحقيقة التي تختفي في الواقع، حقيقة أننا نعيش الحياة بأكثر من مجرد الحياة. هذه الحقيقة التي نحاول جميعاً الهروب منها…

سؤال الفن ليس سؤالاً جميلاً. بمعنى أنه سؤال لذيذ ستشعر بالسعادة وأنت تتعرض له. ذلك أن مصدر الفن هو أزمة الوجود، لماذا هنالك حياة وموت، وجود وعدم. كنت قد شعرت لأول مرة بهذه الأزمة وأنا أشعر بالشر في داخلي. هنالك مع التفجرات الكبيرة نفقد حياد الطفولة، حالة كوننا ظواهر «طبيعية». كل شيء غير طبيعي يبدأ بالظهور حتى أنك لا تعرف من أنت حقاً. تصاب بالذهول من الجميل والقبيح الذي يمكنك أن تفعله. ومن ذلك الذي يمكنك أن لا توقف نفسك عن فعله. ولتواصل المسير في هذا الطريق الصعب عليك أن تستعين بالأعمال الفنية. أن تأخذها بجدية. خذ مثلاً الفيلم Shawshank Redemption ما يجعله جميلاً هو أننا جميعاً نعلم أننا نعيش داخل سجن ونحاول الهروب منه. ليس هنالك شيء «بسيط» و«بريء» في هذا الاستمتاع، إنه تمثل «لمشكلة» و«أزمة». هذا «الفن» الذي هو (أنا أعرف الفن بأنه الشيء الجديد جذرياً. لأن الذات نفسها هي الخلق من العدم. الحب مثلاً هو خلق من العدم. كانت كان يقول بأنك حتى تقوم بشيء أخلاقي فأنت يجب أن تولد من جديد، أن تخلق نفسك من العدم/ وهذا حسب علمي هو تعريف الفن عند آلان باديو)، هو فن عرفني إليه لأول مرة علي عزت بيغوفتش. الشيخ القارئ لهيرمان هيسة ونيتشه. يحدثك علي عزت عن ذهوله أمام لوحات بيكاسو وكأنه طفل صغير. وأنا في ذلك الزمن كنت شديد الانبهار بكليشيهات الثقافة (الفن والفكر) ولكنني رغم ذلك أحسست بأن شيئاً قد حدث.

كان تساؤل بسيط يدور في رأسي. من هو الإنسان الجيد؟ وهنا كنت أرى تناقض أن البشر المتدينين هم بشر سيئون. وأكثر من ذلك، إنهم لا يشعرون. أعتقد أن الاستنتاج البسيط هنا هو أن الدين يجعل الناس سيئين لأنه مجرد أكذوبة سخيفة. مثل هذا الاستنتاج لن يكون ممكناً داخل الفلسفة… وابنها الشرعي «علم التحليل النفسي» (وليس علم النفس). وكما سنرى لاحقاً فإن أكثر ما يمكنك أن تراه عبر علي عزت بيغوفتش هو أن الدين، كالفلسفة، هو أقرب للتحرر من اللادين. بعد ذلك بوقت طويل عرفت أن هنالك علاقة وطيدة بين الفلسفة الأوروبية «القارية» والدين. بينما هنالك علاقة وطيدة بين اللادين والفلسفات الواقعية كالتحليلية. في المثالية الألمانية وابنتها الجدلية المادية كانت هنالك دائماً مساحة من الحرية الجذرية، بينما تختفي هذه المساحة في الفلسفة التحليلية… وصولاً للاختلاف بين علم التحليل النفسي الفرويدي ومدارس دراسات العقل Cognitive Sciences.

بالنسبة لي، فإن الكتاب «هروبي إلى الحرية» شكّل بالفعل باباً انفتح على مصراعيه. علي عزت بيغوفتش، وعلى الرغم من كونه مفكراً إسلامياً، إلا أنه ابن مدرسة، في الجذرية والثورة والحقيقة، هي جوهر أوروبا. ربما يكون علي عزت في ذاته إثباتاً ضد دعاوى العودة إلى «التراث الإسلامي» لفهم الدين. فعلي عزت لم يكتشف الدين في أصل تاريخ الفكر الأوروبي وحسب، بل اكتشف الأصل المشترك للدين. فالدين ليس عربياً، ولا أوروبياً، ونفس الأمر يمكن قوله بالنسبة للحقيقة. لذلك يمكنك أن تقول عن كانت إنه «أحد المعلمين العظام للإنسانية» وأن تكون مسلماً. بل أكثر من ذلك، بالنسبة لعلي عزت، فأنت لن تكون مسلماً ما لم تقل ذلك! إن الانفصال بين الشرق والغرب، ومحاولة احتكار الحقيقة في داخل التاريخ الاجتماعي للطوائف والجغرافيا، هو الوثنية بعينها، عندما يعبد الإنسان عشيرته ويسخّر الحقيقة في «صراع الحضارات». «نحن» ضد «هم» بتعبيرات إدوارد سعيد. من «نحن»؟ بالنسبة لعلي عزت فنحن أكثر من كوننا أبناء للصحابة وبقية رموز التراث… نحن أبناء الحقيقة التي ظهرت في أوروبا. نحن أبناء تلك الحقيقة أكثر من الأوروبيين.

