الأرشيفعربي وعالمي

بيرو، عودة اليسار إلى السلطة في أمريكا الجنوبية – الطاهر المعز

لمحة تاريخية:
قبل هجرة العرب المشرقيين (من سوريا الكبرى) إلى أمريكا الشمالية والجنوبية، وصَف الرّحّالة العراقي، القسيس “إلياس بن حنا الموصلي” في القرن 17، خلال رحلته الدينية بأمريكا الجنوبية (بتكليف من بابا الكاثوليك – روما) التي دامت من 1868 إلى 1683، العمران والبناء والعادات، والطبخ عند السكان الأصليين، وحركة التجارة وأسعار السّلع، وتجارة العبيد، وعادات الزواج ودفن الموتى، ومناخ هذه البلدان، وتقاليد السكان الأصليين وأعمال سك العملة وقيمتها، وشملت مذكّراته (التي قدّمها الشاعر السّوري “نوري الجراح”) صفحات عن “بيرو”، لما استقرّ فترة في عاصمتها “ليما”، وعن الإستعمار الاستيطاني الأوروبي المصحوب بعمليات الإبادة واستعباد السكان الأصليين، والبحث عن الذهب والفضة والزئبق وغيرها من المعادن، وبعمليات “التّمْسِيح” القَسْرِي الذي تمارسه الكنيسة التي عانى السّكّان الأصليون من تَسلُّطها ومن العقاب الجماعي والجرائم التي ارتكبها التحالف بين الكنيسة والمُستوطنين الأوروبيين، ومعاناة السكان من الاستغلال الإقتصادي والإضطهاد القومي والديني، وقدّم الكاهن العراقي تقريره إلى السلطات الكاثوليكية بروما، ولم تُنْشر هذه المُذكّرات للمرة الأولى، سوى سنة 1905 بسوريا…
كانت بيرو جزءًا من حضارة وامبراطورية “أنكا” (أحد الشعوب الأصلية بأمريكا الجنوبية، سميت باسمه سلسلة الجبال الشهيرة) التي كانت تضم بيرو وتشيلي وإكوادور والأرجنتين، قبل احتلال إسبانيا لها سنة 1523، وإبادة السّكّان الأصليين الذين اضطروا إلى الجبال والغابات، وقاوموا الإحتلال الإسباني حتى سنة 1544، ولكن السكان الأصليين قاوموا الإستعمار إلى أن حصلت بيرو على استقلالها، سنة 1821، وبقي الأثرياء أبناء وأحفاد المُستعمرين الأوروبيين وبعض التجار الأجانب يسيطرون على الإقتصاد، وبقيت اللغة الإسبانية مُسيطرة كلغة رسمية، كما الحال في أمريكا الجنوبية (باستثناء البرازيل) ومنطقة البحر الكاريبي، وتقع “بيرو” الحالية، وعاصمتها “ليما”، على جبال “أندينز” المُغطّاة بالجليد، ويحدّها المحيط الهادئ من الغرب، وإكوادور وكولومبيا من الشمال، والبرازيل وبوليفيا من الشرق، وتشيلي من الجنوب.
تُشكل البلاد شريطا مُتنوع التضاريس والمناخ، بين الأراضي الصحراوية والمناخ الجاف إلى سلسلة مرتفعات “سييرا” وجبال الأندينز الباردة والمُغطّاة بالثلوج (على ارتفاع يقارب سبعة آلاف متر)، وتضم بحيرة “تيني كاكا” أكبر البحيرات العذبة بأمريكا الجنوبية، وتُغذّي هذه الهضاب والجبال نهر “آمازون”، الذي يقدّر طوله بنحو خمسة آلاف كيلومتر، بمياه الأمطار العذبة، وتضم البلاد منطقة غابات استوائية مَطيرة، لا يزال يسكنها السّكّان الأصليون.
تُقدّر مساحة البلاد بأكثر من 1,285 كيلومتر مربع، ويسكنها حوالي 35 مليون نسمة، سنة 2020، ورغم ثرواتها، يُقدّر نصيب الفرد من الدّخل الوطني الإسمي، بحوالي سبعة آلاف دولارا، ولا تتجاوز نسبة السكان من أصل أوروبي (أحفاد المُسْتَعْمِرِين) عشرة بالمائة، لكنهم يُسيطرون على الموارد والثروات، إلى جانب أقلية صغيرة من مجموعات أخرى، منها أسرة “فوجيموري” الرئيس الأسبق وابنته، اللذَيْن ثبت تَورُّطُهما في قضايا فساد ضخمة. أما أغلبية السكان فهم من أحفاد السكان الأصليين الذين اختلطوا بالوافدين من الأجناس الأخرى (الأنكا والمستيزو ) ويعتَبَرُ الرئيس المُنتخَب يوم 06 حزيران/يونيو 2021 “بيدرو كاستيلُّو” أول رئيس من السّكّان الأصليين ومن أُصُول ريفية فقيرة، ولذلك انهالت عليه البرجوازية المحلية العنصرية، ذات الأصول الأجنبية، وعرقلت إعلان فَوزه لفترة 43 يومًا…
تعتمد البلاد على تصدير السلع، ويتمركز النّشاط التجاري والصناعي في العاصمة “ليما”، بينما مكّنت الصادرات الزراعية من خلق التنمية في جميع المناطق، خصوصًا بعد الإصلاحات التي نفّذتها حكومة “خوان فيلاسكو ألفادارو” بين 1968و 1975 وشملت الإصلاح الزراعي وتأميم الشركات الأجنبية وإدخال نظام التخطيط الاقتصادي وخلق شريحة واسعة مملوكة للدولة، وتمكّنت الولايات المتحدة والأنظمة الموالية لها، والبرجوازية المحلّية ذات المصالح المُتربطة بالشركات والدّول الأجنبية، من إفشال هذه التدابير، وعرقلتها في تحقيق أهدافها من إعادة توزيع الدخل وإنهاء الإعتماد الإقتصادي على الشركات الأجنبية، إلى أن أصبحت “بيرو” جَنّة الإقتصاد النيوليبرالي، خلال فترة رئاسة “ألبرتو فوجيموري”، سيء الذِّكْر وسيّء الصِّيت، حيث وضعت الحكومة حَدًّا للرقابة على الأسعار وعلى الواردات، وعلى الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحولت ملكية الدّولة للشركات والمرافق إلى القطاع الخاص، وتخللت هذه العملية عدة “خُرُوقات” قانونية، منها الفساد والرّشوة، والمُحاباة، وبيع الشركات الحكومية بأقل من قيمتها، وأدّت هذه الإجراءات النيوليبرالية إلى تقليص دور الصناعة الإستخراجية والتّحويلية، وتضخيم دور الخدمات التي قاربت نسبتها 65% سنة 2018، فيما زاد ارتهان الإقتصاد لصادرات المواد الأولية (النحاس والذهب والزنك والمنسوجات ووجبات الأسماك ) التي تُمول إيراداتها واردات السلع الأجنبية، وتسديد الدُّيُون الخارجية، خصوصًا من الولايات المتحدة (بعد اتفاق التجارة الحرة بين البلَدَيْن، سنة 2006) والصّين والبرازيل وتشيلي، وأهملت الحكومات النيوليبرالية الزراعة التي كانت مزدهرة منذ حوالي عشرة آلاف سنة، كزراعة القُطن والقهوة والفول صغير الحجم، والعديد من أنواع الخُضار، كالبطاطا والكوسة، والحبوب كالذرة والأرز…
تُشير بيانات البنك العالمي (ومصدرها البيانات الرسمية ) إلى انخفاض نسبة الفقر من حوالي نصف السكّان، في بداية القرن الواحد والعشرين، إلى حوالي ثُلُث السّكّان حاليا، أي أنها لا تزال مرتفعة، كما لا تزال نسَب الفَقْر المُدْقَع وفقر سُكّان الأرياف والمناطق الجَبَلِيّة، مُرتفعة، فَضْلاً عن انعدام الأمن الغذائي وانخفاض معدل الأمل في الحياة، عند الولادة، ومتوسّط الأعمار في الريف، ونقص البنية التحتية من طرقات ومستشفيات ومدارس وكهرباء ومياه الشرب، وصرف صحي وخدمات الإتصالات، وغيرها…   الكهرباء، والطرق الريفية، والطرق السريعة، وخدمات الاتصالات؛ والافتقار إلى المؤسسات الوطنية والإقليمية والمحلية العامة والخاصة.