والكتاب هو فن في النضال. كتبه علي عزت وهو في سجون شيوعية تيتو. كتبه كمهرب من طبقات السجن المتعددة. دعوني أضعها بهذا الشكل: في «ذاتيته» هرب علي عزت نحونا جميعاً. هو أراد أن يكون جزءاً منا، نحن الذين سنقرأ كتابه ثم نرتبط معه بعلاقة أبدية. إن الذاتية المفرطة لشخص يدون أفكاره المعقدة في بيئة لا تقرأ غير «التكرار الأصولي اللا نهائي» هي المدخل الوحيد للمطلق الذي يجمع «الطائفة»… «الحزب». إن هذا المطلق Universal الذي يجمعنا جميعاً هو ما هرب علي عزت له.

الكتاب عبارة عن تأملات، في الفن والدين والسياسة، مكتوبة في شكل فقرات قصيرة. وقد شكلت هذه المقتطفات مدخلاً رائعاً بالنسبة لي للثقافة الغربية… التي هي غاية «الثقافة». ومن وقتها أنا أتعرف بصورة أفضل على أولئك الذين قرأت عنهم عند علي عزت أول مرة: كيركيغار، هيغل، كانت، والبقية. هم المعلمون العظماء للإنسانية. وإن كانت «حضارتك» تجعلك تخجل من قول ذلك فأنت لم تخرج من السجن بعد. هذا بخلاف أنك تخلط بين أشخاص مثل جورج بوش وكانت. هؤلاء لا ينتمون لنفس الحضارة «إن كان لزاماً أن نتكلم بمنطق الحضارات». جورج بوش ينتمي لنفس حضارة صدام حسين.
ثم جاءت منظومة علي عزت الفكرية بعدها في كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب»: الأخلاق هي أساس الدين. ولذلك فالعقل الحر هو أساس الدين. لأن الأخلاق هي نتاج حرية العقل. الله نفسه سيعتمد على الأخلاق حتى يصبح ممكناً. وليس العكس. ولذلك فالنص عديم القيمة (بل قد يكون شراً) إن قُرأ من دون عدسة الأخلاق والعقل.

بالنسبة لعلي عزت، فإن القانون الأخلاقي في الإنسان هو شيء سابق للدين. بمعنى أنه سابق للرسالة السماوية. هو، بالتأكيد، بالنسبة لعلي عزت، جزء من الدين دائماً، لكنه ليس جزءاً من «التعاليم» الدينية. الرسالة لا تعلم الناس الأخلاق، لا تخبرهم ما هو الصواب وما هو الخطأ، ذلك المجال هو مجال الفرد. أنت عندما تتعرض لسؤال أخلاقي، عن هل يجب أن تقتل أحدهم مثلاً، أو عن كيف يجب أن تعامل زوجتك أو ابنتك، فإنه لا معنى، من الناحية الدينية، لأن تذهب بحثاً عن الإجابة عند شيوخ الكهنوت أو داخل النصوص الدينية. ما هو الأخلاقي في تنفيذ تعاليم الأخلاق من دون أن تقررها بحرية؟ ما تفعله الرسالة السماوية هو عكس ما يتوقعه الأصولي منها، هي تحرر «الفرد» من عبادة «المجتمع». هي تعيد التشريع للإنسان الفرد. تعيد الحرية إليه. ولذلك فهي باستعادتها للحرية والأخلاق والعقل من المجتمع تجعل الإيمان بالله ممكناً. المجتمع لا يستطيع أن يؤمن بالله، المجتمع وثني بطبعه. كابح لحرية الفرد بطبعه. الفرد هو الذي يؤمن، لأن الفرد في وحدته يستطيع أن يدخل إلى المطلق عبر شعوره بالقانون الأخلاقي وتمتعه بالفن.

خذ مثلاً مشهد تحريم قتل «الموؤودة». إن المشهد يشير الى عملية تحرير الرسالة للبشر من عبادة الأعراف. لقد قام القرآن بمخاطبة الأفراد وطلب منهم، «كل على حدة»، بأن يراجعوا ما هو معروف عندهم بصورة فردية «لا ذنب للموؤودة في أن تقتل». هذه الأخلاق الفردية كانت مكبوتة تحت أخلاق المجتمع. وعبر هذه الأخلاق الفردية يدخل، كل إنسان على حدة، داخل جماعة المسلمين. القرآن لم يقرر أنه من غير الأخلاقي قتل الأطفال. سيكون من المضحك أن ننتظر الرب ليخبرنا أنه علينا أن لا نقتل الأطفال! هذه الأخلاق كانت موجودة سلفاً، كل ما قام به القرآن هو تحرير الأفراد. ما أن ندرك أن لا «رب» بدون أخلاق، حتى نرى التشابه بين منهج الأصولية ومنهج الليبرالية اللادينية التقليدية. كلاهما يشترك في كونهما أيديولوجيا اجتماعية لا تعترف بوجود أخلاق عند الأفراد.