توجّه “بيدرو كاستيلو” إلى مثل هذا الجمهور الذي يعرف وضعه، بحكم نشْأتِه وعمله وسَكَنِهِ في الريف، ومَنَحَهُ هذا الجمهور ثقَتَهُ، أملاً في تحسين وضعه، بعد سنوات من عدم الإستقرار ومن استهداف صغار المُزارعين، وسكّان الريف عمومًا والسّكّان الأصليّين، من قبل السّلطة والمليشيات الفاشية التي تدعم أحزاب اليمين الحاكم…

المناخ  السياسي لمرحلة الإنتخابات وما قبلها:
أصبح النائب “مارتين فيزكارا” رئيسًا للجمهورية، إثر استقالة  “بيدرو كوشينسكي”، سنة 2018، الذي ورَدَ اسمه في فضيحة مجموعة البناء البرازيلية العملاقة “اوديبريشت” التي أقرت بدفع رشاوى في دول أمريكية جنوبية عدة، وورد إسم أربعة رؤساء بيروفيين سابقين (انتحَرَ أحدهم)، ضمن هذه الفضيحة، وفي يوم التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر 2020، أقال البرلمان رئيس الجمهورية المؤقت “مارتن فيزكارا”، بتهم الفساد، بعد 32 شهرا من توليه مقاليد الرئاسة، .بدعوى “العجز الأخلاقي”، وذلك على خلفية اتهامات بتلقيه رشاوى من باعثين عقاريين سنة 2014، لمّا كان حاكم ولاية، قبل أن يُصبح رئيسًا للجمهورية يحظى بشعبية كبيرة، بسبب مقاومته الفساد، ليتولي رئيس البرلمان “مانويل ميرينو” مهام الرئيس بالوكالة حتى انتهاء الولاية الرئاسية في 28 تموز/يوليو 2021، بموجب الدستور، وبعد أسبوع واحد، في السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2020، اضطرّ الرئيس المؤقت “مانويل ميرينو” لتقديم استقالته، عقب قمع عنيف لمتظاهرين كانوا يطالبون برحيله، أسفر عن مقتل شخصين وإصابة نحو مائة آخرين، وبينما لا يزال المتظاهرون في شوارع وسّاحات العاصمة “ليما” يحتفلون برحيله، ويُطالبون بدستور جديد، انتخَبَ البرلمانيون النائب “فرنسيسكو ساغاستي” رئيسا جديدا بالوكالة، وهو متقدّم في السّن (76 سنة)، لإنهاء فترة الرئاسة، وهو مهندس وأستاذ جامعي سابق، وموظف سابق في البنك العالمي…
أدّت هذه الأحداث السياسية المتتالية، وتغيير الرّؤساء بسرعة، وعدم الإستقرار، إلى استفحال الأزمة الإقتصادية، حيث أغلقت آلاف الشركات الصغيرة أبوابها، وإلى سحب مبالغ كبيرة من  الدولارات من المصارف المحلية، وأدّت كذلك إلى احتداد الصراع بين جمهور المُحتجين في الشوارع، ضد الفقر والفساد، ثم ضد الإهمال الصّحّي، بعد انتشار وباء “كوفيد 19″، إلى تنظيم انتخابات عامة، جرت دورتها الثانية، يوم السادس من حزيران/يونيو 2021، بمشاركة نحو 18 مليون من إجمالي حوالي 25 مليون ناخب (من حوالي 35 نسمة في البلاد)، وحصل “بيدرو كاستيلو” على 50,12% من أصوات المُشاركين في العملية الإنتخابية، مقابل 49,87% لليمينة “كيكو فوجيموري”، المُدانة في قضايا فساد، بفارق يزيد عن 44 ألف صوت، في انتخابات السادس من حزيران 2021، بحسب بيان الهيئة الإنتخابية العُليا، يوم التاسع عشر من تموز/يوليو 2021، بعد ستة أسابيع من تاريخ الإنتخابات، ليُصبح خامس رئيس، خلال ثلاث سنوات، وهو أول رئيس من أصل ريفي، ومن أُصُول طبقية مُتواضعة، ويخلف بذلك الرئيس المُؤقّت “فرنسيسكو ساغاستي”، موظف البنك العالمي، الذي عينه النّواب في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، لرئاسة الدولة، بعد أسابيع من الاضطرابات السياسية.
أما المُرشحة المُنْهَزِمَة “كيكو فوجيموري” فهي ابنة الرئيس السابق “ألبرتو فوجيرموري” المسجون بتهم الفساد وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتمثل الإبنة، كما الأب، نموذج الاقتصاد النيوليبرالي القائم على خفض الضرائب وتعزيز القطاع الخاص بذريعة خلق الوظائف (الوهمية أو الهشة وبرواتب منخفضة جدا)، وتستمد الدعم من برجوازية العاصمة “ليما”، بينما يدعم سُكّان المناطق الريفية الداخلية “بيدرو كاستيلو”، الذي  تعهد  بصياغة دستور جديد، وبتأميم القطاعات الحيوية وزيادة الضرائب على الشركات والثروات، وإلغاء الاعفاءات الضريبية وزيادة الإنفاق الحكومي، لإنعاش الإقتصاد الرّاكد للبلد الذي يسجل واحدًا من أسوإ المعدلات العالمية للوفيات جراء فيروس كورونا، حيث بلغ عدد حالات الوفاة الناجمة عن فيروس “كوفيد 19″، نحو 185 ألف ( في بلاد تعُدُّ 35 مليون نسمة)، قبل أسابيع من إعلان نتائج الإنتخابات، وبدأ التصادم بين الرئيس (ومن ورائه أحزاب اليسار) والبرجوازية الماسكة بزمام المؤسسات السياسية والإقتصادية والتجارية، والمُرتبطة بالشركات الأجنبية للتّعدين وبرجال الأعمال المحلّيّين، قبل تنصيبه رسميًّا، فضلا عن الإزدراء والإحتقار الطّبقي للسّكّان الأصليين ولسكان الريف وللفُقراء (حوالي ثلث السّكّان)، وهي الفئات التي تدعم “بيدرو كاستيلو”، لأنها لم تستفد من الثروات المعدنية للبلاد، واستهواها شعار حملتِهِ الإنتخابية “لا مزيد من الفَقْر في بلدٍ غنيٍّ”، حيث تُعدُّ “بيرو” ثاني أكبر مُصدّر للنُّحاس في العالم، وتُمثل صادرات المعادن نحو 60% من إجمالي قيمة صادرات البلاد، ونحو 10% من حجم الإقتصاد (الناتج المحلّي الإجمالي)، ودعا “كاستيلو” الفُقراء إلى الإستعداد للمُقاومة، إذ يجب احتواء وباء “كورونا” وإعادة تنشيط الإقتصاد، والقَطْع مع النيوليبرالية، وخلق مناخ يُؤمّن الإستقرار السياسي، لتحقيق وفاق حول القضايا الرئيسية، ولذلك وَعَدَ وعد بتشكيل حكومة تُمثّل التنوع الذي تتسم به البلاد وسكانها، والأطياف السياسية، لتطبيق وُعُوده، منها صياغة دستور جديد وتأميم الصناعات الأساسية وصياغة ميثاق أخلاقي للإعلام، وإحْداث القطيعة ربع قرن من السياسات النيوليبرالية…

رئيس الفقراء؟
نَشَأ بيدرو كاستيلو في قرية في منطقة كاجاماركا (شمال) ، حيث عمل مدرسًا في مدرسة ريفية لمدة 24 عامًا، وكان، خلال الحملة الانتخابية، فخورًا بجذوره الإقليمية والريفية، وهو لم يكن معروفاً من قِبَل مواطني بلاده، قبل أن يقود، سنة 2017، إضرابًا وطنيًا للمعلمين استمر أكثر من شهرين، للمطالبة بتحسين الرواتب، لذلك كان النضال النقابي هو الذي جعله معروفًا لدى الجمهور الواسع.
أعلن خلال الحملة أنه في حالة فوزه سيتنازل عن راتبه الرئاسي ويستمر في العيش على راتبه من مهنة التعليم، كما وعد بتحويل مقر الحكومة ومقر إقامة الرئيس إلى متحف، ويحمل القصر الرئاسي إسم “كاسا دي بيزارو” (بيت دي بيزارو)، على اسم الفاتح الإسباني “فرنسيسكو بيزارو”، الذي احتلّ البلاد وقاد حملة عسكرية لإبادة شعب “إنكا”.