كلا التوجهين لا يعترف بأن هنالك «خيراً» في الناس. لأن كلا التوجهين لا يعترف «بالإيمان». الإيمان الذي يدخل به الفرد مساحة الأخلاق والحرية بما يجعله أكثر من مجرد إنسان. بالنسبة إلى الليبرالية فإن البشر سوف يتبعون مصالحهم متى سنحت الفرصة، حتى الأخلاق نفسها يتم تفسيرها تحت وطأة العلم الواقعي (ولا أقول المادي) على أنها نوع أو آخر من المصلحة. ولذلك على المجتمع أن يكبت هذه الحيوانية في داخل الناس عبر «قوانين اجتماعية» تأتي من الخارج ويخضع لها الجميع. نفس الأمر بالنسبة إلى الأصولية. هي ترى في الدين، أو في نصوص الدين، وفي الرب، شيئاً محسوساً حاضراً، هي تسمح بالشك، وترى أنّ حرية الإنسان المطلقة ستقوده إلى البحث عن مصالحه، كأي حيوان، ومن ثم تأتي ضرورة النص كقانون اجتماعي. بالنسبة إلى الأصولية فنحن عبر خضوعنا للنص بشكل كامل فإننا نسيطر على الحيوان في داخلنا.

في داخل هذه المنظومة التي تتوجس من الفردية لا توجد أي مساحة حرية. وبالفعل، فإن الأفراد غير الأحرار، سوف يتوقفون عن كونهم أفراداً وسيبدؤون في تمثل قواعد المجتمع، وفي هذا الإطار فقط سوف يصبحون غير أخلاقيين (وهنا يظهر الفرد-الحيوان في تعبير آلان باديو) وليس العكس. وفي مقابل هذا العلم المتشائم، هنالك فلسفة ودين من نوع آخر. يمكن فيها «الإيمان» بالحرية الجذرية للإنسان، بحريته من «مصالحه» ومن «نفسه». منذ المثالية الألمانية (كانت، هيغل) وحتى علم النفس اللاكاني، ومروراً بالثورات الماركسية، حاول البشر أن يكونوا «مجتمعاً» من الأحرار. مجتمع يمكن فيه أن يوجد الإنسان في كامل غرابته وتفرّده. إن ما يصعب فهمه في هذا الإطار، هو أن مجتمع الأفراد الأحرار هذا هو أكثر ترابطاً وتنظيماً من المجتمع المفكك للحرية الليبرالية الزائفة الذي نعيش فيها الآن. إن الأفراد الأحرار ليسوا قطعاً متفرقة، فالحرية والأخلاق هي أشياء مطلقة تجمع كل الناس. عندما يرحل إرنستو جيفارا ليقاتل من أجل الحرية والاستقلال فإن شيئاً عظيماً جداً سيربطه بفرانز فانون، هم «إخوة» مثل الإخوة في الثورة الفرنسية، لكن هذه طريقة في التجمع تختلف جذرياً عن كل الطرق التي تعودنا عليها. في داخل هذه «الأحزاب الجذرية» لا يوجد قانون اجتماعي، لا توجد «عادات» ولا «مجاملات». في داخلها يوجد أفراد يتعاملون مع بعضهم البعض بلباقة ولطف، تجمعهم رابطة قوية ولكن لا يحفهم أي غطاء خارجي. لذلك ربما تحدث أوسكار وايلد عن «روح» الإنسان في الاشتراكية. المجتمع الاشتراكي سيوفر الخلفية المادية التي سيكون من الممكن داخلها ظهور «الروح»، الفرد المختلف. نحن «الماديون» الذين نتحدث دائماً عن رأس المال، ومصالح العمال، والتنظيم المادي للطبقات القاعدية. نحن في الحقيقة من يهتم بـ«روح» الناس. أما المتشدقون بالروح فغاية فعلهم هو تحويل البشر لحيوانات تنتظر «الحياة» الأخرى.
هذه الفلسفة في الجذرية يمثل الدين، الذي يصنع الأفراد الأحرار، أحد أجمل تجلياتها. لذلك فإن علي عزت بيغوفيتش، وهو الإسلامي الذي صنع أكثر الدفوعات عن الإسلام قوة، سيختفي مثلما اختفى اليسار في الشرق الأوسط وأفريقيا (وأوروبا). سيختفي لأن ما أدى إلى اختفاء أي سياسة جذرية سيؤدي إلى اختفاء أي دين حقيقي: هيمنة طبقات رجعية على المجتمع، وقهر الناس، لا يمكن أن ينجز إلا بتدمير القوة السياسية للتحرر (اليسار)، وتدمير القوة الروحية للتحرر (الفلسفة/الدين).

الاخبار اللبنانية – يتبع الجزء الثالث

* كاتب سوداني

اترك تعليقاً