عندما كان “بيدرو كاستيلو” طفلاً ، كان عليه أن يمشي عدة كيلومترات للوصول إلى المدرسة، وكان يعمل في الحقول مع والديه. ولا يزال يمتلك، بجوار منزله الحالي، مزرعة مساحتها هكتارًا واحدًا، حيث يزرع الذرة والبطاطا والخضروات، ويربي الدجاج والأبقار، ما يجعل منه “أول رئيس فقير لبيرو”، غير أنه، مثل غيره من القادة ورُمُوز اليسار في أمريكا الوسطى والجنوبية، أظهر ارتباطه بالديانة المسيحية (دين المستوطنين الأوروبيين)، ويستشهد “بالكتاب المقدس” والأناجيل، لتبرير معارضته للإجهاض وللقتل الرحيم.
لُقِّبَ “رئيس الفقراء” لأنه يناضل من أجل المزيد من المساواة.، وتأميم قطاع الغاز والنحاس والليثيوم والذهب، وترويج الإنتاج المحلي من الزراعة والصناعات الصغيرة، لتخفيف الإنفاق على الواردات، ولخلق وظائف من خلال تطوير مشاريع بنية تحتية كبيرة ومنح العقود العامة للشركات الصغيرة، ما أثار غضب الشركات الكبرى وكبار الرأسماليين، من أنصار منافسته.
يتهم الرئيس “بيدرو كاستيلو” الدستور الحالي، دستور 1993، الذي وقع إقراره خلال فترة رئاسة الرأسمالي الفاسد “ألبرتو فوجيموري” (من 1990 إلى 2000) بالترويج المفرط لاقتصاد السّوق وللنيوليبرالية، ولكنه حاول خلال حفل تنصيبه طمأنة الرأسماليين، ملتزمًا “بعدم نسخ نماذج أجنبية”، ومبعدًا عن نفسه “تهمة” التقارب مع الشيوعيين أو مع أفكار وبرامج هوغو تشافيز أو فيدل كاسترو، وتبرّأ من وعود التّأميم أو مصادرة ممتلكات الأثرياء، وكان قد وَعَد خلال الحملة الإنتخابية بتأميم بعض القطاعات ووقف توريد بعض السّلع غير الضرورية، ودعم الصناعات والإنتاج المحلي، وأعلن أن ضرورة إصلاح الإقتصاد الذي انخفض (الناتج المحلي الإجمالي) بنسبة 11,12% سنة 2020، مقارنة بسنة 2019 وارتفع عدد حالات الوفاة بوباء كورونا إلى قرابة مائتَيْ ألف حالة، حتى يوم 25 تموز/يوليو 2021، وهو أحد أعلى معدّل الوفيات في العالم، مقارنة بعدد السّكّان (أقل من 35 مليون نسمة)، ما زاد من حدّة الفقر المدقع…
اعتمد برنامجه الإنتخابي، في خطوطه العريضة، على سيطرة الدولة على ثروة البلاد من الطاقة والمعادن، مثل الغاز والليثيوم والنحاس والذهب، وهي ثروات تحتكرها حاليا الشركات متعددة الجنسيات، مع احترام الملكية الخاصة، ووعد بتوفير مليون فرصة عمل خلال عام واحد ، وتوجيه الاستثمارات العامة لإنعاش الاقتصاد من خلال مشاريع البنية التحتية والمشتريات العامة مع الشركات الصغيرة، و”كبح الواردات التي تؤثر على الصناعة الوطنية والفلاحين، وتعزيز قطاعات الصحة والتعليم والزراعةهدفها: تحسين حالة أفقر سكان بيرو الذين يواجهون ركودًا بسبب جائحة Covid-19، فضلاً عن زيادة البطالة والفقروظل يردد خلال الحملة: “لا مزيد من الفقراء في بلد غني”،  كما وَعَد بصياغة دستور جديد، بواسطة مجلس تأسيسي بعقد جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد… الرئيس المنتخب هو عضو في حزب “بيرو ليبر”، الذي يُدافع عن النظام البوليفاري بفنزويلا، وعن الرئيس “نيكولاس مادورو”…
يتوقّع مكتب الإستشارات “أوراسيا”، وكذلك مجموعة الدراسات والبحوث التنموية (غراد) ان تتصف حكومة كاستيلو ب”الإعتدال” في البداية، مع إشراف خُبراء مُتمرّسين على إدارة الإقتصاد، لأن الحكومة لا تمتلك هامشًا واسعًا للمناورة، “وتحاول طمأنة أو تهدئة مخاوف رأس المال الخاص، المَحَلِّي”، بالإبقاء على مُحافظ المصرف المركزي الذي يُشرف عليه منذ 15 سنة، ونُسب له استقرار العملة المحلية، رغم الإضطرابات التي مَيّزت السنوات الخمس الأخيرة…
بدأ نواب اليمين النيوليبرالي المدعومين من الولايات المتحدة ومن حكومات كولومبيا والبرازيل وغيرها من حكومات اليمين، يُهدّدُون بزعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي، ومحاولة تنظيم مُظاهرات مُعارضة للرئيس “كاستيلو”، قبل تشكيل الحكومة، وأعلنوا أنهم سوف يحاولون إزاحة هذا الرئيس الفلاح والفقير، الذي لا يتجاوز عدد نواب حزبه “بيرو الحُر” ( بيرو ليبر) 37 ، مقابل 24 لزعيمة اليمين، من إجمالي 130 نائب في البرلمان، ويلجأ بعض النواب الدّاعمين لأسرة “فوجيموري” افتعال اشتباكات ذات صبغة طبقية وعنصرية، وأكّد الرئيس “كاستيلو” أنه رئيس جميع المواطنين وليس رئيس قسم منهم فقط.
في خطوة ذات دلالة رمزية قوية وضاربة في عُمق التّاريخ، ذهب “بيدرو كاستيلو”، يوم الخميس 29 تموز/يوليو 2021، إلى مدينة “أياكوتشو” الواقعة على جبال الأنديز، على بعد 350 كم جنوب شرق ليما، في رحلة رمزية إلى “بامبا دي لا كوينوا”، موقع معركة “أياكوتشو” في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 1824، والتي دعمت استقلال بيرو.
حاول الرئيس، من خلال خطابه، أن يكون مطمئنًا وموحدًا، بعد حملة انتخابية مُرْهِقة، بفعل الإستقطاب بين مُرشَّحَيْن، يمثّل كل منهما طبقات أو فئات اجتماعية وبرامج على طرفَيْ نقيض، واقترَحَ “بيدرو كاستيلو” خلال حملته، سلسلة من التأميمات ووقف بعض الواردات لتعزيز الصناعة المحلية، فاتهمته منافسته “كيكو فوجيموري” (زوجها مواطن أمريكي) بالرغبة في قيادة البلاد إلى الخراب والدكتاتورية، وعبّرت هي وأنصارها والقُوى الإجتماعية التي تدعمها (الأثرياء واللصوص والفاسدون) عن حقد عِرْقي وطبقي لكاستيلو وأنصاره وللفئات الإجتماعية التي يُمثلها، واعتدى أنصاره جسديًا على أنصار السيد كاستيلو، وكذلك على النقابيين والصحفيين.
كان “بيدرو كاستيلو”، طوال حملته الانتخابية، موضع انتقادات عديدة واحتجاجات في الشوارع، أطْلَقَها اليمين المتطرف الذي يدعم “كيكو فوجيموري” الذي يتهكّم على “هذا الريفي الذي يُدرّس في الأرياف”، والذي لا يُتقن الحديث باللغة الإنغليزية، بل يتحدث مع النّاس بلغة “الكيتشوا”، وهي لغة أصلية تعود أصولها إلى حضارة الإنكا العريقة التي دَمَّرَها الإستعمار الإسباني، في القرن السادس عشر، ورفعَ اليمين المتطرف شعار: “لا نريد أن يحكمنا cholo“، وهو تعبير عنصري يستخدمه الأثرياء من سُكّان المُدُن، ذوي المُنحدِرِين من المُستعمِرِين الأوروبيين، في إشارة احتقار إلى المواطنين غير الأوروبيين وغير الأثرياء، وإلى سُكّان المناطق النائية، فبالنسبة لليمين البيروفي ، يجب أن يكون الرئيس من أصل أوروبي أبيض أو ثري (مثل فوجيموري من أصل ياباني) ويتحدث الإنغليزية. أما “بيدرو كاستيلو” فيُمثّل اليسار الذي يخيف الطبقات العليا والنخبة المثقفة البيضاء في بيرو، والمتمركزة في العاصمة “ليما”.
عانت بيرو عقودًا من دكتاتورية أحزاب المافيا، الفاسدة، الموالية للولايات المتحدة، ما أدّى إلى إطلاق النضال المُسلح من قِبَلِ حركة “الدّرب المُضيء” الماوية، حتى تم القبض على زعيمها غونزالو وحبسه في دهاليز تحت الأرض. كما عانى السّكّان الأصليون والفلاحون الفُقَراء وسكّان الأرياف وبعض ضواحي المدن من استغلال واضطهاد الرأسماليين والمليشيات الفاشية المُرْتَبِطة بالسّلطة، وخاصة خلال فترة رئاسة “ألبرتو فوجيموري” من 1990 إلى 2000.
تميز العقدان الأخيران من القرن العشرين بانتفاضة منظمة مسلحة ماوية تسمى “الدّرْب المضيء”، وقد أدى العمل المسلح لهذه المجموعة وقمع الجيش (بمساعدة مليشيات اليمين المتطرف) إلى مقتل ما يقرب عن سَبْعين ألف شخص،  معظمهم من الفلاحين الفقراء الذين يدعمون “الدّرب المضيء”، واستغلت السّلطة اليمينية هذا الصراع لإقرار حالة الطّوارئ والتشريعات الإستثنائية، لتبرير قَتْل القادة الرئيسيين للمجموعات المُعارضة، سواء كانت مُسلّحة أو مُسالِمة، إلى أن اعتقلت مؤسس “الدّرب المضيء”، ورمت به في أقبية السّجون، ولا تُفوّت الدعاية اليمينية فرصَةً للتذكير بأن مؤسس “الدّرب المضيء” مُدرس تعليم ثانوي (أستاذ) وكذلك “بيدرو كاستيلو”، فهو أيضًا مُدَرِّس ونقابي، وبالتّالي فإن “التصويت لمُرَشّح اليسار يعني دعم الدّرب المُضيء”، وإن التصويت للمُرشّح “بيدرو كاستيلو” يعني إهانة لسُكّان المدن الكبرى، من ذوي الأُصول الأوروبية، أو من الأثرياء والفئات الوُسْطى، “فما كاستيو سوى مدرس، من أصول ريفية، يُدرّس في مدرسة ابتدائية بمنطقة ريفية”، حيث يعيش منذ صِغَرِه، وحاولَ اليمين الفاشي وأنصار “فوجيموري” تمرير هذه الرّسائل العُنصُرية والطّبَقِية، لاختلاق تقاربٍ لا أساس له، وتقديم “كاستيلو” كإرهابي عنيف، ذي أفكار سياسية خطيرة.
في المجال السياسي، كرَّرَ أن برنامجه يقوم على أساس تغيير الدستور الذي يخدم اليمين النيوليبرالي، وتعزيز قطاعات الصحة والتعليم والزراعة “لتحسين أوضاع سكان بيرو الأكثر حرمانا وحتى لا يعود هناك فقراء، في بلد غني”، كما وعد بخلق مليون فرصة عملن خلال عام واحد، وتوجيه الإنفاق الحكومي نحو الإستثمار العام، لإنعاش الاقتصاد، من خلال مشاريع البنية التحتية، وتبجيل الشركات الصغيرة المحلّية لتنفيذ حاجيات الدّولة والمُشتَرَيات العامة، بالتوازي مع خطط الحد من الواردات التي ” تؤثر سَلْبًا على الصناعة الوطنية وعلى الفلاحين”، بحسب رأيه، كما وعد بعدم التّرشّح ثانية، بنهاية ولايته سنة 2026، وبعودته إلى التدريس.
دعا إلى “سيطرة الدولة على ثروة البلاد من الطاقة والمعادن، مثل الغاز والليثيوم والنحاس والذهب … “، لكنه بدأ يتراجع عن وعوده، حتى قبل أن يبدأ ولايته الرئاسية، وأكد خلال حفل تنصيبه على استبعاد أي “مصادرة للممتلكات والشركات، بل نحن نريد اقتصادًا سليمًا، من خلال الميثاق الجديد الذي طلبنا مناقشته مع المستثمرين…”، من ناحية أخرى ، يزعم حزب “بيرو الحرة”، الذي دعم الرئيس، أنه ماركسي لينيني، وهو أيضًا أحد الأحزاب البيروفية القليلة التي تدافع عن النظام الفنزويلي، لكن البرنامج الذي أعلنه الرئيس ينقُصُه الطُّموح والإعتماد على القوى المُنتجة لإحداث التّغيير المطلوب، الذي عبر عنه الجمهور الذي انتخَبَ الرئيس…
أدان القضاء المحلّي “ألبرتو فوجيموري” بالسّجن لمدة 25 سنة، لارتكابه جرائم تتعلق بانتهاكات عديدة لحقوق الإنسان، والكسب غير المشروع (أي السّرقة والفساد) فهرب إلى اليابان، موطنه الأصلي، ثم عاد، ليتمتع، سنة 2017، بعفو رئاسي صادر عن الرئيس “بيدرو بابلو كوتشينسكي”، ما أثار غضبًا شعبيا، ثم أُدينت ابنة “فوجيموري”، التي ترشحت وخسرت وعرقلت الإعلان عن النتائج النهائية للإنتخابات الرئاسية، وكانت قد أودعت السجن، مع زوجها الأمريكي، سنة 2018، بعد إدانتها في قضايا فساد وغسيل أموال من مصادر مشبوهة، وخرجت من السجن، بعد 16 شهرًا من الحَبْس الإحتياطي، ولا تزال على ذمة التّحقيق في تُهَم فضائح مالية عديدة وفساد تتجاوز حدود “بيرو”، من بينها تلقي رشاوى من شركة البناء البرازيلية “أودبريخت”، وتمويل حملاتها الإنتخابية، سنة 2011 و سنة 2016 بالمال الفاسد، ما يُعرّضها للإدانة والسّجن لفترة ثلاثين سنة، وكأنها ورثت عن أبيها الفساد وحُبّ المال والسلطة.
كانت هذه العوامل، من الأسباب التي ساعدت “بيدرو كاستيلو”، واليسار الذي دعمه، على الفوز بمنصب الرئاسة، وبالأغلبية النّسبية بمجلس النّواب.
دعا بيدرو كاستيلو، مرشح حزب “بيرو الحُرّ” (بيرو ليبر) ، “جميع قطاعات المجتمع إلى “العمل والبناء معًا”، خلال حفل تنصيبه، في الذكرى المائوية الثانية لاستقلال بيرو، ووعد بتنفيذ سياسة تشمل الجميع ولا تُقصي أحدًا، في دولة عادلة وحرة، دون تمييز، وذلك أمام حشد من الأجراء والفلاحين والفقراء الذين عبّروا عن فرحتهم بالهتافات والأهازيج، لأن هذا الانتصار الانتخابي، رغم محدودية نطاقه وتأثيره، هو نتيجة نضال استمر عدة سنوات ضد اليمين الفاشي والفاسد ومجموعات المليشيات والمافيا، وهو يمين ينفذ برنامجًا اقتصاديا “نيوليبراليا”، وقمعًا واضطهادًا متصاعدًا ضد الأُجَراء والفُقراء، بدعم قوي من الولايات المتحدة، هدّد هذا اليمين الفاسد بفترة توتر وصراع، لزعزعة فترة رئاسة “بيدرو كاستيلو”…
تميز اليسار الذي حَكَمَ أمريكا الجنوبية بالمُحافظة على المؤسسات التي خلقتها الرأسمالية، وباحترام الملكية الفردية، وبالإلتزام بتعاليم الديانة المسيحية الكاثوليكية، ديانة الإستعمار الإستيطاني الإسباني (والبرتغالي في البرازيل)، وباستثناء كوبا، طبّقت سُلطات اليسار بجنوب القارة الأمريكية، الكينيزية، على أنها الإشتراكية، ولم تتجاوز تحسين وضع الفُقراء، لينتقلوا من وضع المُحتاجين أو الفُقراء المدقعين إلى وضع “المُسْتَهْلِكِين”، ولم يتحول اقتصاد الريع (في فنزويلا، على سبيل المثال) إلى اقتصاد منتج، ما يَسَّر عملية الحصار الإمبريالي، وعندما عجزت الدّولة عن توزيع جزء من إيرادات المواد الأولية المُصَدّرة، تمرّدَ الأُجَراء والفُقراء ضدّها، كما حصل في البرازيل، واستغلت الرجعيات المحلية، ذات المصالح المرتبطة بالشركات والدّول الأجنبية هذه الثّغرات لتُطيح (أو تُحاولَ الإطاحة) بحكومات اليسار، كما حصل في البرازيل وبوليفيا وإكوادور…
نأمل (بدون أوهام) في توسيع وتقوية الجبهة التقدمية بأمريكا الجنوبية لمواجهة مناورات الإمبريالية الأمريكية، ففي انتصار اليسار، نصر لقضايانا العربية…

______